وصلني وأنا في المقهى مكتوب عاجل من البريد؛ قال الساعي إنّ ريقه قد جفّ حتى يجدني؛ يقولون له في كلّ مكان بحث عني فيه إنّه مرّ من هنا.. شكرت الساعي وعرضت عليه أن يشاركني رشفة من كأس الشاي فرفض وانصرف.. فتحت المكتوب فإذا فيه: «أنت مشمول بالتّحوير الإزاري»؛ نظرت إلى أسفلي فإذا بي ألبس سروالا عاديّا ولا إزار عليّ .أسرعت إلى البيت فتحت دولاب الثياب أبحث عمّا يمكن أن يكون إزارا لأحوّره.. ماداموا قد أرسلوا إليّ في شأن إزاري فهم يعرفون أكثر منّي أنّ لي إزارا مهمّا وعليّ أن أحوّره.. انتبهت إلى أنّه عليّ أن أعود إلى لسان العرب لأفهم ما معنى إزار.. فتحت اللسان فلم أفهم شيئا قرأت قراءة عجِلة: «دمُ فلان في ثوب فلان أي هو قتله والجمع آزِرة وأزُر مثل حمار وحمر، حجازيّة» هذا ما وجدت واللسان على ما أقول شهيد؛ فإن لم تصدقوا افتحوا اللسان ثم اغلقوه بسرعة حفاظا على ماء الوجه.
أعدت فتح اللسان فإذا فيه: «أزرت فلانا إذا ألبسته إزارا فتأزّر تأزّرا»، فرحت لأنّني تأكّدت من أنّ الإزار ملبس ولا علاقة له بالقتل والجريمة والدّم.
أعدت فتح اللسان فإذا فيه: «أزرت فلانا إذا ألبسته إزارا فتأزّر تأزّرا»، فرحت لأنّني تأكّدت من أنّ الإزار ملبس ولا علاقة له بالقتل والجريمة والدّم .. مالي وما الدم يقتل في لسان العرب؟ عدت إلى اللسان وصار أقلّ وحشة فقرأت: «ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النّار أي ما أسفل من الكعبين من الإزار، ففي النار أي ما دونه من قدم صاحبه في النار عقوبة له «أغلقت اللسان خائفا وتفقّدت نفسي فوجدتني سالما غانما؛ طمعت في السلامة وعدت إلى اللسان.. غريب أمر هذا الكتاب يرهبك ويرغبك قفزت صائحا: وجدتها وجدتها وأنا أقرأ: «وقيل الإزار: كلّ ما واراك وسترك عن ثعلب.. تساءلت وما علاقة الثعلب.. ابتسمت لحمقي حين اكتشفت أنّ ثعلب اسم علم للغوي شهير وأنّ «عن تعلب» تنتمي إلى جملة أخرى لاحقة تبسّمت أكثر لأنّ أيّ إزار لا يمكن أن يسترك عن ثعلب داهية، أمّا ثعلب اللغويّين فمسكين كفاه أنّه كان من مناصري الفرّاء.. وكم كان فرو الثعالب مطلوبا.. سعيي في طلب معنى الإزار من اللّسان كسعي الفراء في طلب ثوب فريسته، عليه أن يقتله بحثا كي يظفر بجلدته ويسلخها، أو عليه أن ينتظره دهرا حتى يموت ويتبرّع له بفروته، ولكنّ الموت قضاء وقدر.. فهمت بعد تنقيب أنّ إزار المرأة نوع وإزار الرجل آخر، وأنا إزاري ما يحيط بالنصف الأسفل من البدن وأنّ الإزار يؤنّث ويذكّر لم أنزعج كثيرا لأن يكون إزاري مؤنّثا فهذا من شأن اللغة لا يفعل تأنيثه ولا تذكيره شيئا في الوجود. المهمّ أنّ التحكّم في الإزار يكون بإحكام مسكه من الحزام وهي التي يسمّيها أجدادنا الإزْرة .
تذكّرت أنّ لي إزارين أبيضين وأنّه عليّ أن أحوّرهما لكن فكرت قبل ذلك في معنى التحوير ومن قبله الاشتمال عدت إلى اللسان وفتحت باب شمل فإذا بي أصعق :»الشمال نقيض اليمين» فأدركت أنّ في الأمر سياسة فيها يمين وشمال يقال له اليسار، صعقت لأنّي تساءلت أنه عليّ وأنا أشتمل بالإزار أن أكون من أهل الشّمال، وأنا في الحقيقة ولا أخفي أمري على من يخفى عليه أمر، أنّني ألبس الإزار في الصيف حين أكون وحدي في بيتي، لأنّني أتخفّف به من الهاجرة ولم أفكّر يوما وأنا أتّزر به أنني من أهل الشّمال وأنني ربما وأنا أفعل قد أغضب اليمين معاذ الله أن أغضب أحدا، وأنا أتمتع بالخفة والهواء اللطيف.. قرأت وقرأت حتى وصلت إلى قول ابن السّكّيت: «مشمولة سريعة الانكشاف» لا شكّ أنّ ابن السّكّيت هذا داهية، لأنّه رآني وقد سقط إزاري عنّي في الصائفة وتغافلت عن ردّه بتعلّة الاستغراق في النّوم.. ابن السكّيت هذا لا شكّ أنّه ككل الصامتين مثلهم معروف في بلادنا: «يَقْرُصُ ويده تحته مخفيّة».. هربت من ابن السكّيت فإذا بي أجد لدى غيره معنى ناسب فهمي ومقامي: «اشتمل بثوبه إذا تلفّف..» أنا إذن مشتمل بإزاري أي متلفّف به وكفانا غمزا ولمزا. لكنّ هذا لا يناسب التحوير إن كنت مشتملا بإزاري فلمَ التحوير أي التغيير؟ لكن أيعني التحوير ما يعنيه لي الساعة؟ قرأت في مدخل حور في لسان العرب: «في الحديث نعوذ بالله من الحور بعد الكوْر معناه من النقصان بعد الزيادة، وقيل معناه من فساد أمورنا بعد صلاحها وأصله من نقص العمامة بعد لفّها مأخوذ من كور العمامة، إذا انتقص ليّها وبعضه يقرب من بعض..» فكرت في العمامة إلى أن وصلت إلى «مرقة متحيّرة أي كثيرة الإهالة والدّسم» ففهمت أنّه عليّ أن أغيّر الإزار بما يناسب مَرقي الدّسم.
صبغت أحد الإزارين وزينت حاشيته، وجلست أنتظر ساعي البريد أو هاتفا يهتف من السماء أو من الأرض.
تذكرت نصّا قديما قرأته في مقامة الهمذاني البغدادية: «اشتهيت الأزاد وأنا ببغداد وليس معي عقد على نقد. فإذا بسواديّ يسوق بالجهد حماره ويطرّف بالعقد إزاره فقلت ظفرنا والله بصيد سمين». فهمت ما المطلوب مني في هذا المكتوب السريع: عليّ أن أصبغ إزاريّ الأبيضين وأختار لهما مقاسا يصلح لأكل المرقة المتحيّرة ولشهوة الأزاد.. تذكّرت وأنا أحمل الأزارين الأبيضين للصبّاغ نصّا لبعض الدّهاة من النّحاة فيه: إنْ كان لك ثوبان أبيضان وكنت تريد أن تميّزهما فمن الحمق أن تصبغ الثوبين جميعا؛ عليك أن تصبغ ثوبا واحدا وبذلك سيحمل أحدهما علامة باللون الأخضر أو الأزرق أو الأحمر لا يهمّ؛ وسيظلّ أحدهما بلا لون ولكنّه ويا للعجب سيكون ذا علامةǃ ويقولون في هذا كلاما عجيبا «إنّ عدم العلامة علامة». صبغت أحد الإزارين وزينت حاشيته وأوصيت الخيّاط بأن يجعله متمغّط الجوانب بالمطّاط ليتسع ويضيق كما أريد له، وجلست أنتظر ساعي البريد أو هاتفا يهتف من السماء أو من الأرض: قم فقد شملك التحوير الإزاري .. فلم يأت أحد من الغد ذهبت إلى مكتب البريد دخلت إليه في استحياء، كأنني قتلت قتيلا وتلطّخ دمه بإزاري أو كأنّني أنا من فتح إزاره على جارته الحييّة أو كأنّني وأنا ببغداد أصبت غرضي من الأزاد بعد أن هيّأت مقلبا لذاك الذي أقول له أنت أبو زيد وهو يقول لي إنّه أبو عبيد.. وصاحب الإزار المسكين يضرب كفّا بكف وهو يدفع غالي الأثمان بأنّ أصل المسألة خطأ في الأسماء.. قصدت موظّف البريد الذي جفّ ريقه وجدته ممتلئ الريق : أعطيته المراسلة التي سلّمنيها منذ يومين وقلت: لقد تمّǃ قال وهو يضحك: نعم لقد تمّ التحويرǃ وكانت الرسالة خاطئة وكان الخطأ من المصدر فلقد أملى علينا نصّ فيه تلاعب في الحروف وفي الكلمات.. عد راشدا إلى مقهاك واجلس في كرسيّك وانتظر فلربّما يأتيك ساعي البريد بنصّ آخر.. قلت له وأنا أخرج: تأكّدوا من مخارج الحروف في المرّة المقبلة وضعوا النّفي في محله والإيجاب محلّه.. قال: كن في المرة المقبلة أكثر كرما ولا تبخل علينا بكأس يا صاحب الآزاد.
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية