هؤلاء النقاد الملاعين الذين صححوا مسيرة الثقافة السينمائية

حجم الخط
0

مهرجان الفيلم الملعونصلاح سرمينيباريس: في كتابها ‘ مغامرات مهرجانية، المهرجانات السينمائية، والسمعية /البصرية في فرنسا’ (1)، تتحدث مؤلفته الفرنسية ‘كريستل تاييّبير’ عن تجربةٍ مثيرة ( ومجهولة بالنسبة لنا)، وعلى الرغم من مدتها الزمنية القصيرة، وتوقفها بعد دورتين، إلاّ أنها أثرت بشكلٍ كبير في المسيرة اللاحقة لمهرجانات السينما في فرنسا، والعالم، وطبعت الثقافة السينمائية بروح المُواجهة.

في الصفحة 25 و26 من الكتاب، تقول المُؤلفة:

في علاقتهم المُحددة مع المهرجانات، شكلَ هواة السينما بعد الحرب العالمية الثانية تخمّر الحركات الثورية المُوجهة مباشرة ضدّ ‘المهرجان المُؤسسة’ الذي يُمثله وقتذاك المهرجان الدولي للفيلم في كان، ويمكن اعتبار تجربة ‘ مهرجان الفيلم الملعون’ الذي انعقدت دورته الأولى في مدينة ‘ بياريتز’ الفرنسية عام 1949 نموذجاً لهذا التيار بسبب تجذره القويّ في عالم هواة السينما لتلك الفترة.

في الحقيقة، انتعشت فكرة التظاهرة، في قلب أحد نوادي السينما في باريس ( Objectif 49)، والتي بدأت اللقاءات الأولى فيه منذ كانون الاول ( ديسمبر) عام 1948 في ‘ سينما برودواي’، ولاقت تلك الحلقة من الهواة نجاحاً شعبياً واسعاً، وتميّزت بدعم شخصياتٍ كبيرة في عالم الأدب، والسينما: أندريه بازان، كلود مورياك، روبير بريسون، روجير لينهارت، وجان كوكتو.

وانطلاقاً من ذاك التكريس المُعتبر، اقترح ‘ جان كوكتو’ رئيس النادي في نيسان ( أبريل) عام 1949 تنظيم ‘ مهرجان الفيلم الملعون’، وانطلقت فكرته من مبدأ المُعارضة الراديكالية للمهرجانات الدولية الكبرى، والرفض الكامل لكلّ المظاهر الاحتفالية المُصاحبة، والنجوم، والتجارة.

وعلى عكس التظاهرات الدولية التي كانت تعتمد برمجتها على اقتراحات أنظمة الدول المُشاركة، كان اختيار الأفلام في ذاك المهرجان محجوزاً للمُنظمين.

توجهت التظاهرة نحو برمجة أفلام هواة، وهي أفلام تجريبية وأجنبية لم تُعرض مُسبقاً في فرنسا، وبشكلٍ خاصّ ‘أفلاماً ملعونة’ بسبب جرأتها، وروحها التجديدية، وجهل مبدعيها باحتياجات العرض والطلب تتعارض مع الانتاجات النمطية الممنوحة للجمهور العريض.

كانت التظاهرة ـ التي انعقدت من 29 تموز ( يوليو) إلى 5 آب ( أغسطس) ـ مناسبة لتطبيق المُبادرة الموروثة من تجربة نوادي السينما، وبشكلٍ خاص، تنظيم لقاءاتٍ، وحواراتٍ يشارك فيها الجمهور.

من جهةٍ أخرى، أكد ‘ أندريه بازان’ أنّ ‘ الجوهريّ في المهرجان، لم يكن على الشاشة، ولكن داخل الصالة’. تهمّنا تلك التجربة من الناحية التاريخية، لأنها تقترحُ نموذجاً مغايراً عن المهرجان الدولي المنسوخ من النموذج ‘ الفينيسيّ’، والذي اقتبس عالمياً حتى ذاك التاريخ.

وهكذا، تطور شكلٌ آخر لوسيطٍ سينماتوغرافي في إطار المهرجانات، تأسّس هذه المرة حول مبادئ، وتجربة نوادي السينما كي يصبح خلال الفترات المُتعاقبة النموذج السائد.

عرف المهرجان دورةً ثانية تحت عنوان ‘ موعد في بياريتز’ خلال الفترة من 11 وحتى 18 ايلول ( سبتمبر) 1950، وتُحيل أكاديمية هذا العنوان الجديد إلى تظاهرةٍ لم تستطع الفكاك من روح دورتها الأولى، ومن جهة أخرى، لن تعرف تطوراتٍ لاحقة.

اليوم، تتموقعُ بعض المهرجانات في حركةٍ تُذكرنا بالإيديولوجية التي كانت قاعدةً لتجربة ‘ مهرجان الفيلم الملعون’، ‘ مهرجان الغرابة’ في باريس على سبيل المثال.

هذا يعني أنه خلال تاريخ السينما لم تنحصر مهمات نقادها ومُنظرّيها في الارتخاء في مقاعد الصالات، والاكتفاء بالكتابة عن فيلمٍ، مخرج، مهرجان، أو تيار، ولكنهم شاركوا، نظرياً، وعملياً، في كشف وتحليل السينما بكافة جوانبها التقنية، الفنية، الاقتصادية، الاجتماعية، والسياسية،.. وشاركوا في تصحيح مسارات مهرجاناتها، وكانت البداية، بالتحديد، مهرجان ‘ فينيسيا’، ومن ثمّ ‘ كان’، وحتى تأسيس تظاهراتٍ سينمائية مواجهة، أو موازية، ولعلّ أكثر الأمثلة تجسيداً لهذا الدور، مُشاركة السينمائيين في الثورة الطلابية الفرنسية عام 1968، والاحتجاج العلنيّ ضدّ توجهات مهرجان ‘ كان’، وحتى تصحيح آليات عمله من اختيار الأفلام وفق اقتراحات الدول المُشاركة، إلى السماح للمُخرجين باقتراح أفلامهم بأنفسهم، واختيارها من طرف المُنظمين بغضّ النظر عن التيارات السياسية، والدبلوماسية، كما ساهم النقاد في تأسيس نوادي السينما التي لم يتوقف دورها عند نشر الثقافة السينمائية لجمهورٍ عريض، بل كانت الوسيط التمهيديّ لظهور أقلام جديدة مارست العمل النقديّ لاحقاً.

ولم يقتصر دور الناقد السينمائي عند هذا الحدّ، بل تخطاه إلى المُشاركة مع مدراء الصالات في تأسيس ‘ الجمعية الفرنسية لصالات الفن والتجربة’ عام 1955، وتعود هذه الحركة في جوهرها إلى نهاية العشرينياّت مع الصالات الطليعية التي تميّزت ببرمجةٍ جريئة، ومختلفة، وبدءاً من عام 1961 بدأت بالحصول على دعمٍ حكوميّ يعتمد على الاستراتيجية المُختلفة في برمجتها. وهكذا نشأت فكرة صالات الفنّ، والتجربة في جميع أنحاء العالم ( ما عدا البلدان العربية) التي اختفت منها حتى النوادي السينمائية، أو تكاد، عندما أوصلت ‘ ديمقراطية مشوّهة’ مجموعة من المُدعين، الطفيلييّن، وهواة السينما الكاذبين إلى إدارة ‘ نادي السينما’ في القاهرة، والقضاء عليه تماماً، ذاك الصرح الثقافيّ الذي كان بمثابة جامعة تخرج منها معظم نقاد السينما المصريين، وكانوا فيها معلمين، وطلبة.

وعلى الرغم من دراستي لسنواتٍ في ‘ المعهد العالي للسينما’ في القاهرة، إلا أنني اكتسبتُ تحصيلي السينمائي النظريّ من نادي السينما، جمعية الفيلم، جمعية نقاد السينما المصريين، بالإضافة إلى عروض المراكز الثقافية الأجنبية التي كان يُنشطها، ويشرف على برمجتها نقاد سينما.

والإنصاف يُحتـّم علينا التذكير بأنّ سينمائياً واحداً هو الإماراتيّ ‘ مسعود أمر الله’ كان الشرارة التي انطلقت منها الأفلام في الإمارات، ودول الخليج بشكلٍ عام، عندما بدأ بتنظيم مُسابقةٍ محلية مهدت الطريق لتأسيس مهرجان دبي ( ومهرجان الخليج السينمائي فيما بعد)، ومهرجان أبو ظبي، وكلّ المهرجانات التي تأسّست في دول الخليج، ورافقت مسيرة جيلٍ من صانعي الأفلام الشباب حقق طفرةً مُعتبرةً في المشهد السينمائي العربي. هامش:

ـ كريستل تاييّبير، ‘ مغامراتُ مهرجانية، المهرجانات السينمائية، والسمعية / البصرية في فرنسا، باريس ـ دار نشر ‘ لارماتان’، 2009.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية