عناية جابر
لمّا كان صعقني حجم الرواية الضخم للروائي والقاص الألماني توماس مان: ‘الجبل السحري’ مُترجمة حديثاً الى العربية عن ‘دار الجمل’، قلت أقرأ مقدمة المترجم (قاص وروائي) العراقي علي عبد الأمير صالح، علّها تبين لي ما أوشك على التردّي فيه، فرواية مان هذه، وأكاد لا أستطيع حملها من ثقلها، (وهو بالمناسبة صاحب ‘الموت في البندقية’ الأشهى والأروع برأيي بين الروايات كافة، وتعيش معي وفي كتابتي حتى اللحظة) تربو على الألف صفحة، والراوي لن يفرغ على ما يبدو من قصة الشاب هانز كاستورب في دقيقة واحدة. كما أن أيام الأسبوع السبعة لن تكون كافية لقراءتها حتى لقارىء مجتهد. لن تكون كافية الأيام السبعة ولا حتى سبعة شهور. هل يجب أن تكون سبع سنوات لا سمح الله!
لم أتوقف في مقدمة صالح عند طلب الكمال في الكتابة لدى توماس مان، ولا عند الدقة في التعبير عن أفكاره. عبارات لم تجذبني كما لم تجذبني عناية مان الكبرى بالشكل والأسلوب والأداء الفني، ولا شعوره الأخلاقي في الكتابة والتزامه الخلقي، وقلت ان سبباً جوهرياً أكثر شدّ المترجم العراقي لبذل هذه الترجمة المضنية، وآن قرأت قلت للمترجم في سرّي: حسناً، شكراً جزيلاً.
المهّم، ما شدّني الى مباشرة الرواية، والإستغراق في سطورها، ومن ثم التهامها في أسبوعين إثنين لاغير، قصتها التي تراءت في السطور الأولى بسيطة، عن رجل ساذج يدعى هانز كاستورب يزمع القيام بزيارة الى أحد المصحات الإستشفائية حيث يقبع إبن خالته نزيلاً فيها. القصة أكبر عمراً من سنواتها، ولا يُمكن قياس عمرها بطول الأيام، ولا بثقل الزمن على رأسها، الزمن المحسوب بعدد مرّات شروق الشمس أو أفولها. سرد مان تفصيلي مُتأن، دقيق، موسوس، بسبب الزمن الذي استغرقته تلك الزيارة، بسبب زمنها الحقيقي أعني، الذي قد يكون طويلاً جداً أو قصيراً جداً.
يميل توماس مان الى الرأي القائل أن ماهو مُضن هو وحده الذي يمكن أن يغدو ممتعاً حقاً. قد يخالفه أحدنا في هذا الأمر، ولكن هذا ما فعله تماماً في ‘الجبل السحري’نقرأ في تجربة رحلة الشاب كاستورب. لم يكن يعني أن يأخذ رحلته مأخذاً جديّاً أو سلّم نفسه بعمق إليها، بل أن يفرغ منها بسرعة، طالما لزمه ان يقوم بها، وأن يعود كما ذهب، وان يستأنف حياته في النقطة التي في لحظة ركوبه القطار، لزمه أن يضعها.
في ‘الجبل السحري’ يكتب مان في الطب والتشريح والفلسفة والموسيقى وفي مفهوم الزمن، وفي مدينة الله، وفي الحرية والفكر والحب والجنس والثقافة والعلم.
من خلال قصة رحلة بدت بسيطة وعادية لشاب يدعى هانز كاستورب زائراً يواكيم ابن خالته المريض نفسياً، والراقد منذ سنوات في مصحّ على تلّ بعيد، أصغينا للنبل الجوهري للنموذج البطولي للكائن، وللتعبيرات الجديدة الغريبة للحياة. الكلمات تلوح مهدّدة كل ما عرفناه قبلاً، وتنتصر مدافعة عن العبقرية الأدبية لتوماس مان المحتفل في كل سطر من سطور روايته بتاريخ الكلمة المكتوبة من اللحظة التي حفر فيها الإنسان تواقاً الى أن يهب معرفته أو عواطفه البقاء، رموز الكلمات على حجر.
في الحب يقول مان ‘الحب لن يكون شيئاً إن لم يكن جنوناً، انه شيء أحمق، مُحرّم ومغامرة في الألم، أو بوجه من الوجوه هو ابتذال مقبول، جميل كي نصنع منه أغاني قصيرة وديعة في السهول. أما بالنسبة لهذا الذي اعترفت به لك، واعترف لك به قلبي ـ أجل، هذا شيء حقيقي’. في الموسيقى، مان الذي أحبّ فاغنر، ومن خلاله دخل عالم الموسيقى الرائع وكتب فيه بطراوة الموسيقى نفسها: بوق فرنسي يعزف بتردد رقيق، تنويعات على اغنية. صوت سوبرانو طري ومحبّب، تقطّع رائع جداً، غناء راعش للحن: ‘النساء الضالات’. سبع سنوات، مكث هانز كاستروب بين أولئك الذين في العالي. نزلاء المصحّ أنصار النظام العشري. الزمن على أية حال ليس الزمن الذي يخبرنا به السرد، بل بالأحرى زمن شديد الصغر، ليس بوسع المرء أن يراه يتحرك. انه الزمن الذي يكتمه العشب حين ينمو، بحيث يستطيع المرء أن يقول انه لا ينمو مطلقاً. ذلك يُشبه زمن الجبل السحري لمان، الى أن ذات نهاية، تكون الحقيقة ساطعة بنحو لا يُنكر.