جمالية المسلك الواقعي في أعمال التشكيلية العراقية ليلى نورس

تعتمد الفنانة التشكيلية ليلى نورس على مسلك واقعي متعدد المشارب لتغذية أسلوبها الفني التشكيلي المميز، فهو أسلوب يعتمد الشخوصات والطبيعة الصامتة ويجسد الواقع بصور جمالية تعكس احترافيتها العالية، تصنع من خلاله مجموعة من العلاقات الجدلية، بمقومات الثقافة الموسوعية، وبتقنيات هائلة في مزج الألوان ووضعها بشكل رصين ومنظم، لتتخذ بعد ذلك من التعبير اللوني والفضاء الشخوصي مادة أيقونية للتعبير عن أحاسيسها بإلهام فني ساحر ورؤى فكرية عميقة الدلالة، إن الأعمال الإبداعية للفنانة الرائقة ليلى نورس لا يحدها زمان ولا مكان، لأنها دائما تقارب كنه أعمالها الفنية في مجملها، والغنية بعناصر الجودة بالمادة البصرية، التي تشكلها عين القارئ، وهو ما يشكل انسجاما قويا، وتوليفا بائنا، بينها وبين إحساس القراء عموما. كما أن أعمالها الواقعية تتمظهر ممتلئة بالإيحاءات، وبنوع من الرمزية التي تتدفق بمعان أخرى منبثقة من شعور الفنانة المبدعة ومن هواجسها وإنسانيتها. وهو ما يجعل أعمالها التشكيلية يتلقفها القارئ بارتياح وعشق ورحابة، خصوصا أن الموضوعات التي تشتغل عليها تتوافر فيها الرؤى الموضوعية للواقع، وتتبدى فيها كل التجليات الواقعية المعاصرة.
إن هذا الكنز الفني الجمالي يجعل من أعمالها الفنية قاعدة مفعمة بالعوالم والمعارف والطبائع التعبيرية الواقعية المعاصرة، في سياقات متنوعة، تزرع الجدب الجمالي بتحويلات فنية لائقة، تـــروق عـــين القارئ، فيتحقق له الإشباع المعرفي، ليحال مباشـــرة إلى التجاوب والتفاعل، بعقلية واعية، وبموتيفية يلعب فيها الأسلوب واللون والفكـــرة أدوارا أساسية في تكوين عناصر تعبيـرية مرئية تنتج مجموعة من الدلالات الصورية والأشكال التنوعية والتوظيفات المتقــنة، التي تعتبر العمل الفــني الواقعي المعاصر سندا أيقونيا وسحرا فنيا عميق الدلالة، ولغــة تشكـــيلية متخصصة مبنية على أسس فنية ثابتة تغذي الفضاء البورتريهي المحمل بالإيحاءات والمغازي والدلالات، التي تضع العمل التشكيلي في سياقه الفني الاحترافي الذي يخرج المادة التشكيلية إلى حيز وجودي واقعي بمهارة فائقة وتقنيات عالية، تولد الدلالات، على أن العمل التشكيلي هو المنطلق الأساسي لكل رؤية ابستمولوجيا، ولكل التحولات الدلالية والمتغيرات التي تشوب العمل التشكيلي، في سياق الممارسة التحليلية التي تباشر العين والإحساس على حد سواء. فالمهارة الفائقة والتقنيات العالية لدى الفنانة ليلى نورس تلعب دورا محوريا لتجسيد الواقع بوقائع فنية تبرز عددا من العلائق القائمة بين الدال والمدلول، وتعدد الايحاءات بكل إيجاب وتفاعل، مما يؤدي أدوارا فاعلة في العمل الواقعي الواضح المعالم، حسب المنجز الابتكاري والإحداثات الجديدة، وأيضا حسب ما تمليه على العين أعمالها الفنية المائزة بطرائق مباشرة. إنه أسلوب خارج عن المألوف في التعبير بالواقعية المعاصرة وفن البورتريه المعاصر، بل إنه مشروع تشكيلي إبداعي يتجدد بين الحين والفين، باستيحاءات من قضايا الإنسان في تنوع تشكلاته.


وتشكل الإبداعات اللونية المنسجمة والخامات، كشفا عن المعنى القريب والبعيد، ونسيج التواصل بين الرائي والفنانة المبدعة، ضمن سياق البؤرة الفنية التي كونت مجالات الفن الواقعي المعاصر. وبذلك فهي توازن فيها بين التركيب المحكم واللون الجميل والمساحات الشاسعة، وتصوغها بإبداعاتها الرائدة التي تستهدف استكشاف المعاني الفنية والدلالات والمغازي الخفية التي تتمظهر عبر مجموعة من المقومات، الموظفة بحرفية وكفاءة عالية. تحيل القارئ لا محالة إلى كيفية تمثله وتمثـــيله، وتغـــوص به في بحر القيم التي تروم الرؤية المستقبلية، لتلهب بها الوهج الفني في عمقه.
إنها عملية لتشكيل الفضاء الفني بشكل متطور وبمفهوم جديد، ولا شك أن الفنانة ليلى نورس تسخر لذلك مجموعة هادفة من التصورات المفعمة بالبحث الفني الجاد، باعتباره وسيلة معرفية لاجتياز المستهلك إلى عالم تشكيلي متجدد، يحمل خصائص معينة فريدة ونوعية، ترصد العلاقة بين مكونات العمل الواقعي، وبين ما تتيحه التصورات الرؤيوية، وتمنحه الأفكار الجديدة، وما تنتجه المادة التشكيلية الواقعية من دلالات جديدة. إن الكشف عن السبل الفنية والتجديد إنما هو إحاطة بالدلالات الفنية والتقوية الجدلية مع مختلف العناصر والمكونات الأخرى من أشكال واقعية وألوان. إنها حقيقة صنع ابتكارات من اختيارها الموفق، تروم تخصصا فريدا مبنيا على أسس فنية واقعية معاصرة، تفضي على عوالم جمالية ومعرفية قويمة. وهي فلسفة في تصورات المبدعة تتفاعل بإيجاب مع كنه أعمالها الفنية التي تنهل من المخزون التقني الهائل لمزج الفلسفة بمكونات الأعمال وعناصرها وكل مفرداتها، انطلاقا من تشكلات الألوان، وكيفية وضعها، وطرق تنظيمها وتوزيعها بشكل فني وجمالي، بل توظيف القيمة اللونية وفق فهم جمالي وفني وتناغمات لونية ومقامات واقعية.
إن المادة الفنية في منجز الفنانة ليلى نورس في عمقها وأبعادها الجمالية تروم إنجاز مجموعة من العلاقات التحاورية، لبسط أنواع جديدة في التعبير المغاير للمألوف، باستخدامات لونية جديدة وباعتماد مجموعة من التقنيات والأدوات والآليات الفنية العالية الجودة. لأن الركيزة البورتريهية أو العمل الواقعي الجديد يتطلب مهارات وكفاءة عالية وتقنيات كبيرة، ويروم التعبير وفق نسيج لوني وعلاماتي وفق أبعاد وقيم جمالية جديدة، تبسط الصيغ الجمالية الرائقة التي تفصح عن دلالات ومعاني جديدة تروم الأبعاد الفلسفية والقيمية، التي تتفاعل مع مقومات العمل التشكيلي المعاصر، وتنسجم مع سياق المجال الواقعي للمبدعة ليلى نورس.

٭ ناقد مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية