هيفاء أبو النادي يتكون الصباح في عينيّ عادةً عندما تتكوّر الشمس بردائها وتنغمس في صفرة أوّل حمرة أثناء ولادتها من الشرق مستقرّةً في صعودها إلى حافّة نافذة غرفة نومي. والعادة هي هي، تتكرر دائماً حين أنظر إلى فسحة السرير أمامي ولا أجده. بصراحة، ما عدْتُ آبه كثيراً بمرآتي التي فضّلَتْ أن تصارحني بحقيقة أني دميمة الوجه. وهذه البثور على وجنتي دليلها الذي تراه كلّ صباح. كانت تقصّ عليّ حكايات الساحرات الدميمات وتُشبّهني بهنّ قائلة: ‘أصْدُقكِ القولَ إن قلت لك إنك أجمل منهن بقليل فقط!’ وكنتُ في كلّ مرّةٍ أصدّقُها فيها يزداد قبحي أكثر إلى أن تعدى الأمر حدّه واستحالت الحياة بيني وبين صابر فبات أمراً اعتياديّاً في كلّ ليلة أن يأخذ وسادة ولحافاً ويتمدد على الأريكة في الصالة.
أصحو من ذهولي أمام كرة الشمس وأمنع تدفق الأفكار في بلعومي وأحاول أن أستجمع قواي وألملم شعري المتناثر على هيئة ذيل حصان بعقدةٍ ألفّها مرتين ثمّ أشدها بعقدةٍ ثالثة تزيد من الإحكام.. أرتدي روب قميص النوم الشفيف وأسرع في الخطو على أطراف الأصابع كباليرينا مشتعلة تحترف الرقص على الجليد. أسرع أكثر نحو المطبخ وأحافظ على هدوئي. أحضّر ركوة القهوة التي يحبها صابر مع فنجانين أخذتهما من الطقم الصيني الفاخر الذي ابتاعته والدته بمناسبة زواجنا. أكاد أسكب القهوة في الفنجان الأول لكنني أتنبه! يا لحمقي! صابر يحب أن أصب القهوة أمام ناظريه. ينبغي عليّ أن أراجع ما يحب وما يكره كلّ صباح، فأنا لا أريد أن أفسد صباحه كما فعلتُ يوم أمس! أرتب كل شيء على مهل ورغم هذا يندلق قليل من القهوة في الصينية! أنظفها سريعاً فيتسخ كمُّ قميص النوم! ياااه! ما هذا اليوم! أتذكر وصايا أمي وأرددها أثناء خروجي من المطبخ: ‘كوني عاقلة ومرتبة ونظيفة. كوني كما يريدك. إياكِ والتذاكي أمامه في أي نقاش. أشعريه دوماً بأنه ملك..’. أقترب من الأريكة ثم أضع الصينية بهدوء شديد على الطاولة أمامه. أقترب أكثر وأحاول أن أداعبه بتلمس اللحاف. تفاجئني الوسادة الموضوعة بشكلٍ طوليّ تحت اللحاف. أستغرب بل وتلتهمني الحيرة وتساؤلات جمّة..! ألم ينم هنا الليلة الماضية؟ لا دفء بين ثنايا الأريكة ولا على جوانبها.. تأكلني الغيرة من جديد ويرتخي ذيل الحصان في شعري. أبعِدُ اللحاف قليلاً وأجلس منتظرة إجابة منطقية لما رأيت. أغمض عيني وأمرن أنفي على استنشاق الغربة مع رائحة القهوة والهال.
يصفق باب. أفتح عيني على آخرهما وتتسع الحدقتان. أراه واقفاً ومستنفراً. أصطنع ابتسامة حمقاء رغم الغبش الذي أراه. وحين أضع نظارتي يقترب مني بمعطفه الأزرق وعلامات الضجر ترتسم على محياه. – القهوة جاهزة حبيبي، سأسكبها لك.
لا يجيب. ترتجف يدي وأنا أقدم له فنجانه. أتعمّدُ لمس يده وهو يتناول من يدي الفنجان. أرتعش أكثر، أما هو فيزداد صلابة. أسأله:- كيف نمت البارحة؟
يجيب بعد أن يرتشف ربع القهوة:- نمت جيداً.. وتسري من فوق شفته السفلى شبه ضحكة صغيرة هامسة يقذف بها بياض أسنانه الذي كنت نادراً ما أراه.. ويتابع لينقذ نفسه:- كانت نومة هانئة وجيدة.. ثم يصمت.
أنظرُ إلى الصور المعلقة على الحائط المقابل فوق التلفاز مباشرة وأباغته بسؤال:- أتذْكُرُ عمي مصطفى؟ الذي كان شاهداً على عقد زواجنا.. يضع قدماً على الأخرى ويردُّ بنزق:- تقصدين ذاك المخبول الذي اعترض على زواجي منك حين أتيتكم خاطباً أول مرّة.. ؟ غصصْتُ من إساءته، فدقّ على ظهري بشدة وكأنه كان ينتظر غصتي منذ أمد. رفع يده حين أجبته:- عمي ليس مخبولاً! ليس مخبولاً!!! ترك صابر فنجان القهوة على الطاولة وكتّفَ ذراعيه ثم نفث مجموع أنفاسه مرةً واحدة وكأنه يستعد لمواجهة مشكلة لم تكن في الحسبان.. ثم قال:- حسناً، ما بال عمك المخ…. (ولم يكمل) مصطفى؟
سحبتُ منديلاً بسرعةٍ مسحتُ به أنفي ودمعتين سقطتا غصباً ثم أجبته:- لا شيء.. لا شيء.. أردتُ فقط أن أخبرك بأن وضعه استقرّ بحمد الله في القاهرة، والأمور عادت إلى مجاريها مع زوجته وأولاده.- هكذا ببساطة.. ؟! أرسلي له تحياتي إذن.. اسمعي، لن أعود إلى البيت إلاّ ليلاً. أنا مدعوّ على الغداء عند أمي. وفي المساء هناك عشاء عملٍ رسمي.. قاطعْتُهُ:- وهل هناك لافتات تمنع اصطحاب الزوجات إلى غدائك وعشائك؟
لم يجبْ. أخذ ينفخ فقط وهو يرتدي حذاءه.. ثمّ خرج مهروِلاً وصفق الباب وراءه.. فوقعت صورة عمي وراء التلفاز. حينها تذكرتُ كيف كنت أغرق في المطر الساقط كشتاء من عيني حين أصِرُّ على عمي أن يشتري لي الشوكولا. أذكر مرةً كانت السماء فيها تمطر بشدة.. وكنت وقتئذ قد طلبتُ من عمي لوح شوكولا. وعندما عاد لم يكن هنالك أثرٌ لأيّ قطرةِ ماء على وجهه أو ملابسه! فتسمّرْتُ وذهلت حين حفرتْ إجابته في قلبي خندقاً:
لأجلك ِكنتُ أسرق من المطر لحظات سقوطه وأسترق السمع.. فكلما سارعت قطرة بالسقوط قفزْتُ مبتعداً عنها.. وهكذا إلى أن وصلْتُ إلى البيت بقفزاتي المتتالية هارباً من المطر غير مبتلّ..! عمي.. أعترف لك بخطئي! أنا الآن أدفع ثمن لوح الشوكولا المرّ الذي أردته.. أقتاته كلّ يومٍ وكلّ ليلة.
كاتبة وأكاديمية أردنية / فلسطينية