الإعلامي الكبير الذي علّم العربية لطبيبة فرنسية مجاناً، وعلمتُ بذلك حين قالت لزوجي بالعربية «بلغ السيل الزبى»، وانفجرنا يومها ضحكاً لأن طبيبة فرنسية في المستشفى الباريسي الشهير تتحدث بالعربية النحوية القديمة واستجوبناها من أين تعلمت ذلك، وذكرت لنا اسم الإعلامي الذي يوقع تعليقاته على مقالاتي باسم ـ سوري ـ.
هذا الأخ السوري يخاطبني أحياناً بقوله «سيدتي تاج راسي»، ويعيدني بكلمتين إلى دمشق اللامنسية في تعبيره السوري. وكانت عمتي تقول لي حين أتصل بها هاتفياً إلى دمشق: كيف جوزك تاج رأسك» أي كيف حال زوجك؟ فمن أصول التربية الشامية القديمة للنساء أن الزوج «تاج الرأس». وهكذا فالشامية المتزوجة لا ترتدي الأسود حداداً على أمها أو والدها، بل الرمادي، ولا ترتدي السواد إلا حين يرحل زوجها. وربما لذلك يقولون في بيروت مثلاً شائعاً: «الذي يتزوج شامية ينام نومة هنية».
هذه التداعيات كلها تخطر ببالي كلما قرأت عبارة أخي «سوري»، ويذكرني بحنيني إلى دمشق وسوريا وطني الأم الذي لم أزره منذ عقود، وتلك حكاية أخرى تطول..
ابن فلسطين الغالية، رؤوف بدران، حملت سطور إحدى تعليقاته على عمودي في «القدس العربي» عتباً لأنني لم أكتب عن الخاشقجي، والجميع كتب عن ذلك. وأحب التذكير بأنني أولاً روائية ولست جزءاً من «كورس»، وأنني قد أجد حدثاً ما صالحاً لمادة روائية أرغب في كتابتها، ولن أجهض ذلك في «لحظة حرية» أي أنني أكتب ما يحلو لي كما يحلو لي، ولست عبدة للأحداث، بل تصب هي في المجرى الروائي والقصصي لي.. ولن أقول المزيد حول خيوط العمل الروائي الذي أخطط لكتابته بأصوات مختلفة، كي لا أجهضه، فأنا حين أثرثر عن عمل أدبي مقبل لي قد أجهض الشعلة الداخلية.
الكتابة حريتي، ولا أدري ماذا يريد مني محبو كلماتي أن أكتب، بل أكتب كما يحلو لي ولعلهم لذلك يطالعونني! وما من إبداع روائي دونما حرية داخلية.
مقال عمرو مجدح ـ سلطنة عمان ـ بعنوان «كتب على المرافئ القديمة» حول بيع بعض كتبي على البسطات وعليها إهداء مني بخط يدي لصديقة أو صديق نكأ جرحاً اعترف به وبألمي منه.
وقد علمت بشيء كهذا من زمان حين اشترى شاعر في الإسكندرية (السيد الهبيان) كتاباً لي من (البسطة) وفوجئ بأن عليه إهداء مني إلى صديق فاشتراه، وأعاد إرساله لي بالبريد إلى بيروت كهدية منه! وأعترف أنني شعرت بالاكتئاب (وأكثر قليلاً) يوم تسلمت كتابي هذا من البريد وعليه إهدائي بخط يدي.. وبالحبر الأخضر! كان الذي أهديته الكتاب قد رحل عن عالمنا، ولا أدري هل (باعه) قبل رحيله أم تولى ذلك الورثة، وحزنت للحظة صدقي وأنا أكتب الإهداء. شابة لبنانية أرسلت لي أيضاً أحد كتبي وعليه إهداء مني، وكانت قد اشترته عن (بسطة) على الكورنيش البحري..
وأذكر أنني يومها قررت ألا أكتب إهداء على أي كتاب لي، بل على ورقة مستقلة ألصقها (ورقة بوست إت) وهكذا حين قال لي الأديب ياسين رفاعية أن أحد الزملاء في جريدة «الشرق الأوسط» يريد كتاباً مني مع إهداء، كتبت الإهداء على ورقة مستقلة وألصقتها في مكان الإهداء، ونقل لي ياسين بعدها انزعاج الزميل من ذلك وكان يريد الإهداء على الكتاب بخط يدي!.. ولم ألمه ـ وقررت أنه إذا كان الحب مغامرة فالمودة كذلك، وعدت إلى كتابة الإهداء على الكتب، فأنا التي لُدغت من عدة جحور ولكنها لا تتوب حرصاً على مشاعر الآخرين. ويا أخي عمرو مجدح، مقالتك مست وتراً حساساً عندي، وأعترف أنني أشعر بالدهشة لغزارة أرشيفك عني ومعلوماتك حتى عن اسم مدينة أمي.. ويبدو أنني إذا احترق ما تبقى من أرشيفي بقذيفة بيروتية أو غرق بطوفان «نهر السين» ثانية سألجأ إلى أرشيفك عني ويبدو حافلاً.. وشكراً لاهتمامك بأبجديتي.
الأخ نجم الدراجي من العراق الحبيب، الذي زرته مرات، ولي فيه صداقات لا تنسى، سره أنني أكتب عن غسان في عمل روائي من خلال الشاب الفلسطيني الذي حاورني في طائرة باريس/بيروت «مدهوشاً» لأنني عرفته وصافحته!! فقد صار غسان أسطورة.. وغسان الشهيد والإنسان الرائع الذي تذكرني به دائماً المرهفة غادة الشاويش، إنسان يستعصي على النسيان.. فقد كان يستخف بإمكانية اغتيال العدو الإسرائيلي له، ربما لأنه كان متواضعاً على العكس من آخرين لهم عدة حراس لتوكيد أهميتهم!!
غسان لم يكن يحمل مسدساً للدفاع عن نفسه، ثم إننا، غسان وأنا، كنا نعتقد أننا سنموت قبل أن نبلغ الأربعين من العمر. وصدق حدس غسان لا أنا. فقد قتله العدو الإسرائيلي وهو في زهوة الشباب.
ولن أنسى الشاب الفلسطيني جاري في مقعد الطائرة الذي دهش لأنني صافحت غسان كنفاني، وكدت أروي له الحكاية كلها التي تحكي بعضاً منها رسائل غسان لي.. والتي (أقامت القيامة) على رأسي لأنني نشرتها، ولكنني شعرت أن حكايتنا معاً لا يمكن أن تتسع لها أربع ساعات. ولكن المجال لم يعد يتسع لكتابة المزيد، وكنت أنوي المتابعة مع الفنانة التشكيلية أفانين كبة وسواها فإلى اللقاء مع الأصدقاء الأبجديين القراء في الأسبوع القادم.