أربعون عاما على رحيل عبد الناصر

حجم الخط
0

منذ بزوغ نجمه في سماء مصر وبلاد العرب حرص جمال عبد الناصر على بث الشعور القومي العربي في كل الأرض العربية.. كما تمكن عبد الناصر بعد سنوات قليلة من حكمه، وتحديدا في الثاني والعشرين من شهر شباط/فبراير من العام ثمانية وخمسين وتسعمائة وألف بالتعاون مع أحرار سورية من إقامة أول وحدة في تاريخ العرب الحديث بين القطرين السوري والمصري، وقيام الجمهورية العربية المتحدة بإقليميها الجنوبي (المصري) والشمالي (السوري).. هذه التجربة التي لم يكتب لها أن تستمر.. فلقد كان الانفصال في الثامن والعشرين من أيلول/سبتمبر من العام واحد وستين وتسعمائة وألف بعد ثلاث سنوات وستة أشهر وستة أيام من قيام هذه الوحدة التي أراد لها عبد الناصر أن تكون نواة وحدة عربية شاملة.. وتشاء الأقدار أن تكون وفاة عبد الناصر بعد تسع سنوات من ذاك الانفصال، ففي الثامن والعشرين من أيلول/سبتمبر من العام سبعين وتسعمائة وألف لفظ عبد الناصر آخر أنفاسه وهو يودع القادة العرب بعد حضورهم مؤتمر قمة دعا إليه لمناقشة الوضع العربي آنذاك.

لم يتمكن عبد الناصر من تحرير شبر من أرض فلسطين.. ولكنه لم يبع شبرًا من أرضها، ولم يفرّط بحبة تراب من ترابها.. وعندما كانت الوفود الرسمية أو الشعبية من شتى بقاع الدنيا تحضر إلى القاهرة بهدف التوسط لدى عبد الناصر لحل هذه القضية كان موقفه يتلخص في أنه لا يملك شيئًا من أرض فلسطين كي يتحدث عنه، أو يساوم عليه، أو يتصرف به.. وأن لفلسطين شعبًا وقادة هم الذين يقررون مصيرها.. وأن دور العرب يتلخص في تأييد شعب فلسطين في السعي من أجل تحرير أرضه، واستعادة حقوقه، والعودة إلى دياره لا أكثر من ذلك ولا أقل.

وفي الخامس من حزيران/يونيو من عام سبعة وستين وتسعمائة وألف كانت هزيمة عبد الناصر، وهزيمة العرب، وكان احتلال إسرائيل للضفة الغربية، وقطاع غزة، وأجزاء من الهضبة السورية إضافة إلى شبه جزيرة سيناء.. أما أسباب ذلك فهي رغبة الإسرائيليين في السيطرة على مزيد من الأرض العربية، وإلحاق الهزيمة بنظام حكم الرئيس عبد الناصر الذي بات يشكل تحدِّيـا للمخططات الأجنبية التي تستهدف أرض العرب… لقد استغلت إسرائيل أمرين لتحقيق أهدافها، هما محاولة عبد الناصر التخلص من آثار العدوان الثلاثي بإغلاق مضائق تيران وطرد القوات الدولية.. والرد السوري على الاستفزازات الإسرائيلية واعتداءاتها المتكررة على السوريين، وذلك بالقصف المدفعي العنيف لمستوطنات منطقة طبرية، وبعض المستوطنات الشمالية الأخرى وهكذا كان.. أما احتلال إسرائيل للضفة الغربية فكان بسبب دخول الأردن تلك الحرب إلى جانب أشقائه العرب.

ويعمل عبد الناصر على إعادة بناء الجيش- بعد أن أعادته شعوب الأمة العربية إلى سدة الحكم من جديد ـ ويخوض عبد الناصر حرب الاستنزاف التي أبلى فيها المقاتل المصري البلاء الحسن.. ويقتحم جيش مصر قناة السويس، ويدمر خط بارليف الحصين.. ويواصل طريقه، مزهوًّا بالنصر صوب غزة… ولكن عبد الناصر لم يشهد هذا النصر، ولم يشارك في حرب العاشر من رمضان.. ولم يصدر أوامره لجيش مصر بمواصلة التقدم نحو الشمال.. لأن عبد الناصر كان قد رحل قبل ثلاث سنوات وثمانية أيام من هذه الحرب التي أسميناها حرب العاشر من رمضان، وأسماها بعضنا حرب أكتوبر، وأسماها بعضنا الآخر حرب تشرين.. تلك الحرب التي خاض غمارها الجيشان المصري والسوري في السادس من تشرين الأول/اكتوبر من عام ثلاثة وسبعين وتسعمائة وألف.

رحل عبد الناصر وهو في الثانية والخمسين من عمره منذ أربعين عامًا، ولا تزال أصداء خطاباته النارية ترن في آذاننا.. لا زلنا نرى ذلك الضابط المصري الشاب الذي يخوض غمار حرب ثمانية وأربعين في الفالوجة، ولا زلنا نذكر أصداء صفقة الأسلحة التشيكية، وأصداء حرب السويس، وأعياد الوحدة المصرية السورية في الثاني والعشرين من شباط/فبراير من عام ثمانية وخمسين وتسعمائة وألف.. وتجمع الملايين من أبناء الأمة العربية أمام قصر الرئاسة في ‘المهاجرين’ ليشاهدوا جمال عبد الناصر وشكري القوتلي، وأحرار العرب صنّاع الوحدة.. ولا زال العرب في كل مكان يذكرون أول زعيم عربي يلقي خطابا تاريخيًّا في الأمم المتحدة باللغة العربية.. ولا زال المصريون يذكرون إصلاحات عبد الناصر في مصر، ووقوفه باستمرار إلى جانب العمال والفلاحين والطلبة وسائر فئات الشعب العربي في مصر.

رحل عبد الناصر منذ أربعين عاما، ولكن أفكاره لم ترحل.. لم ترحل مبادؤه ومواقفه ومحبته لفلسطين وتصديه لكافة الدسائس والمؤامرات التي حاكها المتآمرون ضد الوطن العربي والأمة العربية… رحل عبد الناصر فاستكانت ـ واحسرتاه ـ هذه الأمة.. وتكالب عليها الأعادي والخطوب.. ومزقتها شر ممزق هذه العصبية القبلية… وبدأ عدد هذه الدويلات في الازدياد.. وأصبحت الحدود التي أقامها الاستعمار الغربي بين أقطار الوطن العربي الواحد حدودًا مقدسة تجد من يدافع عنها، ويكرّسها، ويحميها، ويحافظ عليها من أبناء هذه الأمة العربية الواحدة من المحيط إلى الخليج!

رحل عبد الناصر.. ولكن أمة العرب لم ترحل.. ولن ترحل.. وستبقى خالدة أبد الدهر.. وستبني هذه الأمة العربية الواحدة الموحدة دولة العرب.. وستكون لها مكانتها بين الأمم.. وستعيد صنع التاريخ وكتابته من جديد.. وستستعيد عظمتها وأمجادها التي صنعتها يوم كانت خير أمة.

عدنان السمانwww.smmn.co.nr

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية