مسرحية ‘ لا اعرف الشخص الغريب’ للفنان المسرحي عيد دويكات

حجم الخط
0

من الشعرية كمقولة لغوية الى المسرحة كفعل دراميسعيد محمد سعادة الدرامية الشعرية تقتضي مسرحة اي نص شعري العمل على تفكيك جملته الشعرية وهدم بنائها، كمقولة لغوية ذات ابعاد وزنية وعروضية، ثم اعادة تشكيلها وهندستها وفق معطيات درامية مبنية على عناصر الفرجة واللعبة المسرحية، والا فإن النص الشعري يبقى نصا قوليا، اقصى حدوده الجمالية كامنة في اللغة بما فيها من بلاغة شعرية وبيان لغوي، وان كان يحمل في جيناته موروثا دراميا مسرحيا من نوع ما، ولا نقصد هنا بعملية الهدم، او التفكيك مفهوما سلبيا يتمثل في الغاء الحالة النفسية المعبأة بثراء الاحساس والمشاعر الكامنة في متن النص الشعري، وانما نقصد بذلك خلق حالة درامية مسرحية موازية للقول الشعري، ولكن على مستوى الفعل والحركة وكامل الشروط المسرحية، في مقابل الشعر وملابساته اللغوية. فالنص الشعري ‘ لا اعرف الشخص الغريب’ للشاعر الراحل ‘ محمود درويش’ تعامل معه الفنان المسرحي ( عيد دويكات) في اطار المسرحة الدرامية، بأدواتها وجميع عناصرها الفنية. واذ يعلم الفنان ( عيد) مدى قيمة نصوص ( محمود درويش) الشعرية وثرائها فنيا، فإنه تعامل مع النص الشعري بحذر شديد يوازي اهميته وقيمته الفنية، اذ قام بتفكيك سياقات النص الشعري، كفكرة نصية، وحلحلة فضاءاته المعرفية من اجل ان يستخرج ما في طاقاته وامكاناته التعبيرية من دراما وفرجة مسرحية، ذات ابعاد ورؤى فنية مختلفة، ثم يجسدها في شخصية درامية تسير وتتحرك امامنا على خشبة المسرح. انه، بمعنى آخر، قام بتفجير فني للنص الدرويشي في سياق لعبة الفنون وتداخلها مع بعضها بعضا اخذا وردا، ثم بنائه من جديد وقد البسة ثيمة مسرحية تتجه بتعبيراتها نحو التشخيص والاستحضار الواعي لجانب من دلالات النص الضمنية والمسكوت عنها عبر آليات الخطاب المسرحي والفعل الدرامي الممنهج، وفق جماليات العرض ووظائفه التجسيدية. اذا الحالة المسرحية التى ابدعها الفنان ( عيد دويكات) لم تكن شرح لقصيدة ( محمود درويش)، او تفسيرا لشعريتها، او فضاءاتها اللغوية، وانما جاءت حالة تعبيرية درامية موازية في دلالاتها الفنية للقول الشعري وبنائه اللغوي. واذا كان نص ‘ لا اعرف الشخص الغريب’ يترك لنا فيه الشاعر ( درويش) خيارات متعددة واتجاهات شتى للتأويل من خلال طرح كثير من الاسئلة حول حالة الشخص الغريب وملابساته الشكلية والنفسية ثم الظروف المحيطة به بأسلوب شعري جميل، مبني على شحذ الذهن ونبش الفكر كعادة ( درويش) في انتاج شعريته الفذة وطرحها للمتلقي، فإن (عيد دويكات) لا يبتعد عن هذه الخيارات الدرويشية في بنائه لعرضه المسرحي، حيث قام بذكائه الفني بتفجير كمّ ٍ هائل من الاسئلة الاشكالية وتوالدها عبر درامية حية وسينوغرافيا بسيطة متقشفة الى حد الاسراف، على حد قول الفنان والناقد التشكيلي ( عصمت الاسعد) في تقديمه عن المسرحية. اداء واقعي لفكره مجردة يقوم العرض المسرحي المونودرامي ‘ لا اعرف الشخص الغريب’ على حس تجريدي مواز ٍ في فعله المسرحي تجريدية القول الشعري في القصيدة، ومع ذلك، فإننا نلمس في عملية التجسيد للشخصية التي اداها ( عيد دويكات) واقعية في فن التمثيل الدرامي، حيث تنبني في بعدها الفني على بساطة في الطرح من خلال عفوية الاداء وسلاسته، تلك العفوية التي تشير بوضوح جلي الى قدرة المشخص/ المخرج ( عيد دويكات) على الامساك بفن التمثيل عبر معرفة عميقة وواعية بأسرار الصنعة المسرحية بكل عناصرها الفرجوية ولعبتها الدرامية، هذا من جهة، ومن جهة اخرى، وصلت واقعية الاداء والتجسيد حدود الاقناع، والذي ينهض، في بعده الشكلي، على خلق مجموعة من الحركات والافعال المرافقة للشخصية، بل المنعكسة من واقعها النفسي، المستوحاة من سياقات النص الشعري الخارجية، او المسكوت عنها، مما تضعنا – نحن كمشاهدين للعرض المسرحي ـ على فوهة بركان من الاسئلة حول ماهية الشخصية، ومن تكون. وما إن ينتهي العرض حتى ينفجر بنا هذا البركان الملغم بالاسئلة المراوغة، من مثل: من هي هذه الشخصية، وأين تعيش، وماذا تعمل، وكيف جاءت؟ إلخ… وبما ان الحالة كذلك، فإن اقصى معرفتنا عن هذه الشخصية في مسرحية / قصيدة ‘ لا اعرف الشخص الغريب’ لا تتعدى كونها شخصية هلامية في ملامحها، زئبقية في صفاتها، حتى اننا لا نستطيع الامساك بأي طرف فيها يدلنا على حالتها، او خيط ما يوصلنا الى طبيعتها وكنه جوهرها، سوى انها شخصية غريبة الاطوار في تصرفاتها وسلوكياتها، التي تصل في بعض الاحيان الى الفوضى والعبثية. فهي بوضعيتها تلك تنتقل، من حالة الى اخرى، في جو نفسي يتسم بالضيق والاختناق، انها باختصار شخصية تسعى إلى الوصول الى اجابات مقنعة عن اسئلة فلسفية عميقة، في حين انه ليست لها اجابات في عالمنا المحدود بمعارفه وعلومه. ولعل جو المكان والديكور الذي وجدت فيه الشخصية بحالتها النفسية المزرية، وكذلك المقطوعة الموسيقية المأخوذة من المؤلف الموسيقي البولندي ( شومان) التي وظفها الفنان ( عيد دويكات، كمخرج) للعرض في نسيج المسرحية لتصغي اليها الشخصية كمعطى وظيفي، وليس كمؤثر صوتي تكميلي جاء من الخارج، إضافة إلى عنصر الإضاءة بما يحمل من بعد دلالي يخدم الحالة النفسية المعبر عنها. كل هذا يكرس مسألة القتامة والسوداوية، والتي تخلق حالتي الضيق والاختناق اللتين تتلبسان الشخصية. كلمة اخيرة لا شك في أن الفنان والمخرج المسرحي ( عيد دويكات) والفنان الموسيقي ( سامح اسعد) وفنانة السينوغراف ( فيروز نسطاس) قدموا لنا وجبة مسرحية تبدو، للوهلة الأولى، أنها خفيفة في شكلها ومعطياتها الفنية، ولكننا بعد تناولها / مشاهدتها نشعر بدسامة الطعم ولذته، عبر طرح جماليات ملأى بفضاءات معرفية ذات ابعاد قرائية متعددة، مما يفضي بنا هذا الامر الى اصابتنا بجوع شديد، يدفعنا إلى إعادة تناولها / مشاهدتها مرة بعد اخرى، لنصل في النهاية الى حالة الشبع اللامتحقق نهائيا. امتعنا الفنان ( عيد) بعرضه المونودرامي وساقنا ـ رغم أنوفنا – مدفوعين بلذة المشاهدة الى منطقة الفكر ومساحاته الواسعة، لكي نبحث جديا مع شخصية الغريب عن إجابات مقنعة لما يطرح من اسئلة مشاكسة وصلت في مراوغتها حد الفانتازيا والعبثية. ناقد ومخرج مسرحي فلسطين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية