رام الله-“القدس العربي”: ما ان بدأ العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة واشتعلت نار المواجهة مع المقاومة الفلسطينية، حتى سارعت القيادة الفلسطينية إلى بدء اتصالاتها لوقف العدوان والعودة إلى الهدوء من أجل تجنيب المواطنين في القطاع ويلات الحرب، فيما برزت إشارات تقرب بين رام الله وغزة.
الرئيس محمود عباس الذي كان في الكويت اختصر الزيارة وأعطى تعليماته لوزير الصحة لإرسال شحنات من الأدوية والمستلزمات الطبية إلى مشافي القطاع، كما طلب من وزير الخارجية والمغتربين بعقد كل من الجامعة العربية ومجلس الأمن اجتماعات لبحث الوضع في القطاع وإدانة العدوان.
وأعلن وزير الصحة جواد عواد، عن إرسال قافلة مستلزمات طبية من مستودعات الوزارة في نابلس، إلى قطاع غزة حملت أدوية خاصة بحالات الطوارئ وغرف العمليات والأمراض المزمنة، ومواد مخبرية وتجهيزات خاصة ببنوك الدم.
وفي مستهل اجتماع عقده للقيادة فور عودته من الكويت أدان الرئيس الفلسطيني بشدة العدوان الإجرامي على قطاع غزه، محملا الحكومة الإسرائيلية المسؤولية الكاملة عن نتائج وتداعيات هذا العدوان.
وأعرب عن شكره لجميع الدول والأطراف التي استجابت لطلبات فلسطين وسعت لتحقيق التهدئة في قطاع غزة، خاصة مصر.
وأكد أن صفقة القرن والاحتلال والاستيطان “الابرتهايد” إلى زوال وفشل، وحتمية التاريخ تقود إلى شواطئ الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس الشرقية على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، على العهد والميثاق.
وقال “إن هدفنا هو تجنيب شعبنا المزيد من المجازر وجرائم الحرب التي ترتكبها سلطة الاحتلال الإسرائيلي”.
وأضاف “اليوم الطريق سالك لتحقيق إزالة أسباب الانقسام والمصالحة، بتنفيذ أمين ودقيق لاتفاق القاهرة 12/10/2017 بشكل شمولي، وبما يضمن تحقيق الوحدة الوطنية والسياسية والجغرافية، والتي تستند إلى العودة إلى إرادة الشعب وصناديق الاقتراع”.
وشدد على ان الوحدة الوطنية هي الأساس “والتعالي عن الخاص لصالح العام، والانعتاق من التعصب التنظيمي ووضع استقلال فلسطين والقدس فوق أي اعتبار، يجب أن تكون نقطة الارتكاز لجميع أبناء شعبنا”.
وكان عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ومسؤول ملف المصالحة فيها عزام الأحمد، قال في وقت سابق إن العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة وحد لغة الشعب الفلسطيني، وأزعج إسرائيل التي ترغب باستمرار الانقسام.
وأضاف في تصريحات للتلفزيون الرسمي “ان العدوان الإسرائيلي يذكرنا بمعركة الكرامة، إذ توحدت اللغة بين أبناء شعبنا خلال العدوان، والتي أكدت أن التصدي للاحتلال يوحدنا، وأنه لا حل لمشاكلنا إلا بإنهاء الانقسام”.
كما أكد أيضا نائب رئيس حركة فتح محمود العالول، على ان التناقض الوحيد هو مع الاحتلال، والخلافات بين حركتي فتح وحماس ما هي إلا خلافات ثانوية.
وأضاف في تصريحات صحافية “إن شعبنا الفلسطيني ما زال يتعرض للعدوان، وما زالت ترتكب ضده وبحقه أبشع وأكبر أنواع الجرائم التي تستهدف الإنسان والمباني والمراكز الإعلامية وغيرها”.
وفي إطار المشاورات التي تجريها القاهرة بشأن ملف المصالحة قال الأحمد، إن وفدا من حماس سيتوجه إلى القاهرة بعد أن تأجل هذا اللقاء جراء العدوان الإسرائيلي على القطاع، وأضاف “إسرائيل تخطط لاستمرار الانقسام، وأنا أناشد حماس بأننا لا نريد اتفاقيات جديدة، نحن وإياكم وقعنا وكل الفصائل معنا، لنتوحد لمواجهة المؤامرات الساعية لتصفية قضيتنا”.
وفي تصريح سابق لفضائية مصرية أعرب الأحمد، عن أمله في التوصل إلى انهاء الانقسام باستئناف التفاهمات وتحقيق المصالحة وإعلانه رسميا من القاهرة.
وشدد أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير صائب عريقات، على ضرورة إزالة أسباب الانقسام وتحقيق المصالحة الوطنية عبر تنفيذ شامل لاتفاق القاهرة الموقع في تاريخ 12/10/2017 وبرعاية الأشقاء في جمهورية مصر، الذي يعتبر المدخل الوحيد للحفاظ على مشروعنا الوطني ومواجهة وإسقاط صفقة القرن، ومنع فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية والقدس، ومنع سلطة الاحتلال (إسرائيل) من استمرار عدوانها وجرائمها بحق شعبنا في دولة فلسطين المحتلة.
وقال في حديث للإذاعة الرسمية “ان اجتماع القيادة ركز على وجوب تثبيت التهدئة وتحقيق المصالحة”.
وشدد عريقات على أن الطريق إلى التهدئة يجب أن يتم عبر منظمة التحرير والفصائل الوطنية والإسلامية على غرار ما حصل في التهدئة التي وقعت عام 2014 لأن إسرائيل تحاول ان تستفرد بهذا الفصيل أو ذاك وتحويلنا بدلا من سلطة واحدة إلى مجموعة سلطات وهذا ما نرفضه جملة وتفصيلا. وأشار إلى ان الطريق إلى التهدئة يتم بالوحدة الوطنية وإزالة أسباب الانقسام.
وحول الشأن الإسرائيلي واستقالة وزير جيش الاحتلال، قال عريقات: إن ما يحدث في الساحة الداخلية الإسرائيلية هو نتاج لمن سيكون متطرفا أكثر ضد الفلسطينيين، مشيرا إلى أن استقالة ليبرمان هي نتيجة عدم رضاه عن عدد الصواريخ التي أطلقت على قطاع غزة وعدد الشهداء الذين ارتقوا والمباني التي دمرت خلال العدوان الأخير.
وأعرب عن خشيته من أن تشهد الحملات الانتخابية الإسرائيلية المقبلة المزيد من التطرف وعمليات القتل، مطالبا العالم أن يبدأ بمسائلة ومحاسبة إسرائيل على جرائمها وتجفيف مستنقع الاحتلال الإسرائيلي لتحقيق السلام والأمن.
وفيما يتعلق بإخفاق مجلس الأمن بإدانة العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، قال عريقات: إن إدارة ترامب هي جزء من المخطط الذي يقوده نتنياهو في إطار ما تسمى صفقة القرن، مشيرا إلى إدارة ترامب تبنت مواقف بينيت وليبرمان لفرض الحقائق على الأرض.
غير ان مخرجات جولة المواجهة ولدت مخاوف لدى عدد من المسؤولين من ان تكون باتجاه تمرير صفقة القرن.
وحذر عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية د. احمد مجدلاني، من ان تكون مخرجات هذه المعركة هو اتفاق يمكن المشروع الإسرائيلي الأمريكي من القضية الفلسطينية ويدفع باتجاه الفصل بين الضفة وغزة من خلال تمرير صفقة القرن.
وشدد في تصريح لـ “القدس العربي” على انه ومن أجل احباط صفقة القرن يجب احباط مشروع إسرائيل وأمريكا في قطاع غزة من خلال الاستجابة المباشرة والصريحة لتطبيق اتفاق المصالحة الذي وقع في القاهرة عام 2017.
وأعرب الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل، عن خشيته من ان تؤدي التطورات التي جرت مؤخرا إلى شعور طرف بان ذلك يسمح له بالتعنت أكثر والتمسك بحساباته ورؤيته لعملية المصالحة.
وفي رده على سؤال ما إذا كانت حماس يمكن ان تتمسك أكثر في موقفها خاصة وإنها تعتبر نفسها المنتصر في المواجهة الأخيرة لا سيما بعد استقالة وزير الجيش الإسرائيلي من منصبه على خلفية هذه المواجهة ومآلاتها، قال عوكل لـ “القدس العربي”: “ان ما عرفناه خلال سنوات الانقسام ان المصالحة تأرجحت ارتباطا بالتطورات الإقليمية، وبالتالي عندما كان يشعر طرف من المتخاصمين ان وضعه أفضل بالتالي يمكن ان يحسن شروطه على الطرف الآخر، يجعل هذه المعادلة صحيحة”.
واشار إلى ان المخاوف والاتهامات التي توجهها حركة فتح لحماس بانها تتناغم مع المشروع الأمريكي الإسرائيلي المتعلق بصفقة القرن، هي الاستجابة لشروط المصالحة، خاصة وان توجه إسرائيل إلى الحفاظ على التهدئة وعدم رغبتها في انهيارها تماما يعكس ما تفكر فيه من ناحية المشروع التصفوي للقضية الفلسطينية.
وأضاف عوكل، ان كل ذلك يجب ان يولد إدراكا لدى الجميع بانه لا يمكن لأحد ان يقصي الآخر، وبالتالي الاستعداد لتحقيق الشراكة للدخول في مرحلة انهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية.
وقال “ان الغريب في الأمر حد الدهشة، وحدة الفلسطينيين رغم خلافاتهم عندما يتعرضون لخطر ما، مثلما حصل في العدوان على غزة وفي الخان الأحمر والقدس وغيرها لكنهم غير موحدين وتجري بينهم اشتباكات كلامية واتهامات فيما يواجهون من مخاطر أعلى بكثير وذات طبيعة استراتيجية تتعلق بحقوق الفلسطينيين ومستقبل القضية الفلسطينية”.
وتساءل لماذا يتوحد الفلسطينيون في عدوان إسرائيلي ولا يتوحدون لمواجهة خطر أمريكي إسرائيلي يسعى إلى تقويض ومصادرة الحقوق الوطنية الفلسطينية؟
وقال عوكل ان الفرصة للمصالحة ما زالت قائمة، وان القاهرة تعمل بقوة لإنجاز هذا الملف، مشيرا إلى ان الجميع يدرك انه ليس هناك مستقبل بما في ذلك للفصائل دون ان تكون جزءا من المؤسسة الفلسطينية وهو ما عكسته تصريحات أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح اللواء جبريل الرجوب، الذي زار القاهرة واجتمع مع المسؤولين في المخابرات المصرية من إمكانية تحريك ملف المصالحة خلال الأيام المقبلة.
وكان أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح اللواء جبريل الرجوب أكد خلال لقاءات عقدها الأسبوع الماضي مع الوزير عباس كامل، رئيس جهاز المخابرات المصرية وأحمد أبو الغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية، وعدد من المسؤولين المصريين ضرورة تحقيق الوحدة الوطنية، لمواجهة “صفقة القرن” الأمريكية، وإفشال الجهود الإسرائيلية الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية.
وقال الرجوب حينها، ان هناك رؤية استراتيجية لدى قيادة المخابرات المصرية وتمسكا شديدا بتنفيذ وتطبيق الاتفاقات التي وقعت في القاهرة في تشرين الأول/اكتوبر 2017 برؤية وإشراف ورعاية مصرية.