بغداد-“القدس العربي”: بين تأكيد ونفي احتمال عودة تنظيم “داعش” إلى العراق، يعيش سكان المحافظات المحررة وخاصة الموصل، أوضاعا متوترة، وسط مخاوف جدية من تجدد ظروف مشابهة للتي كانت سائدة عندما ظهر التنظيم عام 2014.
وبالتزامن مع تصريحات واجتماعات وحراك سياسي وعسكري حكومي وبرلماني لتطمين الشارع، إزاء المخاطر والاختراقات الأمنية التي تشهدها المحافظات المحررة وخاصة الموصل، التي تقوم بها خلايا تنظيم “داعش” فان التحذيرات التي يصدرها القادة المحليون والسياسيون والخبراء العسكريون، كلها توحي ان الخطر جدي إذا لم تحسن الحكومة العراقية التعامل مع هذه التحذيرات عبر إجراءات عملية مدروسة وسريعة.
وأقر رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، الذي عقد اجتماعات متتالية مع القيادات العسكرية، إن المئات من أعضاء تنظيم “داعش” في دير الزور، شرق سوريا يحاولون دخول العراق عبر الحدود، مؤكدا ان القوات العراقية ترصد تحركاتهم وتنفذ واجباتها لإفشال جميع محاولاتهم لاختراق الحدود.
ولتحقيق هذا الغرض قامت القوات العراقية بحملات تمشيط واسعة في المناطق النائية، إضافة إلى دفع تحشيدات كبيرة على الحدود السورية، مع احتمال تنفيذها عمليات ملاحقة لعناصر التنظيم داخل الأراضي السورية، إلا ان نتائجها غير حاسمة حتى الآن.
وفي أعقاب مناشدات عدد من نواب المحافظات المحررة، وافق البرلمان على تشكيل لجنة لمعرفة أسباب الخروقات الأخيرة التي حدثت في الموصل وامتدت إلى عدة محافظات غربية من خلال قيام “داعش” بالعديد من العمليات الإرهابية، والتي ذهب ضحيتها الكثير من المدنيين والعسكريين.
وعقدت قيادات حكومية وعسكرية في الموصل، اجتماعات لتدارس واقع الخروق الأمنية التي تكررت مؤخرا وسبل مواجهتها، واستعدادات القوات الأمنية للتعامل مع احتمالات عودة تنظيم “داعش” الذي ظهر في تلك المحافظة أولا عام 2014 مستغلا ثغرات سياسية معينة. ودعا المجتمعون حكومة بغداد إلى تقديم الدعم اللازم للمحافظة، مقرين بوجود نقص في حصتها ضمن ميزانية 2019 وفي توفير الخدمات وخاصة إعادة إعمار المناطق المدمرة والاستعدادات العسكرية.
إلا ان أشد التحذيرات جاءت من الجانب الكردي، حيث حذر قادة من الحزبين الكرديين الرئيسيين، من عودة تنظيم “داعش” الإرهابي إلى الموصل وديالى وكركوك، مؤكدين ان التنظيم بات يسيطر على بعض الجيوب في تلك المحافظات، وان تحركاته تشكل ناقوس خطر. فيما حذر الرئيس السابق للجنة الأمن والدفاع النيابية حاكم الزاملي، من “خطورة انتشار ظاهرة الفقر والتهريب وابتزاز المواطنين والفساد المالي، وانشغال بعض القطعات العسكرية في الموصل بالقضايا المادية، هو ما سهّل عودة بعض المجاميع الإرهابية إلى المدينة وأطرافها”.
وقالت مصادر مطلعة من الموصل لـ”القدس العربي” ان أوضاع المحافظة مزرية في ظل الإهمال الحكومي وانهيار البنية التحتية والتأخر في إعادة إعمار المدن المدمرة ونقص الخدمات الأساسية وتفشي الفساد وانتشار الفقر والمخدرات، مما يثير القلق لدى السكان ويؤخر عودة النازحين من المخيمات، لأن هذه المؤشرات تتشابه مع ظروف بروز التنظيم عام 2014 وان المعلومات تشير إلى انه لم ينته كليا ولم يستسلم، لذا يقوم باتباع تكتيك حرب العصابات وعدم مسك الأرض، وينفذ عمليات في المناطق الرخوة النائية مستغلا سعة الأراضي الممتدة على الحدود العراقية السورية وفي بعض المناطق الوعرة في نينوى والأنبار وصلاح الدين وكركوك.
وتؤكد المصادر ان بقايا التنظيم يعلمون انهم مطلوبون وان مجال حركتهم يضيق يوما بعد يوم، وان القوات الأمنية ستصل إليهم إذا بقوا في أماكن محددة لذا يتنقلون من مكان إلى آخر، مستفيدين من الثغرات الأمنية وانشغال الحكومة بالصراع السياسي.
ويذكر ان قياديا في “داعش” كشف مؤخرا خلال تحقيق القضاء معه، جانبا من نوايا التنظيم، عندما أشار إلى انه “تلقى أوامر من قبل الوالي الجديد مطلع العام الجاري تقضي بالعودة إلى العراق وتحديداً إلى الكرمة لتكوين مضافات (مقرات مؤقتة) خارج المدن وتشكيل مفارز عسكرية لتنفيذ عمليات ضد أهداف محددة وهي مواقع عسكرية ومنتسبين للأجهزة الأمنية”.
ولم يستبعد الكثير من المراقبين في الموصل، وجود عامل خارجي يريد استغلال ظروف العراق لتحقيق أهدافه السياسية من خلال يافطة تنظيم “داعش”، حيث كان ملفتا قيام النظام السوري مؤخرا بالسماح للتنظيم بالانتقال من مناطق سيطرته قرب دمشق إلى الحدود العراقية ومدينة البو كمال، وسط صمت الحكومة العراقية. كما فوجئ الكثيرون من تمكن التنظيم من انتزاع مناطق حدودية مع العراق من قوات المعارضة السورية المدعومة من الولايات المتحدة، ما أثار مخاوف من سيناريو يعده حلف إيران وسوريا وروسيا لنقل تنظيم داعش إلى الأراضي العراقية لتحقيق أهداف سياسية منها الضغط على الولايات المتحدة لتخفيف عقوباتها على إيران. علما ان ظهور التنظيم وانتشاره عام 2014 لم يكن بسبب قوته أو لضعف القوات العراقية، وانما وفق إرادة سياسية محلية وإقليمية غير خافية.
ومن المؤكد ان قلق العراقيين من هذه التطورات والخروقات الأمنية، يعززه صراع القوى السياسية في بغداد والمحافظات المحررة على المناصب الحساسة وامتيازاتها التي تتسرب الأخبار عن بيعها بملايين الدولارات، مما يذكر بتكرار ظروف عام 2014 عندما انشغل المسؤولون والأحزاب والقادة العسكريون بالصراع على السلطة وامتيازاتها، والذي نتج عنه التذمر من نقص الخدمات وانتشار الفساد واهمال الملف الأمني وسهل للتنظيم الظهور والانتشار. فهل نستوعب درس الأمس قبل فوات الأوان؟