أحداث عالقة تحت الارض واحتفاء خاص بكريستيان غازي

حجم الخط
0

مهرجان الفيلم اللبناني في دورته الجديدة:

بيروت ـ ‘ القدس العربي’ ـ من مازن معروف حكاية مهرجان الفيلم اللبناني الأخير، الذي أقيم في صالة متروبوليس في بيروت بتنظيم من جمعية ‘ نما في بيروت’، قد تبدأ من المشاهدين. وأنت داخل إلى الصالة، لا بد وان يستوقفك حشد عظيم من الناس التي تنتظر خارج الصالة وكأن هناك نجما سينمائيا كبيرا على وشك إلقاء محاضرة، أو إعلان موقف سياسي – سينمائي، أو حتى اختيار أحد الأشخاص من بين الحضور للعب دور معه. يمكن للمرء تصور سيناريو ما، أي سيناريو قد يليق بأولئك الذين قرروا متابعة عروض مهرجان الفيلم اللبناني، ذلك لأن المشهد فيه من الفرح ما يستدعي الشهوة إلى إطلاق نكتة بغية الضحك حتى التخمة ومن ثم التأمل. احتفى المشاهدون بأصدقائهم، زملائهم، أندادهم، أمثالهم، أقاربهم، معارفهم، أشباههم أو أشباحهم. لذلك حضروا أولا، مؤطرين في الوقت ذاته بالفضول لمعرفة ما الجديد الذي سيقدمه الشباب. كانت هناك رغبتان، الاولى شخصية، والثانية فنية. خلال العروض، كان هناك الكثير من الأفلام التي بدت محض خيبة أو مضيعة لوقت الشباب، مخرجيها، والأغرب أن من حضروا صفقوا لها واطلقوا الصافرات احتفاء رغم معرفتهم بهشاشتها. لكن ذلك لم يكن سوى بادرة تشجيع من شباب لشباب في ظل غياب وزارة الثقافة اللبنانية عن الاهتمام بأي شأن سينمائي. الأمر يقاس على أنه تعاضد افراد عائلة مع بعضها البعض، تماما كما الامر بالنسبة إلى ثلاثة وثلاثين عاملا فيليبينيا لا يزالون عالقين منذ اكثر من ثلاثة أسابيع داخل كهف بعد انهيار منجم للذهب والفضة فوق رؤوسهم. ما زالوا يتنفسون على عمق سبعمئة متر تحت الأرض، بل وأرسلوا ورقة صغيرة إلى سكان ‘ فوق’. الشباب، السينمائيون الصغار بالمعنى البيولوجي إذا صح القول، يحفرون للخروج. محاولة كل واحد منهم لإيجاد لغة سينمائية او بصرية خاصة به، تُدفع إلى النور بالقوة، بجهد عال، وإمكانيات مادية متواضعة. إنهم شبيهون بعمال المنجم العالقين تحت الأرض. الفرق أن حكومة الفيليبين قد تستعين بخبراء من الناسا لإنقاذ الرجال، أما شباب السينما فيتخبطون في كومة من الصور الظلية المكدسة في بحيرة ماء فارغة. فالوزارة المعنية بالثقافة في لبنان، والتي تشكو قلة ميزانيتها المعطاة من قبل مجلس الوزراء، تتحرك بصورة حيادية عموما، إذ لا تعلّق ولا تيسِّر من ‘ الشؤون’ الثقافية إلا النزر اليسير الذي لا نفهم أحيانا آليته او اعتباراته، بمعنى معايير الاحتفاء بهذا الفنان أو ذاك، على حساب الشباب المتروكين للجمعيات الخاصة الممولة في أمريكا وأوروبا ولبنان والتي في دعمها لإنتاج بعض الأعمال، تزيح البلاطة من دون قصد، عن صدر وزارة الثقافة. لن يجدي التوقف عند كل فيلم من الأفلام التي عرضت وتقديم قراءة نقدية لها لسبب وهو أنها افلام لا تزال تتلمس طريقها ورؤيتها الخاصة في البوح السينمائي أو النطق بالصورة، او حتى العبث. وبالتالي، فإن أية محاولة نقدية قد تشوش أو تعدل في زوايا الطريق الذي يسلكه كل مخرج على حدة. سيفضي النقد حتما في المستقبل، لو جزمنا، أن الفنانين سيكملون طريقهم دون معوقات، او بالحد الأدنى منها على أبعد تقدير. مفارقة المهرجان الكبرى، كانت في عرض فيلم المخرج الفلسطيني نصري حجاج ‘ هكذا قال الشاعر’، والذي صُنِع كتحية ‘ شخصية’ من المخرج للشاعر محمود درويش. لم نفهم وجود هذا الفيلم الذي لم يلاق ِ أساسا نجاحا كما هو مؤمل لتسطيحه الصور الشعرية لمحمود درويش وإفراغها من المعنى قبل صبها على الشاشة كتوليفة من الاجزاء البصرية الباهتة. فيلم نصري حجاح بدا وجوده مستغربا كقشة ناتئة من قالب حلوى، لواقع أن نصري مخرج له نبرته، ولا يحتاج إلى ضمه في كرنفال سينمائي يعد فرصة للـ ‘ شباب’ لعرض وبحث أفلامهم التجريبية القصيرة بمعظمها، أي أنه كان من الأجدى ترك محمود درويش جانبا، بدلا من وضعه في كل مناسبة، كعامل جذب إلى المهرجان. فالفيلم شوهد من قبل في بيروت، وتمت الإشارة إليه، كما أن مضمونه يوحي بمناخ خاص، لا يجوز بأية حال حشره ضمن جمهرة شبابية ضخمة، كمجرد مادة زائدة لا تغني ولا تسمن. منظمو المهرجان، من جهة اخرى، اعتبروا أن الحدث فرصة هامة للتعرف على أول الأفلام الروائية الطويلة للمخرج باتريك شيحا، كما لفتوا إلى ان عدد السينمائيين المشاركين هذه السنة يفوق مشاركي الدورات السابقة للمهرجان والتي انطلقت منذ عام 2001 في بيروت. وبالتالي فإنهم سارعوا إلى استباق كل التساؤلات بشأن اختيار الأفلام المشاركة، ذلك أن عملية الاختيار ليست علما دقيقا، إلا أن مسألة ضم كل هذه الأعمال السينمائية أتت في باقة واحدة اسمها ‘ الجيل الجديد للسينما اللبنانية’. كريستيان غازي، كبير السينمائيين اللبنانيين، عرض له فيلم وحيد، بعبارة أخرى، فيلمه الوحيد الناجي من المحرقة، بعنوان ‘ مئة وجه في يوم واحد’. غازي، أنجز ما يفوق الأربعين فيلما وثائقيا، بين عامي 1964 و1988، أحرقت الرقابة أول أربعة عشر فيلما منها وتكفل مسلحو ميليشيا محلية بإحراق البقية عام 1988. ولم يتبق للمخرج المولود عام 1934، سوى فيلم وحيد ( كاميرا 35 ملم) عثر عليه في سورية ضمن أرشيف معهد سورية للسينما. فقد أوثر الاحتفاظ بنسخة عن العمل بعد عرضه ذات مرة في مسابقة ضمن مهرجان الافلام البديلة عام 1972، وحاز يومها جائزة النقد. لم يصدق كريستيان ما حدث عام 1988عندما قامت مجموعة مسلحة في بيروت، باقتحام منزله وإحراق النسخ الوحيدة الموجودة لأفلامه، لذلك قرر الكف عن الإخراج إلى أن أنجز فيلمه ‘ التابوت والذاكرة’ ( 2001). فيلمه الذي ابصر النور بعد إثني عشر عاما على ‘ المأساة’، حمل عنوان ‘ التابوت والذاكرة’، وحكى فيه غازي عن العزلة السياسية، وظاهرة التقوقع المخيفة في بلاد الانفتاح، كما تطرق إلى لامبالاة الشريحة الاكبر من اللبنانيين، رغم العنف المستعر في العراق وفلسطين. السواد الاعظم من أفلام غازي تناول المقاومة الفلسطينية واللاجئين ومراحل الكفاح المسلح وتأثره السياسي والسوسيولوجي وأفقه في لبنان. كما عُنِيَت أفلامه بالحرب اللبنانية. والطريف أن أفلامه الإثني عشر الاولى، حظرت مشاهدتها ومنعت، وأتلفت فيما بعد. فقد طلب من غازي تصوير أفلام سياحية عن لبنان، وبتمويل من وزارة السياحة وقتذاك، فما كان من المخرج اليساري حتى النخاع، إلا أن حفظ في كاميرته صورا واصواتا عن كازينو لبنان، والمطاعم والاماكن الفاخرة، ومن ثم سجل بنفس الطريقة صورا وأصواتاً لفلاحين بائسين في القرى. كانت خطوته الاخيرة، القاتلة، والسوريالية تقضي بدمج صور الكازينو والأماكن الفاخرة بصوت الفلاحين، والعكس بالعكس. ارتأى المهرجان إعادة أفلامه إلى الواجهة بعدما ظل بالنسبة إلى كثيرين مخرجا ذا نهج خاص لكن كنظرية فقط. لكن هذا الفرح المراد إنشاؤه لفن الصورة التجريبية والجدية في لبنان، لم تكتمل ملامحه إذ اتى منقوصا بعد أن منعت الرقابة اللبنانية فيلم ‘ شو صار؟’ للمخرج دوغول عيد. تفاوتت التأويلات بشأن المنع، وخلص البعض إلى موضوع الفيلم المتعلق بالحرب الأهلية وظاهرة إبادة الجار لجاره بحسب هويته او طائفته أو دينه. فالمخرج كان قد شهد مقتل والديه وشقيقته وأحد عشر فردا من أسرته خلال الحرب، ما دفع به إلى مغادرة بيروت محملا بالتراجيديا وبالسؤال. الحرب الأهلية لم تعد السؤال الأبرز، الشأن العام الذي يستطيع اي كان معالجته، إنما تقلصت وتكثفت حتى طالت محيطه الخاص. امحاء الحرب لمجتمع دوغول الصغير، ظل شغله الاول، فهذه الظاهرة التي عزز قانون العفو العام ( صدر سنة 1993) من قسوتها، لا تزال تلح كموضوع فني على المخرج ذي الاربعين عاما. هو لا يفهم كيف بإمكان أولئك الذين قاموا بقتل افراد اسرته، العيش إلى جانب أسر ضحاياهم. اقتطع الفيلم من شريط المهرجان هذه السنة ولم تصدر الرقابة اي توضيح بهذا الشأن، بل اكتفت بالصمت، موقنة أن لا رأي عاماً سيتحرك. وزعت جوائز المهرجان في اليوم الأخير للعروض، فنال فيلم ‘ العمود الخامس’ ( فاتشي بولغوريجيان) المرتبة الاولى، فيما ذهبت الجائزة الثانية لفيلم ‘ المطحنة’ لرامي قديح. أما فيلما ‘ نوفمبر’ (ميريلا سلامة) و’ وسط الآخرين’ (رينيه عويط)، فنالا مناصفة جائزة أفضل أول فيلم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية