الناصرة-“القدس العربي”: لماذا لم ترد إسرائيل على صواريخ غزة بتكرار “الجرف الصامد” أو ما سبقتها من حروب متكررة رغم أن أقطابها هددوا وتوعدوا وقال رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو من باريس عشية العملية الفاشلة في خان يونس بأننا كنا قريبين من الحرب خطوة واحدة؟ يميل عدد كبير من المراقبين للقول إن نتنياهو تعلم الدرس من الانزلاق لحرب واسعة في 2014 وحرص على عدم تكرارها متطابقا بذلك مع موقف المؤسسة الأمنية التي تنفي وجود حل عسكري لقطاع غزة بخلاف وزير الأمن أفيغدور ليبرمان الذي أطاحت به غزة على هذه الخلفية، بل حولته إلى نكتة سوداء. ويجمع قادة جيش الاحتلال على أنه “حتى بعد إطلاق 520 قذيفة صاروخية وهاون من غزة خلال يومين، وهذا رقم قياسي منذ تأسيس حماس، فإنه لا يوجد سبب لشن حرب جديدة”. وتعبيرا عن هذا الإجماع تكشف صحيفة “يديعوت أحرونوت” إنه خلال الأسبوع الأخير ترددت في مداولات قيادة الجيش الإسرائيلي مقولة إنه “نفضل إطارات مشتعلة في أشكلون (عسقلان) وليس جنازات في شوارعها”. واعتبر المراسل العسكري للصحيفة، يوسي يهوشواع، أنه ما كان ينبغي تسريب مقولة كهذه إلى العلن، خاصة وأن إسرائيل لم تجبِ ثمنا من حماس، بادعاء أنه “لم يجر تصفية أي قيادي، ولم يُدمر أي ذخر استراتيجي يجعل من الصعب على حماس أن تقاتل في جولة مقبلة”. وأوضح يهوشواع، أن أحد أهم أسباب وقف القتال، يوم الثلاثاء الماضي، هو أنه “لم يكن لدى الجيش الإسرائيلي، ولا توجد الآن أيضا، أهداف جيدة في غزة. هذه هي المصيبة الكبرى. من دون وجود أهداف، فإنه لن تكون هناك أي فائدة حتى لو كانت بحوزة الجيش الإسرائيلي ثلاثة أسراب طائرات إف 35 وذخيرة فائقة الدقة. وهذه مشكلة عملياتية حقيقية”. وحسب ادعاء الجيش الإسرائيلي، فقد تحسب من التعرض لملاحقة قانونية دولية في حال قصف أهدافا هامة، لأنه سيُقتل مدنيون في غارات كهذه. ويقول قادة هيئة الأركان العامة إنهم ليسوا مستعدين لتشكيل خطر على الطيارين وضباط الاستخبارات يتمثل بإجراءات قضائية دولية. لكن هذا المنطق ليس مقبولا على وزير الأمن الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، ولذلك أعلن استقالته نافيا أن تكون حساباته انتخابية ومحاولة لكسب النقاط. وحسب مزاعمه عارض ليبرمان، وقف إطلاق النار واستئناف المحادثات حول تهدئة طويلة الأمد، وطالب بشن عدوان شديد على غزة وإنزال ضربة قاسية جدا على حماس، خلافا لموقف جميع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية. حول ذلك كتب المحلل السياسي في “يديعوت أحرونوت”، ناحوم برنياع، أن “ليبرمان تسبب بضرر لقدرة الردع والثقة التي يوليها الجمهور في إسرائيل للجيش وبالنسبة لليبرمان، فإن هذا ضرر عفوي، إذ أنه لم يقصد ذلك، وبالنسبة للجيش فإن الضرر كبير” وهذا ما يراه المعلق العسكري للقناة العاشرة ألون بن دافيد الذي اعتبر استقالة ليبرمان العجولة قلة مسؤولية وهدية ثمينة لحركة حماس. وأضاف برنياع، أنه رغم أن ليبرمان ليس أول وزير أمن يستقيل، “وهو أيضا ليس الأول الذي يحول استقالته إلى رافعة ضد رئيس الحكومة، لكن يبدو لي أن وزير أمن يهاجم خلال استقالته التقديرات والتوصيات وخطوات الجيش الإسرائيلي هو حدث غير مسبوق. وحقيقة أن هذه الخطوات نُفذت خلال ولاية ليبرمان في وزارة الأمن، بموافقته أو رغما عنه، يزيد خطورة المشكلة. المحلل العسكري في موقع “واللا” الالكتروني، أمير بوحبوط، توقف عند قصف مقاتلي حماس لحافلة إسرائيلية ترجل منها ركابها الجنود للتو، عصر الأحد الماضي، واعتبره خللا عملياتيا ارتكبته فرقة غزة العسكرية. ولتبرير رؤيته تابع “حذرت الاستخبارات الإسرائيلية من أن حماس ستثأر بعد العملية العسكرية الإسرائيلية في خان يونس، وقيادة الجبهة الداخلية ألغت الدراسة في منطقة النقب الغربي، وهيئة الأركان العامة الإسرائيلية قررت حشد قوات، لكن في فرقة غزة لم يذوّتوا أن تلك الجبهة في حال طوارئ ولم تدرك أن الواقع الأمني تغير وأن المطلوب بل أن الجيش الإسرائيلي في بداية حرب”. وحول استقالة ليبرمان، كتب بوحبوط أن ليبرمان سمح لجميع قادة الجيش الإسرائيلي بالتحدث في المداولات الأمنية، وعندها أيقن أنهم يفكرون بشكل مناقض تماما لرأيه. كما قال بوحبوط إنه عندما رأى ليبرمان أن توجه المجلس الوزاري المصغر يعارض هجوما مسبقا ضد حماس، أدرك أن الواقع يشير له إلى الطريق نحو خارج الحكومة. وتعتبر قيادة الجيش الإسرائيلي أن الغارات التي نفذها طيرانه طوال 44 ساعة في القطاع “أبعدت إسرائيل عن حرب مع حماس” وأوضح بوحبوط أن قائد الجيش الإسرائيلي، غادي آيزنكوت، يقدر أن الأفضل هو عدم الانجرار إلى حرب ومنع نشوبها. وأضاف بوحبوط أن الجيش يواجه في هذه الأثناء أزمة ثقة مع الإسرائيليين، وتجلت خلال مظاهرات سكان “غلاف غزة”. ويوضح أن ثقة الإسرائيليين تصدعت، وعندما يكون هناك تآكلا في الردع، فإن من الصعب شرح توجه هيئة الأركان العامة الذي يريد إرجاء الحرب. لكن وفقا لايزنكوت، فإنه يفضل مجيء الإسرائيليين للتظاهر على أن يشارك بجنازات عسكريين وهو لا يزال يؤمن بأنه “إذا قتلنا في هذه المرحلة قادة في حماس فإن إسرائيل ستدفع ثمنا باهظا”. علاوة على الحذر غير العادي الذي تبديه إسرائيل في مواجهة غزة، فإنها تواجه “قلقا متصاعدا” على الجبهة الشمالية، الأمر الذي من شأنه أن يحد من قدراتها على مواصلة شن هجمات على سوريا ولبنان أيضا. وحسب المحلل العسكري لصحيفة “هآرتس” عاموس هرئيل، فإن إسرائيل تواجه في الشمال “الخطر الملموس في انغلاق شباك الفرص العملياتية” بسبب الأزمة مع روسيا، وهذا في رأيه أحد أسباب تحفظ المستويين السياسي والعسكري في إسرائيل من فتح جبهة حرب مع غزة. ويضيف مراقبون سياسيون سببا آخر يتمثل في رغبة نتنياهو الابتعاد عن الحرب مبدئيا كونها مغامرة عسكرية خطيرة وسياسية أيضا من شأنها تهديد عرشه.
ينظر المستويان السياسي والعسكري إلى غزة ولغيوم الحرب المتلبدة وفي ذاكرتهم صورة “الجرف الصامد” الذي اضطرت فيه إسرائيل للقتال طيلة 51 يوما استنزفت خلالها هي أيضا وخسرت ماء وجهها وهيبتها لاسيما وأنها فقدت 70 من جنودها وأصيب 700 آخرون وأصيب النقب بحالة شلل بل تعطل عمل المطار الدولي لمدة يومين. ربما يضاف إلى ذلك نجاح المقاومة الفلسطينية في الحصول على أسلحة أكثر تطورا مثل صاروخ الكورنيت المضاد للمدرعات، والذي ربما قصده نتنياهو حينما أشار لوجود معلومات استخباراتية لا يستطيع أن يشارك الإسرائيليين بها علانية.