بغداد –”القدس العربي”: أحدث قرار لهيئة الإعلام والاتصالات في العراق، بمنع وسائل الإعلام من الإساءة إلى “الرموز الوطنية والدينية” ردود أفعال غاضبة من الوسط الإعلامي والمنظمات الإعلامية التي اعتبرتها تقييدا لحرية الصحافة ومخالفة لحرية الرأي الواردة في الدستور.
وقد دعت هيئة الإعلام والاتصالات (مؤسسة حكومية)، مؤخرا، كافة وسائل الإعلام في العراق إلى “ايقاف أي إساءات تصدر بحق الرموز الوطنية والدينية” مهددة بفرض إجراءات قانونية على وسائل الإعلام التي لا تلتزم بهذا التوجيه.
وفجر قرار هيئة الإعلام، حملة استنكار من قبل النواب والشخصيات السياسية والقانونية إضافة إلى جموع الصحافيين والإعلاميين والناشطين والمنظمات الإعلامية المعنية، الذين اعتبروا القرار ضربة لحرية الإعلام وحرية الرأي التي ضمنها الدستور والقوانين.
وأبدى “مرصد الحريات الصحافية” العراقي، امتعاضه الشديد “من محاولة ترهيب وسائل الإعلام المحلية والأجنبية من قبل هيئة الإعلام والاتصالات وذلك بتهديدها بالغلق في حال المساس بالرموز الوطنية والدينية”.
ووصف في بيان صحافي، خطاب الهيئة بأنه “سيئ” وعده “رسائل تشويش على عمل وسائل الإعلام والصحافيين” داعيا أعضاء البرلمان العراقي إلى الوقوف ضد هذه القرارات التي لم تكن الأولى، إذ أغلقت الهيئة وسائل إعلامية كثيرة مع حجب مواقع صحافية مهمة.
وأضاف المرصد أن “هذا القرار الذي تبنته هيئة الإعلام يمثل خروجا عن الأعراف الديمقراطية سواء تلك التي ينتهجها العراق بعد التغيير أو التي تعمل عليها معظم دول العالم ويمثل إساءة للديمقراطية الناشئة وهو في حاجة إلى إعادة نظر موضوعية تتطلب مراجعة جادة لتلك الإجراءات”.
تهديد مؤسسات الإعلام
الأمين العام المساعد للمحامين العرب ضياء السعدي، أكد لـ”القدس العربي” ان “قرار هيئة الإعلام يشكل تهديدا لا مسؤولا لمؤسسات الإعلام بقصد منعها من ممارسة مهامها الأساسية، وهو يتعارض مع مواد الدستور التي كفلت حرية الإعلام والرأي للمواطنين”.
وأشار إلى ان القرار هو تقييد لحرية الإعلام في التعبير، منوها إلى انه يفترض بنقابة المحامين العراقيين ان تبدي موقفها المعارض لهذا القرار، وان يتم رفع دعاوى في المحكمة الاتحادية ضده، كون الهيئة ليست الجهة القانونية ذات الاختصاص وموقفها يشكل مخالفة قانونية وتجاوزا على صلاحيات القضاء، علما ان المادة 372 من قانون العقوبات لسنة 1969تناولت هذا الموضوع.
واستغرب صدور القرار في هذا التوقيت، إضافة إلى عدم تحديد مفهوم “الرموز الوطنية والدينية” كونه يشمل نطاقا واسعا قابلا للتأويل والمفروض ان يتم تحديد من هم المقصودون به.
وعد السعدي، وهو نقيب الصحافيين الأسبق، القرار هجمة جديدة ضد الإعلام وموقفا استباقيا لتكميم الأفواه ويرتبط بغايات يراد لها ان تمارس في الوقت الحاضر على ضوء تصاعد النقمة الشعبية على نقص الخدمات الأساسية وسوء الإدارة وتفشي الفساد، مستغربا ان يأتي قرار الهيئة بعد صدور تهديدات من رئيس مجلس النواب الجديد الذي توعد وسائل الإعلام بإجراءات قانونية عقب تناول الشكوك حول نزاهة اختياره للمنصب واتهامه بدفع الرشاوى لهذا الغرض، كأن هناك خطة لتكميم الأفواه ومنع الانتقادات للحكومة والبرلمان.
ورفض المركز العراقي لدعم حرية التعبير “حقوق” القيود التي تضعها هيئة الإعلام والاتصالات، على المؤسسات الإعلامية، وآخرها المطالبة بإيقاف الإساءة للرموز الوطنية والدينية وهو ما عده المركز خرقاً صريحاً للدستور العراقي، واصفا القرار بالقمعي.
وقال المركز في بيانه، انه في الوقت الذي يستهجن هذه الممارسات التي من شأنها تقييد المؤسسات الإعلامية من ممارسة عملها، فإنه يطالب هيئة الإعلام والاتصالات بالكف عن هذه الأساليب القمعية المتكررة خاصة تلك التي تستخدم فيها عبارات مطاطية دون تحديد نوع الإساءة التي تُفَسَر باعتبارها ترهيباً للمؤسسات الإعلامية.
وطالب المركز الرئاسات الثلاث، بحماية حرية التعبير وتوفير مساحة لنقد مؤسسات الدولة وكشف ملفات الفساد، وتوجيه الهيئة بتقديم اعتذار للمؤسسات الإعلامية والصحافيين والعدول عن كتابها القمعي الأخير، لان كل مواطن هو رمز وطني، باعتباره أساس السلطات. ودعا المركز المؤسسات الإعلامية كافة، إلى تسجيل شكاوى لدى السلطات القضائية متعهدا بتوفير فريق من المحامين والخبراء القضائيين بهذا الشأن.
واضافة إلى إدانات المنظمات الإعلامية المعنية، قوبل القرار باستهجان كبير من شرائح واسعة من الوسط السياسي والشعبي على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عد ناشطون قرار الهيئة، محاولة جديدة لمنع كشف وانتقاد “رموز الخراب” مشبهين دورها بالميليشيات المسلحة التابعة للأحزاب والمسؤولين، التي تهدد كل من ينتقد الفاسدين.
“يعاقب ويعدم من يعبر عن رأيه بحرية”
وفي الوقت الذي تساءلت فيه النائبة حنان الفتلاوي، أين حرية الإعلام، وهل يمكن لهيئة الإعلام تحديد من هم الرموز المقصودة وهل النقد يعتبر إساءة؟ فإن النائبة الكردية السابقة سروة عبد الواحد، طالبت الهيئة بالاعتذار من الصحافيين، مشيرة بسخرية على صفحتها في التواصل الاجتماعي، إلى تغيير الدستور ليصبح “يعاقب ويعدم من يعبر عن رأيه بحرية”.
وفي تحدي قرار هيئة الإعلام والاتصالات، أعلن ناشطون وصحافيون وإعلاميون، خلال تجمع لهم في بغداد، أن هذا الأمر بداية لمحاولات إسكات الرأي العام عما يحدث في العراق من فساد وصفقات وخراب في مؤسسات الدولة، مؤكدين عدم الالتزام بالتعميم.
وأصدروا بيانا جاء فيه: “تلقينا كتابًا من هيئة الإعلام والاتصالات يوجه بإيقاف أي إساءات تصدر بحق الرموز الوطنية والدينية، ونحن جمع من الصحافيين والإعلاميين العراقيين، نبدي استغرابنا الشديد وتحفظنا على اللهجة الآمرة التي استخدمتها الهيئة متجاوزة المادة الثامنة والثلاثين من الدستور العراقي، الذي يكفل حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل وحرية الصحافة والإعلام والاجتماع والتظاهر السلمي”.
وتوقع البيان، أن “هذا الكتاب مقدمة فضفاضة تستبق قيدا ديكتاتوريا مستبدا يراد فرضه على الأقلام العراقية الحرة في الصحافة المرئية والمسموعة والمكتوبة، وقد يتطور الأمر ليشمل وسائل التواصل الاجتماعي ومستخدميها، ما سيلحقنا بالدول المستبدة” مؤكدين عدم الالتزام بهذا التوجيه.
ويذكر ان هيئة الإعلام والاتصالات سبق ان أقدمت منذ تأسيسها في ظل الاحتلال الأمريكي، على إصدار سلسلة قرارات بوقف عمل وإغلاق مكاتب العديد من وسائل الإعلام المحلية والدولية في العراق بمبررات مختلفة، أبرزها هيئة الإذاعة والتلفزيون البريطانية “بي بي سي” والقنوات الفضائية المحلية والعربية منها “البغدادية” و”البابلية” و”العربية” و”العربية الحدث” وقناة “الجزيرة” وصحيفة “الشرق الأوسط” إضافة إلى حجب مواقع عدد من وكالات الأنباء.
وفي إطار رفض استهداف الإعلاميين، طالب “المرصد العراقي للحريات الصحافية” في نقابة الصحافيين العراقيين، رئيس الحكومة عادل عبد المهدي، بالكشف عن قتلة الصحافيين العراقيين الذين سقطوا على مدى 15 سنة كاملة.
وذكر بيان للمرصد بمناسبة اليوم العالمي للإفلات من العقاب في جرائم قتل الصحافيين حول العالم، إن “المرصد العراقي للحريات الصحافية يطالب رئيس الحكومة عادل عبد المهدي، بتشكيل لجنة خاصة بالتعاون مع نقابة الصحافيين العراقيين للتحقيق في عشرات جرائم قتل الصحافيين التي مورست وببشاعة متناهية ضد صحافيين وإعلاميين وفنيين، ولم يتم الكشف عن الجناة فيها، والجهات التي تقف خلفهم ما يشكل انتكاسة في تطبيق العدالة، وإخلالا بالالتزامات الدستورية التي تحفظ حرية التعبير، وتحمي الصحافيين في مناطق النزاع”.
تصفية 500 صحافي وإعلامي
واشار البيان إلى “مئات من حالات الانتهاك والتهديد والتصفية الجسدية التي طالت نحو 500 صحافي وإعلامي ومساعد فني وتقنيين وإداريين عملوا لحساب وسائل إعلام محلية وأجنبية منذ العام 2003 وإلى يومنا هذا، بينما لم تسجل أي ملاحقة حقيقية للمتسببين في تلك الانتهاكات، وخاصة جرائم القتل”.
وليس بعيدا عن الموضوع، تواصلت الملاحقات على ناشطي التظاهرات في العديد من المحافظات. فقد خرجت تظاهرة حاشدة لناشطي وعشائر محافظة بابل جنوب بغداد احتجاجا على اعتقال وسجن الناشط من المحافظة صفاء مهدي فارس، الذي انتقد فساد مسؤولين. وجاب المتظاهرون شوارع مدينة الحلة مركز المحافظة وهم يرفعون لافتات ويرددون شعارات تطالب بالإفراج عن الناشط ومحاسبة الفاسدين.
وفي السياق، أدان المركز العراقي لدعم حرية التعبير “حقوق” صدور الحكم بالسجن على الناشط المدني صفاء مهدي، لاتهامه بالتشهير بمسؤولين فاسدين، فيما تعهد بتوفير فريق دفاع عنه.
وذكر المركز في بيان، ان “حكما بالسجن لمدة أربعة أشهر صدر بحق الناشط المدني، على خلفية وصفه مدير ناحية الإسكندرية شمالي بابل بالفاسد، في صفحته في فيسبوك” إضافة إلى إجرائه لقاءات تلفزيونية انتقد فيها فساد المسؤولين في مدينته الاسكندرية جنوب بغداد كما يفعل المواطنون الذين كشفوا فسادهم.
ورفض المركز الإجراءات التي يتبعها المسؤولون بحق الناشطين المدنيين والمدونين من خلال جرهم إلى ساحة القضاء بهدف النيل منهم، متعهدا بتوفير فريق دفاع من المحاميين العراقيين، بهدف تمييز الدعوى.
وقدم النائب عن البصرة رامي السكيني، طلبا إلى رئاسة مجلس النواب يتضمن إيقاف الاعتقالات ومذكرات القبض “التعسفية” ضد متظاهري البصرة. وذكر في كتاب موجه إلى رئاسة البرلمان ان نحو 300 من المتظاهرين السلميين تعرضوا للاعتقال والمطاردة والتهجير.
ويبدي الكثير من المراقبين والناشطين، مخاوف من ان تعكس الإجراءات الأخيرة لهيئة الإعلام، نوايا الحكومة الجديدة في إحكام قبضتها على وسائل الإعلام والرأي الشعبي المعارض لتفشي الفساد في أجهزة الحكومة والتقصير في توفير الخدمات، مما يعد انتكاسة لآمال إصلاح في الأوضاع المتدهورة منذ سنوات في البلد.
“حقوق”: هيئة الإعلام خرقت الدستور وأصدرت توجيها قمعيا للصحافيين والسلطات الثلاث مطالبة بالتدخل
رفض المركز العراقي لدعم حرية التعبير “حقوق” القيود التي تضعها هيئة الإعلام والاتصالات، على المؤسسات الإعلامية، وآخرها الكتاب الصادر عنها الذي ينص على إيقاف الإساءة للرموز الوطنية والدينية، وهو ما يعده المركز خرقاً صريحاً للدستور الذي نص ان العراقيين متساوون في الحقوق والواجبات، وانتهاكاً صارخاً لحرية التعبير.
وفي الوقت الذي يستهجن به المركز العراقي لدعم حرية التعبير “حقوق” هذه الممارسات التي من شأنها تقييد المؤسسات الإعلامية من ممارسة عملها، فإنه يطالب هيئة الإعلام والاتصالات بالكف عن هذه الأساليب القمعية المتكررة خاصة تلك التي تستخدم بها عبارات مطاطية دون تحديد نوع الإساءة التي تُفَسَر ترهيباً للمؤسسات الإعلامية.
ويطالب المركز العراقي لدعم حرية التعبير “حقوق” الرئاسات الثلاث، بحماية حرية التعبير، وتوفير مساحة لنقد مؤسسات الدولة وكشف ملفات الفساد، وتوجيه الهيئة بتقديم اعتذارا للمؤسسات الإعلامية والصحافيين والعدول عن كتابها القمعي الأخير، لكون “حقوق” يعتبر كل مواطن هو رمز وطني، على اعتباره أساس السلطات.
ويدعو المركز العراقي لدعم حرية التعبير “حقوق” المؤسسات الإعلامية كافة، إلى تسجيل شكاوى لدى السلطات القضائية، وفيما يتعهد بتوفير فريق من المحاميين والخبراء القضائيين بهذا الشأن.
وكانت هيئة الإعلام والاتصالات قد ذكرت في وثيقة موجهة إلى وسائل الإعلام، أنه “استناداً للصلاحيات المخولة لنا، والتي منحت هيئتنا حق تنظيم قطاعي الإعلام والاتصالات في البلد، نود إعلامكم بضرورة إيقاف أي إساءات تصدر بحق الرموز الدينية والسياسية”.
مؤسسة دستورية!
وصف مرصد الحريات الصحافية قرار هيئة الإعلام والاتصالات العراقية في بيان له، بأنه إساءة للديمقراطية الناشئة في العراق. ومحاولة لترهيب وسائل الإعلام، موضحًا أن ذلك يعني تهديدًا بغلقها بشكل مباشر، في حال المساس ببعض الرموز.
واعتبر المرصد تقييد عمل الصحافيين محاولة للتشويش على عمل وسائل الإعلام، داعيًا أعضاء البرلمان للتدخل من أجل وقف مثل هذه القرارات. مشيرًا إلى أن هيئة الإعلام والاتصالات، سبق لها أن منعت عمل وسائل إعلام دولية وعربية في العراق.
وطالب البيان الحكومة العراقية بوقف الإجراءات التعسفية التي تصدرها هيئة الإعلام والاتصالات، وإعادة هيكلة الهيئة، وشمولها بالإصلاحات الضرورية التي تتناسب مع الممارسة الديمقراطية في العراق، مبينًا أن وسائل الإعلام يجب أن تأخذ دورها كرقيب فعلي على أداء السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.
وعلى الرغم من الانتقادات، إلا أن هيئة الإعلام والاتصالات العراقية ما تزال تصر على موقفها. وأصدرت الجمعة الماضية بيانًا أكدت فيه موقفها تجاه الصحافيين العاملين في العراق، مبينة أن قراراتها تستند إلى القوانين العراقية. وأنها مؤسسة دستورية تمثل جزءًا من منظومة الدولة العراقية، التي تتلقى منها بين الحين والآخر طلبات بمراعاة عدد من الظواهر الحساسة.