الفنان التشكيلي المغربي محمد المليحي:
الرباط ـ ‘ القدس العربي’ ـ من الطاهر الطويل: وجّه الفنان التشكيلي المغربي محمد المليحي انتقادا لاذعا إلى وزارة الثقافة المغربية في عهدها الحالي، قائلا: ‘ من الخطأ أن نأتي بكاتب ونجعله وزيرا للثقافة فقط لأنه يكتب الشعر أو الرواية، فهذه الوزارة ليست ناديا للأدباء والشعراء، وإنما هي جهاز حكومي ذو طبيعة تقنية كوزارات التجهيز والصحة والتعليم، ويحتاج إلى تسيير ورؤية عقلانيين’. جاء ذلك في حوار أجرته ‘ القدس العربي’ مع هذا الفنان على هامش معرض أقامه أخيرا في مدينة الدار البيضاء. فجواباً على سؤال حول العلاقة بين المحلية والعالمية في الإبداع، قال محمد المليحي: ‘ لا يمكن لأية حركة ثقافية أن تقوم على الاستيراد مئة بالمئة، لأن منطلقها وعمودها الفقري ينبثق من الواقع المحلي. ولهذا، أنا من ضمن المثقفين المغاربة الذين لم يتركوا بلادهم رغم إغراء عوالم أجنبية. الآن، يتضح أن الغرب الذي كان يُذهلنا وكنا منبهرين به، يوجد في محنة بسبب أوضاعه الاقتصادية. أؤمن دائما بأنه يمكن أن نكون طليعيين دون أن نترك بلادنا أو نفقد الثقة في أنفسنا’. وعن إشكالية التفاعل مع اللوحات التشكيلية لدى المتلقي المغربي، أوضح المليحي أن هناك أشخاصا عديدين لا يقدرون على اكتشاف ما يوجد في اللوحة من عناصر منبثقة من الخصوصية والأصالة المغربية. وتابع قوله: ‘ من يشكو من قصر النظر يحتاج إلى فحص طبي وإلى نظارات. ما هي هذه النظارات؟ إنها المعرفة، فمن دون التسلح بأدوات الفهم والتحليل لا يمكن استيعاب العمل التشكيلي والتفاعل معه’. وسألت ‘ القدس العربي’ المليحي عن دور المؤسسات الحكومية في هذا المضمار، فأجاب: ‘ ما هي المؤسسات؟ إنها تتكون من أفراد. ولماذا لم تتغير هذه المؤسسات؟ لأن الأفراد لم يتغيروا، والعقليات لم تتغير. صحيح أن المغرب يحتاج إلى ديناميكية ثقافية بقدر احتياجه إلى المستشفيات وإلى السدود وإلى الطرق وإلى الاقتصاد الصحيح؛ ووجود هذه الديناميكية الثقافية رهن بوجود تكوين سليم في المدرسة. لكن الملاحظ أن النخبة التي أمسكت بزمام الأمور في المغرب منذ فجر الاستقلال، هي من نتاج مدارس أقامتها الأحزاب الوطنية، ورغم دورها في مناهضة التوجهات الاستعمارية فهي لم تستطع وضع لبنات نهضة ثقافية حقيقية بعد الحصول على الاستقلال’.50 سنة من التشكيل.. رؤى ومواقفبدأ محمد المليحي مداعبة الفرشاة والألوان منذ خمسينيات القرن العشرين، أي قبل نهاية مرحلة الاستعمار الفرنسي والإسباني للمغرب، وهو ـ كما يقول ـ ينتمي إلى أول جيل مغربي مارس التشكيل انطلاقا من علم ودراية ودراسة؛ في حين أن الجيل الذي سبقه استلهم تجاربه عن طريق الاحتكاك بالفنانين الأجانب المقيمين في المغرب آنذاك، ولا سيما بعد النصف الأول من عقد الأربعينيات، إذ أن بداية الفن التشكيلي بمفهومه الحديث في المغرب كانت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. فالتشكيل كتجسيد مادي لم يكن له مكان في التأثيث المنزلي بالبلاد. ومع نهاية الفترة الاستعمارية، حصل نوع من التفتح لدى بعض الأسر المغربية، وصارت هناك إمكانية لدى الطلاب المغاربة للسفر نحو الخارج للدراسة، وبدأ المغاربة يلجون معاهد الفن في أوروبا، بحكم أنه خلال عهد الحماية اعتُبر السفر من الأمور الصعبة… كان محمد المليحي ورفاقه ـ من أمثال الغرباوي والقاسمي وشبعة وغيرهم ـ أول جيل من الفنانين التشكيليين واجه العالم الجديد الأوروبي بجرأة وشجاعة، وواكب التقدم والتغيير الذي شهدته البلدان الغربية، فعن طريق الدراسة والممارسة واكب الفنانون التشكيليون المغاربة نفس الحركية ونفس المسار الفني لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
يقول المليحي: ‘ الفن التشكيلي المغربي صار عوده يشتد ويتقوى مع فجر الاستقلال. وبما أن الدولة المغربية كانت ليبرالية ومتفتحة فإنها لم تنتبه إلى الفن التشكيلي ولم تعره اهتماما، فبقي خارج وصايتها، وتركت الفنان يعمل في غفلة منها وفي كامل الحرية، وينتج أعمالا لا علاقة لها بالإيديولوجية السائدة في البلد، بخلاف دول عربية أخرى شهدت ثورات وكانت فيها حكومات تابعة للإيديولوجيات الحزبية. ومن ثم، استطاع الفن التشكيلي المغربي أن يقلص الفجوة بين المغاربة والعالم، بفضل تلك الحرية وبفضل عدم التدخل من طرف الدولة.
ويؤكد أن الفن المغربي لم يكن فنا للانحناء والتبعية كما هو موجود في بعض البلدان العربية، ويوضح قائلا: ‘ لم يكن هناك فنان مغربي أنتج فنا تقربا من الحاكم، مما جعل الفن المغربي متحررا ومستقلا ومتفتحا على نفسه وعلى العالم. هذه الظاهرة قلما انتبه إليها الكثيرون؛ نلمس ذلك بالخصوص في الفنون التشكيلية، لأنها كانت في منأى عن تأثير التيارات الإيديولوجية الرائجة وقتئذ وكذا عن السلطة الرسمية، بينما سقطت الكتابة الأدبية في هذا الفخ حيث برزت بوضوح سيطرة الاتجاه اليساري والاشتراكي عليها’. ويشير إلى أن الفنانين التشكيليين المغاربة كانوا يمتلكون مواقف تقدمية متحررة بعيدة عن الضغوط الحزبية أو التوجهات الستالينية أو الناصرية، لأنهم كانوا واعين بأن الميول لليسار المتطرف أو للسلطة الرسمية لم يكن هو الطريق الصحيح. ويتابع: ‘ كنا دائما متضامنين مع الحركات الشعبية ومع القضية الفلسطينية، وكان شغلنا الشاغل توضيح الرؤية لدى المواطن المغربي أن الفن لا يخدم رسالة ( بولشفية) ما، وإنما رسالة فنية محضة، وتفادي السقوط في ( الكليشيهات) والفخاخ التي يمكن ان توجهك وتفرض عليك من الخارج.’أما بخصوص أعماله الثقافية الجمْعية، فيقول: ‘ لقد وجدت نفسي منذ أكثر من ثلاثين سنة ملتزما مع الحركة الثقافية في المغرب، وأكبر دليل على ذلك هو المساهمة في تكوين الجمعية المغربية للفنون التشكيلية أوائل السبعينيات التي كانت متضامنة مع الاتحاد العام للفنانين التشكيليين العرب في بغداد، ومتضامنة مع الفنانين الفلسطينيين، وكانت تهدف إلى المساهمة في خلخلة الرؤية الفنية في المغرب. وأذكر من بين إنجازاتها بالخصوص: إقامة معرض تشكيلي مفتوح في ساحة ‘ جامع الفنا’ في مراكش 1969. ثم هناك أيضا ‘ موسم أصيلة الثقافي’ الذي ساهمت في وضع لبناته وضمان استمراريته وتطوره بجانب الصديق محمد بن عيسى، فهذا العمل الثقافي الفني التربوي والاجتماعي أخذ مني وقتا كبيرا، بحيث إن إنتاجي التشكيلي الشخصي عرف نوعا من التقطع وعدم الاستمرارية، بالإضافة إلى اشتغالي في وزارة الثقافة مدير ديوان الوزير ثم مديرا للفنون. ومنذ حوالي أربع سنوات، ابتعدت عن موسم أصيلة لأسباب شخصية، ولكن ينبغي أن نعترف أن أصيلة لعبت دورا أساسيا في تحريك الثقافة المغربية بوجه جديد، وأصيلة نفسها قطعت أشواطا متقدمة في مجالات مختلفة، والفضل يرجع إلى المحرك الأساسي الذي كان هو الفن البصري متمثلا في التشكيل والصباغة على الجدران في الشوارع…’يؤكد المليحي أنه أصبح حالياً متفرغاً تمام التفرغ للفن التشكيلي، حيث صارت أعماله الجديدة تحمل تصاميم منبثقة من ‘ شاعرية أنوثية حساسة، وفي الوقت نفسه استرجاعية’ على حد تعبيره، موضحاً أن هناك بعض السمات والعناصر في لوحاته تعود إلى أعمال له أنجزها في الستينيات مثلا، ويختم بالقول: ‘ أرجع إلى ملامح من أعمالي السابقة وأمنحها حلة جديدة، فالمليحي ذو العقد السبعيني الآن هو غير المليحي في عشرينياته، هناك تجربة تمتد لحوالي خمسين سنة، وهذا الوجه الاسترجاعي سيأخذ قسطا كبيرا من أعمالي.’