«فتاة هايدلبرج الأمريكية» والعربي في مخيال «الآخر»

حجم الخط
1

تمثّلات الآخر في التشييد الروائي العربيّ ما زالت مسكونة بالمعنى المجازي لمقولة «الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا»، على حد تعبير الشاعر والروائي الإنكليزي روديارد كبلنج (1865- 1936 ) صاحب القصيدة العنصرية «عبء الرجل الأبيض» The White man’s Burden التي كتبها عام 1899 في حث الاستعمار الأمريكي لجزر الفلبين، وفيها يصف الرجل الأبيض الذي «اكتشف» إفريقيا بالتفوّق الحضاريّ والأخلاقيّ، ويشير إلى دوره في تمدين من ينعتهم «بالأمم المتخلّفة» أصحاب البشرة الصفراء والسمراء، لإعطاء مصداقية لسلب ونهب خيرات الشعوب الآسيوية والإفريقية. وقد غالت القصيدة في نعت الأعراق غير البيضاء بصفات عنصرية مثل «السود» و«الهمجيين»، كما وصفت إفريقيا بـ«الشرسة»، و«الغريبة» و«المتوحشة»، وفي هذا العام قام عدد من طلاب جامعة مانشستر البريطانية بمحو هذه القصيدة المكتوبة على جدار أحد مباني الجامعة بسبب عنصريتها.
هذه السمات العنصرية والاستعلائية تفاقمت في شخوص «الآخر» المسكونة في الروايات العربية المكتوبة حصرا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، كما في «فتاة هايدلبرج الأمريكية» للكاتب المصريّ أحمد جمال الدين موسى (دار نهضة مصر 2013 )، التي يتمّ سرد أحداثها في الطائرة من خلال نبش ذاكرة الدكتور الفيزيائي المصري أسامة زايد وهو في سفرة إلى نيويورك للمشاركة في مؤتمر علمي دوليّ، وينتهي السرد والطائرة أوشكت على الهبوط في مطار جون فيتزجرالد كيندي في نيويورك.
تنهال أحداث الرواية وفق تقانة تيار الوعي من خلال استرجاعات أسامة لذكريات قاسية ومؤلمة عاشها في مدينة هايدلبرج الألمانية الخلّابة، صاحبة أقدم جامعة في ألمانيا، وموطن نشوء الحركة الرومانسية الواقعة على ضفاف نهر النيكار، خلال وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وهو في بعثة طلابية لمدة شهر لجامعتها من قسم الفيزياء في جامعة غرونوبل الفرنسية التي كان يدرس فيها لنيل شهادة الدكتوراه.
الرواية رغم حداثتها لم تخرج عن المألوف في الخريطة البدائية للرواية العربية الرومانسية في رمزية الأسماء، وفي رسم وتصدير شخصية جامعية شرقية ذكورية ناجحة لأوروبا، ولقاء وحب رومانسي فاشل لفتاة جامعية غربية مثقفة «كانت ماجي شمسا ساطعة في حياة أسامة العاطفية المقفرة»، رغم حدسه أنّ علاقتهما مسكونة بالفشل « غير أنّ ماجي بدت له بعيدة المنال مثلما كانت وفاء». هذه الصورة النمطية من لقاء المثقف العربي والفتاة الغربية في أروقة الجامعات وعطش الذكر الشرقي للأنثى الغربية والانسجام التام بينهما، ثمّ فشل حبّهما كما في «الحي اللاتيني» (1953) لسهيل إدريس و«موسم الهجرة إلى الشمال» (1967) للطيّب صالح لم تغادر الرواية، رغم أنّ العلاقة بين أسامة وماجي لم تنصهر بجمرات الجنس، كما في الروايتين السابقتين.

رواية انتقائية تحكي إشكالية وتعالق الأنا والآخر في أروقة الجامعات، من خلال مطاردة واتهام المثقفين العرب والمسلمين بالإرهاب.

كما أنّ شخصية أسامة في الرواية مأزومة ومهزومة، ومشحونة برؤى أفلاطونية وبرومانسية كتابات جبران والمنفلوطي ومحمد عبد الحليم عبدالله، وروايات الخمسينيات في تساؤلها المونولوغي حول الظلم ونشدان العدل والمساواة، في عالم محكوم بذئاب، إضافة إلى إفراطها في النقاش الفكري والفلسفي، ما مسح الرواية بالسطحية والوهن الفنيّ.
ترصد الرواية تداعيات أحداث سبتمبر على الشرقي/العربي/المسلم من خلال اتهام أسامة بالإرهاب والخطورة، فيتم اعتقاله من قبل المخابرات الألمانية، ثم تدبير مؤامرة مخابراتية مشتركة يتمّ من خلالها إطلاق سراحه، ثمّ خطفه وصديقه العراقي جواد الكريمي من قبل المخابرات الأمريكية والتحقيق معهما بترهيب وبشكل ساديّ «فإذا بهما في مواجهة مشهد مرعب لنحو خمسة كلاب سوداء ضخمة يبدو عليها الشراسة والجوع، تزوم جيئة وذهابا، أما الزنازين فيقودها شخصان يرتديان سترات واقية غريبة الشكل ويخفيان وجهيهما في ما عدا العيون»، ومن ثمّ يطلق سراحهما بوساطة والد ماجي، شريطة أن يغادر أسامة هايدلبرغ، وأن تعود ماجي إلى أمريكا. هذا الرفض للعربي في مخيال الآخر الغربي يعود إلى مؤامرة حاكها دافيد فرتمان، ضابط مخابرات أمريكي أزعجته من ناحية علاقة ماجي بأسامة الشرقيّ، ومن ناحية أخرى أحبّها وأراد جذبها، وقد كان والده قد عمل تحت إمرة والدها في القاعدة العسكرية.
في الرواية إقصاء وتغييب للمرأة العربية، ولصوت المرأة بشكل عام باستثناء ماجي، فجامعة هايدلبرج تعجّ بالطلاب الشرقيين الذكور الناجحين، ولا يوجد حضور لطالبة واحدة شرقية أو عربية، وكأنّنا «يا بدر لا رحنا ولا جينا» منذ «الحي اللاتيني» وحتى عام 2001، وما أشبه جانين مونترو في «الحي اللاتيني» بماجي وليامز، من حيث فشل الحب بينهما والشاب الشرقي، رغم اختلاف الأسباب، وإن كانت رواية «الحي اللاتيني» بكلّ حقّ وحقيق، أسّست لرواية عربية فكرية في رصد اللقاء، وليس الصراع بين «الأنا» و«الآخر» للتباين الحضاري بين مجتمعيهما. و«فتاة هايدلبرج الأمريكية» مونوفونية أي أحادية الصوت السردي ومطعّمة بالديالوغ، وهي رواية انتقائية تحكي إشكالية وتعالق الأنا والآخر في أروقة الجامعات، من خلال مطاردة واتهام المثقفين العرب والمسلمين بالإرهاب.
هذه الرواية العربية صاحبة الصوت الذكوري التقليدي تختلف مع رواية «من يبكي النوارس؟» (2006) للزهرة المنصوري العابقة بالصوت النسويّ، التي رصدت تأثير أحداث الحادي عشر من سبتمبر على علاقة حب بين كريستوفر الأمريكي ونجوى العربية، وإن كانت تأتلف معها في فشل حبّهما بفعل موقف الغرب من الإسلام حصرا بعد أحداث سبتمبر، لكن «من يبكي النوارس» رواية متشابكة فنيا، ومسكونة بأصوات متعدّدة فاعلة وناضجة وإن كانت نهايتها فجائعية، مثل نجوى التي تعرف المواجهة حينا والهرب أحيانا، كما تعترف بالتخلف والسبات في تاريخ أجدادها، الذي أدى إلى إشكالية هويتها الحضارية..
«فتاة هايدلبرج الأمريكية» تتناول موضوعا تقليديا استهلك كثيرا وما زال بارزا في الرواية العربية، وجاء عرضه لتصوير سادية وشراسة شخصيات أخروية غربية، تتعامل مع الشرقي العربيّ والمسلم، خاصة الأكاديميّ بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، بعنصرية واستعلاء قومي ووحشية بدون مبرّر. وما يؤخذ على الشخصية الشرقية العربية في الرواية السلبية والعجز والاستسلام.
في الرواية تتراءى صورالغرب بمرايا مختلفة مثلا ماجي وليامز الأمريكية الموسومة بـ«فتاة هايدلبرج» لجمالها وإنسانيتها واحترامها للتعدّد الثقافيّ والديني، وكذلك رئيس قسم الفيزياء في جامعة هايدلبرج البروفيسور هيلموت كاسل الذي يقبل عددا كبيرا من الطلاب الأجانب، بينما مساعده بيتر شتنهوف يعيب عليه قبوله الطلاب الأجانب، وهو متعاطف مع أفكار النازيين الجدد، فتاة هايدلبرج تتبنّى الصورة النمطية للسجال الثقافي والسياسيّ بين الشاب الشرقي المغترب المتفوق علميا والناجح في جذب الفتاة الغربية المتدفقة إنسانية ومثالية والمنفتحة ثقافيا، لكن المؤسسة الحكومية الغربية تنجح في استلابها منه جسدا، ويبقى حضورها مرسوما في ذاكرته، يستحضرها جوا وهو في طريقه إلى عاصمة وطنها لحضور مؤتمر علميّ. والسحنة الشرقية هي شيفرة «الهويات القاتلة» في بلدان الغرب بلغة أمين معلوف.
ما زال الآخر الأوروبي والأمريكي في التخييل الروائي العربي مسكونا بـ«عبء الرجل الأبيض» وأفكاره العنصرية، وإن كانت ماجي وليامز تصبح في نهاية الرواية مهيضة الجناح تردّد كلمات الانكسار التي قالها القديس العجوز «الذي سأله زرادشت نيتشه عند نزوله بعد اعتكاف دام عشر سنين فوق الجبل:
ماذا تفعل وحيدا في الغابة؟
أجاب: أؤلف الترانيم وأغنيها، وعندما أفعل ذلك أضحك وأبكي وأدندن، وهكذا أسبّح ربي بالأغاني والدموع والضحكات والدندنة أسبح ربي الذي هو خالقي».
إنّ أيقونة الرواية هي مطاردة وقمع «الآخر» الغربي للعلماء العرب سارقي النّار في جامعات الغرب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، الذين يعيشون سجالا سياسيا وفكريا عنيفا وحياة قاسية في غربتهم، وهم حائرون في دوامة العنونة التي حملت رواية الكاتب الجزائري عمارة لخوص «كيف ترضع من الذئبة بدون أن تعضّك؟».

٭ كاتب فلسطيني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية