كمال زايتالجزائر ـ ‘القدس العربي’: عادت العلاقات الجزائرية ـ الفرنسية إلى مرحلة الاضطرابات بعد فترة هدوء كانت تنبئ بعودة المياه إلى مجاريها وبتجاوز الخلافات القائمة، إذ عادت دوائر فرنسية لتحريك مجموعة من الملفات الملغمة التي تنفجر مثل البراكين فجأة وتخمد فجأة أيضا، لكن بشكل يوحي بأن هناك جهاز ‘ريموت كونترول’ من وراء الستار.
فتحت الصحافة الفرنسية مجددا ملفين لإحراج الحكومة الجزائرية، والغريب أن إعادة تحريك هذين الملفين ‘النائمين’ منذ أشهر طويلة وفي نفس الوقت تقريبا يثير الشكوك حول نوايا الذين يقفون وراء هذه ‘التسريبات’. الملف الأول هو اغتيال المعارض علي مسيلي عام 1987 بباريس، وهو ملف أعادت باريس فتحه بعد سنوات طويلة، ووصلت إلى حد اعتقال مدير البروتوكول بوزارة الخارجية الجزائرية في آب/أغسطس 2008 واتهامه بالضلوع في الاغتيال ووضعه تحت الرقابة القضائية.
ورغم أن الدبلوماسي الجزائري محمد زيان حسني استفاد من رفع الرقابة القضائية جزئيا، ومطالبة النيابة العامة بتبرئته، إلا أن القضاء أبقى على الاتهامات الموجهة إليه، مما جعل السلطات الجزائرية تتهم نظيرتها في فرنسا بالابقاء على حسني ‘رهينة’، وهو وصف بدأ يأخذ معناه مع التطورات الجديدة التي عرفتها القضية.
قبل يومين ذكر الموقع الفرنسي ‘ريي89’ أن هناك تطوراً جديدا في موضوع الدبلوماسي الجزائري، مشيرا إلى أن هناك عملية تنصت على المكالمات التي أجراها الشاهد الرئيسي في القضية، الضابط المنشق عن المخابرات الجزائرية محمد سمراوي.
وحسب الموقع الفرنسي فإن فحوى المكالمات التي تم التنصت عليها يشير الى أن سمراوي تراجع عن أقواله تحت الضغط الذي مورس عليه من السلطات الجزائرية، وهو ما يعيد فتح التحقيق من جديد في القضية بعد أن كان الدبلوماسي قاب قوسين أو أدنى من الحصول على براءة، بعد أن عجز القضاء الفرنسي عن إثبات التهمة عليه.
و في وقت أول قال سمراوي المقيم في ألمانيا منذ أواخر التسعينيات، ان محمد زيان حسني هو الشخص الذي دبر عملية اغتيال مسيلي، لكنه عند المواجهة التي نظمها القضاء الفرنسي أكد أنه يشك في أن حسني هو الرجل المطلوب للعدالة، وأنه لا يريد اتهام شخص بريء.
وفي التوقيت نفسه تقريبا أعادت صحيفة ‘لوفيغارو’ (المقربة من اليمين الحاكم) فتح ملف اغتيال 7 رهبان فرنسيين في دير’تيبحيرين’ بالجزائر عام 1996، مشككة في الأسباب التي جعلت القضاء لا يكشف عما توصل إليه في التحقيقات التي يقوم بها منذ حوالي سنة، وذلك بعد التصريحات التي أدلى بها الملحق العسكري الفرنسي السابق الجنرال فرانسوا بوشوالتر، والذي أكد أن الرهبان قضوا في عملية قامت بها مروحيات الجيش الجزائري ضد معاقل الجماعة الإسلامية المسلحة التي اختطفت الرهبان السبعة.
وذكرت ‘لوفيغارو’ أن قرار رفع السر العسكري عن الملفات والوثائق الموجودة لدى وزارتي الخارجية والدفاع الفرنسيتين سمح بالكشف عن معلومات وصفتها بالمهمة.
وأوضحت أن وثيقة صادرة عن مديرية المخابرات الفرنسية بتاريخ 7 حزيران/يونيو 1996 تكشف أن الفترة التي سبقت اغتيال الرهبان شهدت هجمات مكثفة قام بها الجيش الجزائري ضد معاقل الجماعة الخاطفة، وأن هذه الهجمات تكون قد جعلت الإرهابيين يتخلصون من الرهبان حتى لا يعيقونهم خلال هروبهم. واستشهدت الصحيفة بما قالته مجموعة من أفراد الجماعات المسلحة الذين استسلموا للسلطات لاحقا، الذين تحدثوا عن وجود كثيف لقوات الجيش في منطقة المدية (90 كيلومتراً جنوب العاصمة) والضغط الذي كانت تمارسه على مكان تواجد جمال زيتوني أمير الجماعة الإسلامية المسلحة آنذاك. كما ذكرت أن شخصا اسمه العربي بن مولود كان مختطفا في نفس المكان تقريبا مع الرهبان تمكن من الفرار.
وقالت على لسان هذا ‘الشاهد’ أن فرقة تابعة للجيش عثرت عليه وأخذته معها في طائرة هيليكوبتر، مشيرا إلى أن طائرات الجيش قصفت عدة أماكن في المناطق التي كان يشتبه في تواجد الرهبان بها، مضيفا أنه لا يعلم إن كانوا قد حققوا الهدف من تلك الطلعات أم لا.
جدير بالذكر أن إعادة فتح هذه ‘الملفات الملغمة’ في هذا التوقيت يثير الكثير من الشكوك، خاصة وأن ذلك يتزامن مع الصراع القائم بشأن المعادلة الأمنية في منطقة الساحل، ورفض الجزائر التدخل العسكري الفرنسي في هذه المنطقة حتى لو كان هذا التدخل بمبرر مكافحة الإرهاب والقضاء على تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي.
وكانت فرنسا قد فاجأت الجزائر بإرسال قواتها الخاصة للمشاركة مع الجيش الموريتاني في عملية لتحرير الرهينة الفرنسي ميشال جرمانو داخل الأراضي المالية، والذي كان قد تعرض للاختطاف من قبل تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي في شمال النيجر قبل أن ينقل إلى الأراضي المالية ويتعرض للتصفية الجسدية بعد العملية العسكرية الفرنسية ـ الموريتانية الفاشلة لتحريره.