الطيب ولد العروسيكلمتني الأخت الكريمة الدكتورة عليمة من جامعة قسنطينة يوم الخميس 12 آب ( اغسطس) 2010، لتقول لي، يبدو أن ‘ عمي الطاهر توفي، لأنني سمعت الخبر في النشرة الأمازيغية، ولم أفهمه جيدا، آمل أن أكون فهمت خطأ، وأن عمي الطاهر بخير’، وعندما دخلت إلى البيت أخذت أشاهد القناة الجزائرية، فإذا المذيعة تؤكد خبر الوفاة، ومضتْ تجول بخلدي بعض الذكريات مع مبدعنا الكبير، إذ لا زلت أتذكر أنه عندما قرر الأطباء معالجته بالطريقة الكيماوية، حضرت لأول حقنة عملوها له، وبعد انتهائها جاءت الممرضة تركض لتتأكد إن كان عمي الطاهر قد تعب، أو تقيأ، فأكدتُ لها أنه بخير. ورد عليها بأن كل شيء على ما يرام، ثم قال لي: ـ ‘ عليها أن تعرف بأنني حضرتُ نفسي جيدا من الناحية النفسية، ولن أترك الدواء يؤثر فيّ، إنني أعرف يا محمد الطيب ـ هكذا كان يناديني دائما، وهو الوحيد ـ أن الكثير من المرضى يسقطون في المرة الأولى، لكنني أنا سأحاول أن أتجاوز هذه المحنة، وإن أتى الموت فأهلا به، أنا رجل أؤمن بالديمقراطية، وإن أتى دوري فأهلا وسهلا به.’كانت الساعة قد اقتربت من الثامنة مساء، وكان علي أن أتركه يرتاح، ودّعته على أمل العودة إليه، ثم نظر إليّ من تحت نظارتيه، قائلا: ‘ سأتجاوز هذه المحنة ولكنني سأدفع ثمنها لأن الدواء الذي أنا مقبل عليه ثقيل وقاس ‘. وهكذا في كل مرة كنت أزوره فيها أبادره بالسؤال عن صحته ثم ننتقل إلى موضوعات أخرى، فكان مواظبا على قراءة جريدة ‘ القدس العربي’، وجريدتي ‘ الشروق’ و ‘ الخبر’ الجزائريتين، بشكل يومي، كما كان يتابع قراءة مجلة ‘ أخبار الأدب’ ومجموعة أخرى من الجرائد والمجلات الجزائرية والعربية عبر الإنترنت. وجدير بالذكر أن حاسوبه كان دائما قريبا منه، بل يعتبره واحدا من بين أهم أصدقائه، وكان يواصل وهو على السرير أو على الكنبة العمل على روايته الجديدة ‘ قصيد في التذلل’ التي كان يكتب فصولها، أحيانا بشق الأنفس، لأنه يتعب من كثرة الأدوية.
فبعد أن يسألني عمي الطاهر عن العائلة، ينتقل إلى الأصدقاء، وكان الأخ والصديق واسيني الأعرج حينما يكون موجودا في باريس يكون دائما حاضرا مع عمي الطاهر، وحينما نلتقي كان حديثنا يدور حول الإصدارات الروائية والإبداعية الجديدة، ثم ينتقل إلى الحديث عن البلد الذي كان يتتبع جديدها اليومي بطريقة محيرة. أتذكر أنه عندما بقي فترة تجاوزت العشرة أشهر، كان يقول لنا ولمعارفه، أنه بحاجة لرؤية البلد، وتنفس هوائها، ثم يواصل: ‘ هذه أول مرة أبقى بعيدا عنها مدة طويلة’. كان الصديق محمد الزاوي والشاعر عمر مرياش يزورانه باستمرار، وكنا نجد أنفسنا أحيانا مجموعة كبيرة، رغم أننا نعيش في باريس إلا أننا نادرا ما كنا نلتقي هكذا، فكان وجود عمي الطاهر حلقة وصل، رغم مرضه، فقد جعلنا نلتقي وكأننا في ديوان أدبي، نتحدث عن الجزائر وعن الكتاب والكاتبات، وكان هو يسرد لنا بعض ذكرياته عن هذا الأديب وذاك الشاعر. وما يلفت الانتباه هو أن كل زائر يزوره لأول مرة يسأله عن أي منطقة من الجزائر، ثم يقول له: ‘ هل تعرف فلاناً؟ ذاك كان معي في الجبل، والآخر التقيته بهذه المناسبة أو تلك، مما كان يخلق ألفة أكبر، ويسأل عن الكبير والصغير، كأننا إخوته أو أبناؤه، بل كان عندما يأخذنا العمل ولا نتردد عليه يتصل هو بالهاتف، ويسأل عن الغياب وعن الصحة وعن الأهل.
كانت فوق طاولته دائما مجموعة من الكتب، إما التي أهداها له زواره أو التي اقتناها حديثا، بحيث كان وقته موزعا بين قراءة الجرائد والمجلات والكتب أيضا، هذا بالإضافة إلى الكتابة واستقبال الزوار. آخر مرة زرته في مستشفى سانت أنطوان صحبة الصديق سليمان بخليلي، رأيت أن ملامحه تغيرت، فقال لي: ‘ أنا بخير، وأتماثل إلى الشفاء، إن شاء الله، أنا أتعالج من مكروب استطاعوا التعرف عليه، وكما ترى فهم يعطونني أدوية للقضاء عليه’. وكان أن وجدنا معه سيدة من العائلة وأحد أصدقائه، وكان كلامنا يدور حول الجزائر وتساءلنا حول الإهمال الذي تعرفه بعض القطاعات، فنظر إليّ وعيناه تتساءلان وضم صوته إلينا حيث أضاف قائلا: ‘ لكم الحق في أن تتساءلوا عن تجذّر هذه اللامبالاة والتسيب’، ثم توجه إليّ وقال: ‘ أنتم تطرحون أسئلة أناس مهاجرين’، فلم أفهم، ثم نظر إليّ وقال: ‘ البلد يتمخض، لسنا ندري بأي شيء سيأتي.’ ولكن قبل هذا اللقاء كنتُ قد زرته ذات يوم لما قرأت بعض الصحف العربية وعرفت خبر فوزه بجائزة السلطان العويس على أعماله الإبداعية، اتصلت به هاتفيا وباركت له هذا الفوز، ثم قلت له: ‘ أنا متجه إليك والصديق بدي ابنو يا عمي الطاهر، نريد أن نشد على يديك ونهنئك على فوزك بهذه الجائزة بعد عملك الطويل في مجال الإبداع، ها أنت ذا تكافأ.’ فقال لي بأنه حينما وصله الخبر اتصل بثلاثة أشخاص من بينهم أنا فكانت سعادتي أكثر بكثير، وعندما وصلت إليه أنا والأستاذ بدي، حيث كان يسكن في ضواحي باريس، هنأناه وقلنا له: ‘ ألف مبروك يا عمي الطاهر’، فأجاب: ‘ شكرا، أنا أيضا سعيد بهذه الجائزة، التي لم أتقدم إليها، ولم أتقدم لغيرها’، ثم واصل: ‘ أعتقد أن وزارة الثقافة الجزائرية هي التي رشحتني منذ سنوات. عموما، كما ترون هذه الجائزة كانت هذه السنة من نصيب الشيوخ’ ويقصد ‘عبد العزيز المقالح، والناقد التونسي عبد السلام المسدي، وهو’. هذه الجائزة التي أكد أمينها العام بأن ‘ ( المقالح، ووطار، والمسدي،) يمثلون نخبة فكرية وإبداعية خدمت الثقافة العربية ببعدها الواسع، وساهمت طيلة عقود في ترسيخ قيم إنسانية ووطنية في المجتمع العربي، مما كان له أطيب الأثر في وجدان الأجيال المتعاقبة، وأن مؤسسة سلطان بن علي العويس إذ تمنح الجوائز لهذه النخبة تشعر بالفخر والاعتزاز بانضمامهم إلى نادي الفائزين بالجائزة’. فكانت جلستنا مع عمي الطاهر متواصلة غير أننا في كل مرة كنا نريد الخوض معه في موضوع ما، إلا أن تلفونات المهنئين والمهنئات كانت تقطع خيط مكالمتنا، وعمي الطاهر يرد على الاتصالات مازحا مرة وجادا مرات، وعلامة الفرح بادية على وجهه، ومن بين ما قاله لنا، إنه ‘ يتماثل إلى الشفاء، لأن الأطباء أكدوا زوال بعض الأعراض المتعبة’ ثم رحنا نكلمه عن الإبداع، وعن فنيات القصة والرواية، فتحدث عن تجربته في مجال القصة القصيرة، وقال: ‘كتبت تقريبا مئتي نص، لكنني أعترف بأنه يوجد من بينهم ثلاثة أو أربعة تصلح لتكون قصة قصيرة، هناك خلط بين القصة والحكاية والرواية’. عاد عمي الطاهر بعد ذلك بحيوية كبيرة ليستغرق مع الصديق بدي ابنو في تفاصيل تاريخ المغرب أو المغارب، الأمازيغ وعرب الفتح وبني هلال والقديس أغسطين وابن منظور. من آرائه الطريفة أن ابن منظور بسبب أصوله العائلية ادخل كمية كبيرة من المفردات الأمازيغية في ‘ لسان العرب’ وسوغها. ولأن عمي الطاهر ظل يتقن لغته الأم الأمازيغية فلم تنقصه الأمثلة لتأكيد وجهة نظره. موضوعات الساعة أيضا ظلت حاضرة في كلامه. وكان يتحسر على ما آل إليه الوضع الصحي لبعض الشخصيات الجزائرية التي تعالج في فرنسا مثله في تلك الأيام. ثم كلمنا عن الجاحظية التي يسيرها عن بعد، أي من مكان إقامته في باريس، أما عن الجائزة فلقد جاءته في وقتها لأنه ارتاح لها كثيرا إذ عبر عن سعادته وابتهاجه. وكان ينتظر صدور روايته الجديدة ‘ قصيدة في التذلل’ والتي، تتناول مجموعة من الأوضاع في الجزائر وسبق أن نشرها على حلقات في جريدة ‘ الشروق اليومي’ في شهر رمضان الماضي.
عمي الطاهر كان دائما متمسكا بالجزائر، الوطن، إنها الوطن الذي كان يسكنه بشدة والذي كتب معظم أعماله الإبداعية حوله، فقد كان يتنفس الوطن ويعيش معه وفيه، ويتابع كل أحداث الوطن عبر قراءته اليومية للجرائد الوطنية والعربية والعالمية، وعبر اتصالاته مع الأصدقاء ومع زواره الذين يأتون إليه من كل الوطن الجزائري بل ومن العالم العربي.