آنا بيرنز: شخصيات روايتي تقول لي من هي وماذا تريدني ان أفعل

سيد أحمد بلال
حجم الخط
0

نشرت هذه الشهادة قبل فوز آنا بيرنز بجائزة “مان بوكر” لعام 2018 والتي تبلغ قيمتها 50 ألف جنيه استرليني، عن روايتها “ميلكمان”، حول الطريقة التي كتبت بها الرواية الفائزة، وذلك ضمن استطلاع أجراه ملحق صحيفة “الغارديان” الثقافي معها ومع زملائها الآخرين في القائمة الصغرى للمتنافسين على الجائزة، في 13 تشرين الأول/اكتوبر 2018.

قالت الروائيّة التي ولدت في بلفاست في ايرلندا الشمالية، وتعيش الآن في إيست سسيكس في انكلترا؛ وصدرت لها روايتان قبل “ميلكمان” قالت عن تجربة كتابتها لروايتها الفائزة بالجائزة لهذا العام:

قال لي أحد الاشخاص مؤخراً “لن أسألك عن موضوع كتابك الجديد ولكني أريدك أن تخبريني ماذا تريدين من كتابك أن يفعله”، وشدّد على الكلمات الأخيرة من سؤاله؛ فقلت لنفسي يا له من سؤال يطرحه عليّ هذا الشخص الذي لم يمض وقت طويل على تعارفنا خلال حفلة.

أجبته قائلة: “لا أستطيع أن أقول أيّ شيء أكثر عن كتابي. لقد استنفدت طاقتي في الكلام. لقد أسدل عقلي الستار”. ومع ان ما قلته كان حقيقة فإنه كان بمثابة شفرة تعني أنني أقول “لو سمحت، لا تلح عليّ. لقد تعبت وأحتاج لقسط من الراحة. دع الحديث عن الموضوع”. وفي ما بعد؛ وبعيداً، وعلى مهل، ودون إلحاح يجبرني على التقدم برد بليغ، فكرت في سؤال ذلك الشخص. لقد بدا السؤال غريباً وغير متوقع.  كانت الأسئلة التي تطرح عليّ حول رواية “ميلكمان” هي “لماذا لم تعط أسماء للشخصيات؟” و “لماذا جاءت الصفحات كفقرات؟” و “هل تلك (الشخصية) في الرواية هي أنت فعلا؟” و “لماذا ايرلندا مرّة أخرى بعد أن صار يمكنك ان تواصلي حياتك؟” و “ما هذه اللغة التي تستخدمينها في الكتابة؟”. يمكنني ان أرى الآن أن عقلي قد أزاح الستائر مرّة أخرى، وأن سؤال الشخص هو نفسه سؤال: “مالذي دفعك للشروع في كتابة هذه الرواية؟” والإجابة الوحيدة التي أستطيع تقديمها هي أنني بدأت في كتابة هذه الرواية لأنّها أرادت ان تخرج إلى الوجود.

لا أعني أن تكون هذه بمثابة تجاهل للسؤال وانما أعني أنني، هكذا، أكتب. يمكن أن أقول أنّه لم يكن لديّ، في البداية، سوى اهتمام ضئيل بـ “ميلكمان”، وهو احتمال تضاءل حالا عند محاولتي وضعه على الورق؛ وهو اهتمام تلاشى حالاً بعد أول محاولة لتفعيله، وهو أنني فكّرت في أخذ عدّة مئات من الكلمات التي كانت غير ضرورية بالنسبة لروايتي التي كنت أعكف على كتابتها في ذلك الحين لأرى ما إذا كان يمكنني أن أكتب قصة قصيرة منها. لكن تلك الكلمات، بدلاً من أن تتحوّل إلى قصة قصيرة تطورت لأن تكون “ميلكمان”. وخلاصة القول هي أنني لا أستطيع ان أعزم على القيام بفعل أيّ شيء في كتابتي، أو أن أطالب بأيّ شيء فيه. ليس لي أدنى فكرة عمّا سيحدث عدا الشخصيّات، إنّها تأتي عادة إلا إذا كنت يائساَ ومتسلّطاً ومرتعباً وفي عجلة من أمري ومفضوح الحال. وفي مثل تلك الحالات لا تأتي الشخصيات، إذ انها لا تحب ذلك. وأنا لا ألومها على ذلك. وقد تصاب (شخصيات الرواية) بالدهشة ثم يتملكها مزاج لهو إذا ظنّت أن عليها أن تصطف أمامي كي أعطيها الأوامر. أن شخصيات روايتي تقول لي من هي – وماذا تريدني ان أفعل. وهي تمنحني، بحماس، فرصة ثانية للتفكير والمراجعة لما كتبته. فشخصياتي لا تمانع من ذلك وهو سلوك لطيفً من جانبها. إنّها تسمح لي بنزوة كهذه ولا تواجه مثل هذه الجرأة بوجه عابس أو تهزأ بي أو تعيقني أو تستغل عقدي الخاصة بالإحساس بعدم الأمان. ولكنّها أيضاً لا تعيرني أيّ اهتمام.

حين يأتي الأمر للنهاية، أدرك مرّة أخرى أن شخصياتي تتجاهل كل توقعاتي الذكيّة وافتراضاتي الثاقبة في ما يتعلّق بتقدم الرواية، فتحذف أسطراً من الكتابة التي كانت قد سمحت بوجودها لبعض الوقت دون ان تنوي أبداً أن تمنحها إشارة القبول والرضى التام فتذهب تلك السطور إلى سلة المهملات، أو ان أستيقظ ذات صباح لأجد ان (شخصيات رواياتي) قد أخرجت من الكمبيوتر إلى أرضية غرفة الجلوس آخر سطور كتابتي المحشورة من الأفكار العظيمة والكتابات الرفيعة.

إنّها هي التي تقتل، بلا رحمة، أحبابي وحبيباتي ثم تهز كتفيها بلا مبالاة وتقترح عليّ ان أتجرّع ذلك وأتجاوزه. لكنك تحتاج، في مثل حالتي هذه، لبنية راسخة، كما تحتاج لقدر معيّن من التسامح والغفران لأجل التعامل مع الرغبة والخوف أيضاً في العمل مع كل هذا.

وجاء تعليق كوامي انتوني أبيّاه، كبير قضاة جائزة بوكر، على الرواية بقوله “ان لغة كتاب آنا بيرنز (ميلكمان) لغة بديعة تماماً، إذ تبدأ بنبرة فكاهيّة متميزة ومحدّدة ومتسقة؛ وهي نبرة مرنة وبديعة وصريحة لبطلة رواية تتحدث بضمير المتكلم. ومنذ الصفحة الأولى تدفعنا كلمات الرواية نحو العنف اليومي الكامن في عالمها – التهديد بالاغتيال، بشر يُقتلون بأيدي فرق قتل تابعة للدولة – بينما تتعامل مع كل الوقائع اليومية لحياتها كامرأة شابة تتلمس طريقها بين مطالب الأسرة والأصدقاء والضغوط الاجتماعيّة في مجتمع يتميّز بنسيج متماسك. وتظهر الرواية، بشكل بديع، كيف ان الشائعات والولاءات السياسيّة يمكن ان تعمل في خدمة حملة قاسية من التحرّش الجنسي الفردي”.

تستند بيرنز على تجربة ايرلندا الشماليّة خلال الاضطرابات، لرسم عالم يسمح لبعض الأفراد بإساءة استخدام السلطة التي يمنحها المجتمع إلى أولئك الذين يقاومون الدولة نيابة عنه؛ ومع ذلك فإن هذه الرواية ليست أبداً مجرد رواية عن مكان واحد وزمان واحد فقط. إنّ البعد المحلي للرواية يخدم استكشاف التجربة الكونيّة لمجتمعات تعيش في ظل أزمة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية