إسماعيل فهد إسماعيل وحكاية اللقاء.. في الصحراء

حين سمعت بصدور رواية (الشيّاح) لإسماعيل فهد إسماعيل، كنت في صحراء المملكة العربية السعودية، أعمل مدرِّسا، كنت شابا صغيرا، وتلك كانت أول أسفاري. من عاش هناك في تلك الفترة يعرف ما الذي يعنيه أن تسمع بصدور كتاب تحبه، لكنك لا ولن تستطيع الوصول إليه، فالمنطقة التي تعمل فيها بعيدة جدا عن أقرب مدينة كبيرة إليها، جدة، وهذه مدينة لا تراها سوى مرتين، حين تصل، وحين تغادر. أي في بداية السنة الدراسية وفي نهايتها. كما أن الأمر الصعب هو أن تجد رواية مثل الشيّاح، إن استطعت الوصول إلى أي مدينة مثل جدة.
كتبتُ إلى صديقي الروائي الراحل جمال ناجي، وكان قد عاد إلى عمان، بعد سنتين أمضاهما في المنطقة نفسها التي كنت أدرّس فيها، طالبا منه أن يُرسل إليّ الرواية، مع علمي أن وصولها يبدو مهمة مستحيلة؛ لأن رسائل أهلنا لم تكن تصلنا قبل مرور شهرين على إرسالها، فما بالك حينما يتعلق الأمر برواية عن الحرب الأهلية اللبنانية والفلسطينيين، والأطراف التي انخرطت أو أشعلت تلك الحرب.
لم أكن أعرف أن إسماعيل كان هناك، في لبنان، متطوِّعا في صفوف منظمة التحرير الفلسطينية. والحقيقة، أن متابعة أخبار تلك الحرب لم تكن هيّنة، فقد كنا معزولين تماما عن الصحافة والأخبار الإذاعية، إذ لم نكن نستطيع التقاط البث نهارا، وفي بعض الأحيان كنا نستطيع التقاط حشرجاته ليلا بصعوبة بالغة، في تلك الليالي التي لم يكن يضيء عتمتها إلا الفانوس، حيث لا وجود للكهرباء.
كنت بدأت التحضير لكتابة روايتي الأولى (براري الحُمَّى)، ومن المفارقة الجميلة في ذلك الزمان أنني، الفلسطيني الأردني، كنت أكتب رواية عن الخليج، وهموم شعبه، وقسوة الحرب والسلِّ والملاريا في تلك الصحراء، في الوقت الذي كان فيه إسماعيل يكتب عن قسوة الحرب ومعاناة اللبنانيين والفلسطينيين في تلك السنوات السوداء!
هي مفارقة عذبة أن يحتضن كل منا قضايا الآخر ويدافع عنها، بعيدا عن هذا الضيق الذي بات يضرب حياتنا العربية اليوم، ويتوالد فيه الأعداء من رحم الأمة الواحدة.
جمال ناجي، الراحل، الحاضر، كتب لي إهداء على الصفحة الأولى، وكأنه مؤلف الشيّاح: أخي العزيز إبراهيم نصر الله.. في غربتك. مع تحياتي وأشواقي.. جمال ناجي.
ولعل جمال، حين كتب ذلك، كان يحس بأن هذا الكتاب كتابه أيضا، وليس كتاب إسماعيل وحده، لمجرد أنه كتب الكتاب، فالقضية التي في داخله كانت قضية جمال أيضا.
كان ذلك أول لقاء لي بكتابات إسماعيل فهد إسماعيل، وقد حافظت على ذلك اللقاء دائما، بحيث إنني لم أتخلّ عن تلك النسخة التي حملتُها معي عندما انتهت السنة الدراسية عائدا إلى عمان، مودِّعا تلك الصحراء باستقالتي من عملي، لأنهي بعد ذلك رواية (براري الحُمّى)، ويُنهي جمال رواية (الطريق إلى بلحارث)، وينشرها قبلي.
حين اقتربت من عالم الراحل إسماعيل فهد إسماعيل أكثر، إسماعيل الذي غادرنا هذا العام، وجدت أنه مثل ذلك الفتى العربي القديم الذي قال: أوزِّع جسمي في جسوم كثيرة. فقد كان إسماعيل يوزِّع جسمه وروحه أيضا في أوطان وقضايا كثيرة، من فلسطين، إلى العراق، إلى مصر، إلى لبنان، والكويت، وسواها..
تلك كانت صورة مختلفة للمثقف النادر الذي لا يعزل نفسه في مكان ما مهما اتّسع ذلك المكان، وهذا النموذج كان حاضرا بقوة في السبعينيات من القرن الماضي بصورة لافتة، حيث كنا نجد في صفوف الثورة الفلسطينية العراقي والمصري والسوري واللبناني والسوداني والجزائري والكويتي والسعودي.. وسواهم من بقية وطننا العربي الذي كان كبيرا، أو هكذا رسمنا صورته! إضافة إلى مثقفين من أنحاء كثيرة من هذا العالم.
يعتزّ المرء بريادة إسماعيل في مجال كتابة الرواية، في الكويت، لكن الريادة ليست دائما حُكمَ قيمةٍ إن لم تكن هذه الريادة معززة بإضافات نوعية للفن الذي يقدِّم فيه الكاتب مساهماته، وقد كانت مسيرة إسماعيل حافلة بكل جديد، ويسجّل له أنه كان صاحب عزيمة كبيرة أتاحت له أن يقدم الكثير من الأعمال الأدبية الجميلة.
لم ألتق إسماعيل رغم كل ذلك الزمن الطويل، ورغم أنني نشرت أوائل قصائدي في الكويت: (مجلة النهضة) التي كان يديرها ابن حيفا، الصحافي اللامع عبد الله الشّيتي، حتى قبل أن أصدر ديواني الأول، وروايتي الأولى، كما أن أول حوار صحافي كان معي هو في صحيفة الرأي العام الكويتية، وفي ذلك الحوار قلت ما كان إسماعيل يُطبِّقه عمليا: نحن لا نقف مع فلسطين لأننا فلسطينيون أو عرب، ولكن لأن فلسطين امتحان يوميّ لضمير العالم.
بعد ربع قرن من ذلك الزمان، تلقيت طردا من إسماعيل بعد سلامات متبادلة بيننا كان يحملها الأصدقاء. كان الطرد يضمّ عددا من رواياته، أما الغريب فإن (الشيّاح) لم تكن من بينها، مع أن الفرصة لم تسنح لأقول له قصتها. أما الأمر الذي لا أعده مصادفة، فهو أن يختار إسماعيل هذه الرواية بالذات بعد 42 عاما من صدورها، من بين كل أعماله، لتمثله في زمن حروبنا الأهلية الآن، لتنشر هذا العام ضمن سلسلة كتب الفائزين بجائزة سلطان العويس!
.. وبعد ثمان وثلاثين سنة من وصول رواية (الشيّاح) لي، في تلك الصحراء، الرواية الجميلة ذات الإيقاع السريع، الرواية البانورامية، زرت الكويت للمرة الأولى في حياتي عام 2016، لكن الفرصة لم تكن سانحة للقاء إسماعيل، وهكذا بقيت معّلقا بين لقاء بكتاباته مستمرٍّ ورغبة في اللقاء به لم تتحقق.
لا أعرف إن كان جمال ناجي، في العالم الآخر، قد أخبر إسماعيل فهد إسماعيل بقصة إرساله لتلك الرواية لي، وذلك الإهداء الذي كتبه، كما لو أنه هو مؤلفها، ومعجزة وصول رواية في زمن لم تكن فيه الأخبار قادرة على اجتياز الأثير، لكنني آمل أن يكون قد فعل.
وبعد.. من (قصيدة قديمة):
كلّ ما أبصرتْهُ المرايا لها
لم يعدْ غير ظلّي وظلّكَ يعبرُ هذي الطُّرُقْ
ههنا نترجَّلُ في زمنينِ
فلا نلتقي صدفة يا (صديقي) ولا نفترقْ!
ونطيرُ غريبين عبرَ الفصولِ
ومن أُفقٍ ساكنٍ لأُفقْ
كلّ ما أبصرتْهُ المرايا تجلّى قليلا كحُلْمٍ
ومثل الفَرَاشِ احترقْ

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية