“فورين أفيرز” : يجب إنهاء الحرب السورية وبدون الأسد

إبراهيم درويش
حجم الخط
1

لندن-“القدس العربي”:

دعت الصحافية المعروفة جانين دي جيوفاني في مقال نشره موقع “فورين أفيرز” عدم السماح لروسيا دعم الأسد. وجاء هذا في سياق تعيين مبعوث دولي إلى سوريا خلفا لستيفان دي ميستورا. وتحدثت عن طريقة جيدة لوقف الحرب في سوريا مشيرة إلى ان دي ميستورا حاول وفشل طوال السنوات الأربع وقف حمام الدم السوري. وسيستلم غير بدرسين، السفير النرويجي السابق في الصين والممثل الدائم السابق لبلاده في الأمم المتحدة العهدة من مبعوث فشل في تحقيق أي إنجاز. وتقول جيوفاني إن سوريا “تعيش حربا وحشية منذ ثماني سنوات، ثماني سنوات هي عمر طفل في بداية المرحلة الثانوية من عمره، وهي أطول بعامين من الفترة التي أخذتها الحرب العالمية الثانية. وفي هذين العامين فالحرب السورية في تصعيد مستمر بدلا من التراجع بسبب حالة الإجهاد التي أصابت كل اللاعبين”. وتقول إن آثار الحرب على المجتمع السوري كانت كارثية، فالجيل الصاعد لم يعرف سوى الحرب. وهناك ستة ملايين أصبحوا نازحين في بلادهم وغادر خمسة ملايين بلادهم ويعيشون كلاجئين. ويحتاج 14 مليون نسمة من ضمن 22 مليون قبل الحرب إلى مساعدات إنسانية. وأصبحت سوريا “دولة محترقة، جوعت وضربت بالكيماوي وتم قصفها في كل المناطق التي سيطرت عليها المعارضة لكي تركع، باسثتناء إدلب التي لا زالت القطعة الأخيرة من اللغز والتي يريد بشار الأسد الهجوم عليها” واقترن القتل والقصف مع انتهاكات حقوق الإنسان بما في ذلك الاعتقالات الجماعية، التعذيب، الاغتصاب وكذا الهجمات الكيماوية ضد المدنيين والتجويع كوسيلة للحرب “وهي أسوأ ما شاهدت خلال ثلاثة عقود من تغطية وتحليل النزاعات”. وتناقش جيوفاني قائلة إنه في حالة عدم وقف الحرب قريبا فستصبح مثل الحرب اللبنانية التي بدأت في عام 1975 واستمرت مدة 17 عاما ودمرت البلد وخلفت 150.000 قتيلا وعشرات الالاف من النازحين. ولو استمرت الحرب فلن يبقى ناس لقتلهم. ولا أحد يعرف عدد قتلى الحرب السورية، فقد توقفت الأمم المتحدة عام 2016 عن إحصاء ضحاياها. ولكن التقديرات تصل إلى نصف مليون إن لم تكن أكثر. ويعيش في لبنان 1.5 مليون سوري بشكل أثر على المؤسسات الهشة وخلق مشاعر معادية للسوريين نظرا للبعد الطائفي في البلد وكون معظم اللاجئين من المسلمين السنة. وتضيف جيوفاني قائلة إن الشتاء سيحل قريبا وسيعاني اللاجئون من جديد خاصة في الغوطة وحلب التي دكها الطيران الروسي والسوري وكذا إدلب. لكل هذا فالمهمة التي ستواجه بدرسين عظيمة خاصة لرجل محترم في الدبلوماسية الأممية ولديه سجل في حل النزاعات المستعصية. فقد كان بدرسين من فريق تيري رود- لارسين الذي قاد القنوات السرية لأوسلو بين الإسرائيليين والفلسطينيين وعمل في الفترة ما بين 2005- 2008 كرجل اتصال وتحدث مع كل اللاعبين السياسيين فيه بمن فيهم حزب الله. وهو بحاجة لهذه الخبرات البراغماتية في سوريا. وترى جيوفاني أن العامل الرئيسي في جانبه هو التوقيت. فكل الاطراف من النظام إلى المعارضة والروس والأكراد والأتراك والأمريكيين في حالة من التعب مما يقترح أن وقت التفاوض قد حان وهو أمر لم يكن وارادا عندما تولي دي ميستورا المهمة. ويعد هذا أطول المبعوثين لسوريا، فلم يستمر كوفي عنان سوى خمسة أشهر واستمر الأخضر الإبراهيمي عامين حيث ترك المهمة بعدما اكتشف هو وسلفه أيا من اللاعبين لا يريد للحرب أن تنتهي. وتضيف أن دي ميستورا الذي عمل سابقا في السودان وأفغانستان والعراق عمل بجد واجتهاد ولكنه ظل يواجه جدارا صلبا: الأسد وراعيه فلاديمير بوتين. وأخبر دي ميستورا الكاتبة في عام 2015 قائلا: “لم أشهد حربا مصلحية كهذه” مضيفا أن طرفي الحرب مستعد للتضحية بشعبه بدلا من التنازل للسلام. وحاول دي ميستورا المعروف بدبلوماسيته الخلاقة عدد من وقف إطلاق النار والتي فشلت وجلسات للتفاوض والتي كانت متوترة رفض فيها المشاركون الحديث مع بعضهم البعض وفشلت وأخيرا حاول إعداد مسودة للدستور السوري والتي رفضها الأسد. وتعترف الكاتبة أن الحروب عادة ما تنتهي بالقوة أو التعب أو المفاوضات. ولا تتوفر أرضية السلام الخصبة إلا بعد سنوات. فحروب أوروبا الدينية التي انتهت باتفاقية ويستفاليا وأدت لولادة أول دولة ذات سيادة عام 1648 شارك فيها أكثر من 105 كيانا ولم توقع إلا بعد عامين. ومهما حدث فيجب وقف النزاع السوري بطريقة تستمر ولا تدعو المتحاربين العودة للسلاح مرة أخرى. وكما كتب ويليام زاتمان في كتابه “السلام ضد العدل” أن “معاهدة لوقف الحرب هي بالضرورة تحضير لحرب أخرى إلا إذا عالجت الأسباب التي أدت لاندلاع الحرب وخلقت نظاما سياسيا جديدا يمنع من اندلاعها”. وعليه يواجه بدرسون معارضة محطمة وديكتاتورا عنيدا وقاتلا لا يريد التخلي عن السلطة. وعليه يجب أن يكون في قلب المفاوضات فرضية بسيطة وهي خروج الأسد، الرجل الملوثة يديه بالدماء ويحظى بدعم بوتين وحزب الله. فمن الصعب تخيل حل في ظل رجل سبب معاناة كبيرة للسكان ولا يزال في السلطة، فماذا عن العدالة الانتقالية؟ فالروس الذين يحملون كل الأوراق بأيديهم أصروا على أن الأسد هو جزء من الحل السياسي. وإذا كان بدرسون استطاع جعل عرفات ورابين يتصافحان فيمكنه إقناع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن الأسد قد انتهى. وأشارت لتحذيرات رايد الصالح من الخوذ البيضاء الذي قال في تصريحات لصحيفة بريطانية أن الوضع في إدلب خطير حيث زادت الهجمات عليها من النظام السوري. وتعيش المحافظة هدوء هشا بعد اتفاقية منعت من هجوم شامل عليها. وترى روسيا والأسد أن هيئة تحرير الشام التي تتحكم بمعظم القرار فيها هدف شرعي. ولو سقطت إدلب في يد النظام فستتعرض حياة 3 ملايين نسمة فيها للخطر. وتقول جيوفاني إن الحرب في سوريا يجب أن تنتهي وتتبع العدالة فيها نموذج راوندا من المحاكم المحلية أو لجنة المصالحة والحقيقة في جنوب أفريقيا ويجب الكشف عن كل انتهاكات حقوق الإنسان وجلب المنتهكين للعدالة. وعملية كهذه ستعالج الجراح ولن يحدث هذا والأسد في السلطة. فقبل 23 عاما جلب الدبلوماسي الأمريكي ريتشارد هولبروك المتخاصمين في الحرب البوسنية إلى قاعدة عسكرية في دايتون وأجبر الزعيم الصربي سلوبدان ميلوفيتش عبر جلسات الشراب وتنمر على الزعيم البوسني المسلم علي عزت بيغوفيتش الكبير في العمر وطلب منه التنازل عن جزء من البوسنة يراه بيغوفيتش حقا شرعيا. ولم يكن البوسنيون راضين عن نتائج المفاوضات حيث أدى لولادة جمهورية صرب البوسنة والتي تتصاعد فيها النزاعات القومية في ظلل ميليوراد دوديك، إلا ان المفاوضات وضعت حدا للحرب التي حولت البوسنة إلى حقل للقتل وصلت ذروته في مذبحة سربرنيتشا عام 1995. وأخيرا فيجب نهاية الحرب في سوريا ولدى بدرسون سجل جيد في العمل في مناطق النزاع الخطيرة في العالم ولكن يجب أن يصر على نهاية الحرب بالشروط الصحيحة: ويجب ان لا يشمل مستقبل سوريا الأسد. ويجب أن تشمل التسوية آليات للعدالة الانتقالية يتم من خلالها جلب ومحاكمة مرتكبي أسوأ الجرائم وإلا فالكراهية والمعاناة ستعود بالتأكيد بعد عقدين وسيظهر من جديد بشار آخر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية