الصدفة وحدها هي التي أوصلت الشاب التنزاني فرّوخ بُلسارا إلى أن يكون أحد عظماء الروك. ربما كان سيبقى حيث هو، عاملا على مدرج نقل الحقائب في مطار هيثرو، لولا أن التقى الشبان الثلاثة الذين معهم سيشكّل فرقة «كوين» التي عرفت شهرة عالمية. حصل ذلك اللقاء في الشارع، فيما كان أولئك الثلاثة يتناوبون على الجلوس والقعود مفكّرين بما ينبغي عليهم فعله بعد ان انفصل عنهم مغني فرقتهم. «فلأكن أنا المغني» قال لهم الشاب التنزاني. وهم سخروا منه في البداية، من سحنته كمهاجر، ومن كبر أسنانه على الأخص، بما يمكن أن يُرى كعلامة فارقة لشاب قدِم من بلاد أخرى. لكن ذلك كان أقل من أن يحبطه. قال لهم، معرّفا عن نفسه، أن اسمه فريدي ميركوري وأنهم يستطيعون الإتصال به إذا ما رأوا حاجة إلى ذلك.

العامل في المطار ذاك كان قد بدأ بصناعة شخصيته تفصيلا بعد تفصيل. وكان ذلك في مسار الخروج العنيد عن أهله الذين يعيشون في انكلترا غير قابلين التخلّي عن شيء من تقاليدهم الأصلية. صنع مشيته الخاصة، وتسريحة خاصة لشعره، وطريقته في النطق، والأزياء الغريبة التي يرتديها، وهذه الأخيرة ازداد ت غرابة مع الوقت، حين صار يؤدّي أغنياته وموسيقاه على المسارح وأندية السهرالليلي.
من عزلة حياة المهاجرين اخترع الشاب نفسه. ذلك الخارجي المليء ثقة بالنفس، والساعي إلى تغيير الموسيقى على غرار ما غيّر كل شيء فيه، لم يتساءل الفيلم الذي يستعيد حياته وموسيقاه، من أين جاء بكل هذا الرفض وكيف تكوّنت تلك الموهبة. لم يكن أبدا واحدا من أولئك المتفوقين في المعاهد الموسيقية، وهو ربما لم يرتدْها أصلا. أما البيت فكان أقرب إلى بيئة نابذة لكل ما كان الشاب يتوق للوصول إليه. ثم أنه لم يكن على اتصال بمجتمعات مثقفين حتى يقول، وهو ما يزال في بدايات نجاحاته، أن عليه مواجهة القديم والسائد والإنتصار عليهما وتخطّيهما. إذن، لم نعد هنا في ذلك الترتيب العادي لصنع العباقرة، أولئك الذين تخرّجهم الجامعات والمعاهد. فالموهبة، ومن ثم العبقرية، صارتا تأتيان من أمكنة غير منتظرة ومن أسباب غير مفهومة.
أغنية «Bohemian rhapsody» التي تحوّلت إلى واحدة من أعظم أغيات الروك في العالم، والتي، بعد نجاحها الساحق في بريطانيا، اتسع نجاحها ليشمل بلدان العالم، هي من انجاز تلك الموهبة المتحدية لكل نمط مؤسسي. وقد أظهر مخرج الفيلم* بريان سينغر لحظات مواجهة بطله فريدي ميركوري مع شركات الترويج وصانعي الألبومات محتفلا كل مرة بتحقيقه الفوز عليهم وإرجاعهم، مع توقعاتهم، إلى الخلف. ذاك أن النجاح يأتي من هنا، من المبادرة الشخصية، ثم من الفِرَق التي تعمل في الحانات الصغيرة. وهذا يشبه أن يكون نجاحا أميركيا حصل في بريطانيا، متذكّرين في ذلك كيف يتطابق هذامع فكرة النجاح الأميركي.
ومثلما يأتي النجاح من حيث لا يكون منتظَرا نرى كيف يتلقّاه جمهوره الذي، في فيلمين يعرضـــان الآن في بيروت ويحتلان قائمـــة أكـــثر الأفلام تقــــديرا ونجــــاحا (الفيلم الثاني هو «A star is born» من إخراج برادلي كوبر وبطولته مع اللايدي جاجا) كنجاح تكاد لا تصدّق كثرته. هو الجمهور الذي تضيق بكثرته القاعات والأمكنة المخصصة للحفلات الموسيقية فيذهب منظموه إلى الساحات الواسعة وملاعب كرة القدم ( وقد شاهدنا كيف نقل فيلم بوهيميان رابسودي آخر عروضه في ملعب ويمبلدون حيث كان العرض الأكثر احتشادا بالناس في تاريخ موسيقى الروك).
وهم الجمهور الضد، مثلما هم نجومهم نجوم الضد. هم المحتجون، بل الذاهبون في الإحتجاج إلى حدوده الأخيرة بالصياح والهتاف والرقص واندفاعهم المستمر نحو إزالة ذلك الحاجز بينهم وبين المسرح الذي يعلوهم. هي مشاعرهم المخنوقة والجماعية في آن معا لا يجري التعبير عنها، أو الإحتفال بها إلا هنا، في الإحتجاج عن أشياء ربما تكون غير متبلورة وغير مفهومة.
أما في ما يتعلّق بالنجوم فسيظل نجاحهم مهدّدا طالما أن المزاج الجماهيري قائم على التبدّل. هكذا رأينا في الفيلم الثاني «ولادة نجمة» حيث أخذت المغنية النجومية من حبيبها، يحتاج النجوم إلى جهود لا تكل لبقائهم في نجوميتهم. في الفيلمين اللذين تعرضهما الصالات الآن لم يتأخر البطلان (النجمان)عن السقوط الذي ينتظرهما. أحدهما أسقطه إدمان المخدرات والكحول وأسقط ثانيهما إدمان الكحول والإصابة بمرض الإيدز. جوني كاش كان الثالث مثلا في فيلم عرض من سنوات، ولنا أن نتذكر نجوما آخرين عبروا الطريق الصعب ذاته.
٭ ملاحظات عن مشاهدة فيلم «بوهيميان رابسودي» عن حياة فريدي ميركوري وفرقة «كوين» التي كان أبرز أعضائها، وكذلك عن تاريخ الأغنية التي تحمل إسم الفيلم نفسه. أخرج الفيلم بريان سينغر وأدى دور البطولة فيه الأميركي من أصل مصري رامي مالك .
٭ روائي لبناني