روائية سعودية تعيد إنتاج السيرة الذاتية في روايتها ‘رغم الفراق’

حجم الخط
0

القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ‘رغم الفراق’ رواية جديدة للكاتبة: ‘نور عبد المجيد’ صدرت حديثًا عن مكتبة الدار العربية للكتاب في 360 صفحة. تنتمي الرواية إلى الكتابة النسوية العربية، ورغم تصنيفها ذلك فإنها تنجو من كل فخاخ الكتابة النسوية، فلم تتكئ على تيمة الجسد، ولم تتعامل مع المرأة باعتبارها كائنًا مهمشًا أو مهضوم الحق، بل وضعت بطلاتها النساء في موقف الند مع الرجل، كذلك لم تقع في فخ النواح والبكاء على البكارة الإنسانية التي دنسها الرجل، بل إن الجميع في الرواية شخصيات حية ونابضة وفاعلة ومتفاعلة في ومع محيطها، هي أخذت من الكتابة النسوية خصوصية القضايا التي عالجتها واللغة الحساسة الشفيفة التي تكنز الكثير من المعاني في أقل المفردات عددًا.

ومنذ الإهداء تدخل بنا الرواية إلى عالمها الواسع الخصيب، ولعلها من المرات النادرة التي نرى فيها رواية تصدر بإهداءين يشكلان البوابة الأولى لفهم عالمها الإنساني، حيث تقول في الأول: إلى أخي وصديقي الوحيد.. إلى قطعة من قلبي وروحي.. إلى من أشعر دومًا أنني أمه رغم أنني لم ألده، وأنه أبي رغم صغر سنه.. إلى من أمسكت القلم كتبت وطبعت ونشرت لأنه وحده أراد لي تحقيق الحلم.. إلى من كان معي وأنا في الظلام، ويوم أصبحت في دائرة الضوء ابتعد وتركني.. إلى من علمني فراقه أن الفراق ليس أبدًا نهاية الحب والصداقة.. من علمني أن الحب يصبح أكبر، وأن اللقاء يستمر رغم الفراق.. إلى صديقي رفيق القلم والحلم.. إلى هاني عبد المجيد.

ومن هذا العالم الواسع عالم الاخوة والصداقة ورفقة الحلم، تدخل بنا الرواية إلى الإهداء الثاني، في محاولة منها للسيطرة على عالمها، بإهداء العمل إلى نور وكريم: نور، الرجل الصغير الذي علمني أن أفتح عيني كل صباح وأنا أبتسم لأنني أعلم أن في أيامي رجلا لن يخذلني أبدًا، وكريما، الرائع الذي كلما أقض الأرق مضجعي ألجأ إلى ذراعيه لأغفو وأنام في هدوء الأطفال.

وهكذا تحاول الرواية فهم عالمها والسيطرة عليه، بالكتابة عنه، لأنها تؤمن أن النفس الإنسانية دائمًا واحدة وعندما أحدثك عن نفسي، فأنا أحدثك عن نفسك، ومن هنا تطرح الرواية كل الأسئلة البسيطة والبديهية التي نظن أننا عرفنا إجاباتها بخبراتنا وسعينا في الحياة، رغم أننا لم نصل إلى أية إجابة، وليس هناك إجابة نهائية وقاطعة أبدًا في مسيرة الحياة، بل كلها محاولات وسعي للوصول إلى الراحة وإلى الحلم المستحيل: السعادة. وفي سبيلها قد نرتكب الأخطاء، ونضل الطريق، نظن أننا اقتربنا وإذا بنا أبعد ما نكون عما نحلم به، وفي لمسة سريعة وضربة قوية موفقة تضعنا الرواية أمام مآزقها الكثيرة والمتعددة والمتراكمة، أمام المشاعر الإنسانية المتناقضة وإن اقتربت، والمتآلفة وإن ابتعدت، فالروح لها قانونها الخاص الذي لا يمكن القياس عليه، كل روح متفردة في عالمها، لا يشبهها شيء، ولا تشبه شيئًا، لا يقاس عليها شيء وتقاس بنفسها، ولا أحد منا يستطيع أن يعرف بالتحديد أين تكمن سعادته تقول الرواية: أومن أن هناك رجالا ونساءً يقتسمون بيتًا واحدًا ووعاءً واحدًا وفراشًا واحدًَا لكنهم أبدًا لا يلتقون. وأومن أن هناك لقاءات وأحاديث نجوى وأسرارًا تبدأ ولا تنتهي بين رجال ونساء، كل منهم في قارة بعيدة، أومن أن هناك مشاعر تشتعل وتحيا وتثمر خيرًا وعطاءً بعد الفراق، أومن أن قلوبنا رغم الفراق بالحب تحيا، وأومن أنه بالعقل وحده يشقى الإنسان.

تحفل الرواية بالعديد من الثنائيات التي تحكم حياتنا وكأنها قدرنا الذي لا فكاك منه، فبجانب ثنائية العقل والمشاعر هناك ثنائية الحنان والقسوة، البناء والهدم فالمشاعر الإيجابية بناء، ونقيضها المشاعر السلبية هي التي تهدم، وثنائية الحب والزواج، الفشل والنجاح تغتني عوالم الرواية بصراع من نوع خاص يغلف كل أحداثها، وهو ما فرض على السرد أن يختار العديد من التقنيات، مثل السرد المستقيم، والرسائل والاتصال الهاتفي، الوصف والحوار، اللغة الفصحى، المخلوطة بالعامية، في لحظات الثورة التي لا تحتمل تزويق اللغة أو اللجوء إلى البلاغة الطنانة، تتتقشف اللغة في بعض المواقف لتصل إلى حدودها الدنيا، الإخبار فقط، حيث المشاعر الصادقة تضيق عن وصفها العبارات، وتتجلى اللغة في أحيان أخرى لتصل إلى غاية الدقة في وصف المواقف والمشاعر الداخلية لأبطال العمل، استفادت الروائية كثيرًا من كتابتها للشعر من ناحية، ومن عملها الصحفي في أحيان أخرى، وهي قبل ذلك وبعده دراسة لعلم النفس دراسة منهجية، خبرات النفس الإنسانية في حالتي الصحة والمرض، عرفت أن الفرق بين العقل والجنون لحظة من المشاعر المتفجرة.

يبقى أن نور عبد المجيد، روائية وكاتبة سعودية حاصلة على ليسانس الآداب لغة إنكليزية من جامعة أم القرى بالمملكة العربية السعودية ودبلومًا في التربية وعلم النفس من جامعة عين شمس بالقاهرة، وعملت في الصحافة حيث شغلت منصب مسؤول تحرير مجلة ‘مدى’ السعودية لمدة عامين، ومنصب مساعد رئيس تحرير مجلة ‘روتانا’ لمدة عام واحد، ولها الآن عمود ثابت في مجلة كل الناس الأسبوعية، وصدر لها من قبل ديوان شعري بعنوان: ‘وعادت سندريللا حافية القدمين’، ورواية ‘نساء ولكن’ ولها تحت الطبع رواية: ‘أريد رجلا’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية