يهود لبنان في فيلم تسجيلي

حجم الخط
0

الياس خوري

كانت ‘ايام بيروت السينمائية’، وهي لقاء سينمائي سنوي تنظمه ‘بيروت دي سي’، شاهدا على الواقع الثقافي البيروتي في زمن الاسئلة التي اضاعت اجوبتها. فالسينما صارت مرآة ثقافية جديدة وجديّة، وخصوصا بالنسبة للجيل الجديد من المثقفين اللبنانيين، الذي عاش المنافي والعولمة الصاخبة، وسط تفكك الذاكرة وتشظيها في حروب لبنان المستمرة منذ خمسة وثلاثين عاماً.

كشف المهرجان الوجه الآخر للمأزق الثقافي اللبناني الذي يواجه رقابة دينية وسياسية لا معقولة. فالى جانب محاولة منع فيلم محمد علي الأتاسي ‘في انتظار ابو زيد’، التي باءت بالفشل، اذ سمحت الرقابة بعرض الفيلم قبل دقيقتين من موعده بعد نيلها موافقة دار الفتوى، تمّ منع فيلم ديغول عيد ‘شو صار’، الذي يروي حكاية مذبحة جرت خلال الحرب في احدى قرى منطقة عكار في الشمال اللبناني، وهو الفيلم الوحيد، بحسب ما اعلم، حيث نرى صورة القاتل الحقيقي على الشاشة.

الرقابة في وطن تنفلت فيه الغرائز السياسية والطائفية على شاشات التلفزيون المحلية، تبدو امرا مضحكا، ودليلا على ان السلطة لا سلطة لها، لأن جهاز الأمن العام، المولج بها، ارتضى ان يخضع لمن تم تنصيبه كرقيب على الرقيب، اي لدار الفتوى والمركز الكاثوليكي للاعلام، وهذه من غرائب دولة الطوائف اللبنانية.

لكن ايام ‘بيروت السينمائية’ قدمت شهادات ممتعة عن الواقع اللبناني في افلام ماهر ابي سمرا ‘شيوعيين كنا’ ومحمد سويد ‘بحبك يا وحش’ وندى عبدالصمد ‘يهود لبنان الولاء لمن’، اضافة الى استعادة ياسمين خلاط، الممثلة الرائعة في افلامها الثلاثة الطويلة: ‘نهلة’ و’عزيزة’، و’احلام المدينة’، كما سمحت لنا بأن نشاهد فيلم ميشال خليفة الاشكالي’زنديق’، واخذتنا في رحلة ملتبسة مع فيلم ‘كارلوس’، للمخرج الفرنسي اوليفييه اساياس.

مجموعة من الأفلام تستحق التوقف عندها، لأنها صنعت مرايا ناقصة لحكاية لبنان مع نفسه وتاريخه المعاصر.

فيلم ندى عبدالصمد ‘يهود لبنان، الولاء لمن…’، وهو كناية عن ريبورتاج صحافي طويل اعدته المؤلفة لقناة بي بي سي، يثير الشجن والاسئلة، ويقترب من احد الممنوعات في ثقافتنا بطريقة عذبة وسلسلة.

اريد ان اعترف ان عنوان الشريط لم يعجبني، لأنه يسأل عن الولاء، اي يقحم سؤالاً ايديولوجياً على واقع لم يزل غير مدروس.

شريط جريء وممتع، مضحك احيانا ومبك ايضاً، يبدأ من سؤال وضعته المخرجة في كتابها عن يهود حي وادي ابوجميل او حي اليهود في بيروت. بحث مع الجيران الذين يتذكرون ويروون الحكايات. ثم ترحل الكاميرا الى كندا ومكسيكو وتل ابيب لتلاحق ابطال الحكايات. هنا تبرز الشخصيات، ماركو مزراحي الذي عاد الى لبنان جنديا خلال غزو 1982، وآلان عبادي الذي يذهب الى حدود لبنان كي يرى وطنه الأول، ويوميات ديزيريه لينيادو التي توصلها المخرجة الى ابنته داني المقيمة في المكسيك، ودموع جاك بصل المقيم في كندا على وطنه اللبناني.

ينجح الشريط الذي يأخذنا من بيروت الى حارة اليهود في صيدا، في اثارة الكثير من الاسئلة عن الهوية اليهودية العربية واللبنانية، لكنه يتجاهل او يتناسى ثلاث حقائق:

الحقيقة الأولى هي ان يهود بيروت في اكثريتهم الساحقة كانوا اما من سورية: دمشق وحلب، او من اليهود الاشكناز. وان لغة اللادينو كانت شائعة وان بشكل محدود في صفوفهم. وان يهود لبنان يتمركزون اساسا في صيدا. اي ان الفيلم لا يقدم لنا معرفة باليهود اللبنانيين، بل بقي على سطح ذاكرة مجموعة من الأفراد.

الحقيقة الثانية تتعلق بالتجربة اليهودية اللبنانية المكتوبة. فعلى عكس تجارب اليهود العراقيين التي تحولت الى اعمال روائية هامة، فان تجربة اليهود اللبنانيين بقيت خارج النتاج الأدبي، مع استثناء وحيد هو رواية سليم نصيب ‘اللامرئي’، المكتوبة بالفرنسية. والغريب ان الفيلم لا يقترب على الاطلاق من هذه الرواية الهامة التي كتبها مؤلف رواية ‘أم’ التي ترجمت الى العربية، وتروي حكاية الفنانة الكبيرة ام كلثوم، كما ان الفيلم لا يشير الى تجربة جوزف طرّاب الناقد التشكيلي والفنان المسرحي، الذي لعب دورا كبيرا في الحياة الثقافية اللبنانية من خلال مقالاته في جريدة ‘الاوريان لوجور’، وعمله في المسرحيات البريختية التي اخرجها جلال خوري، او الى تجربة المخرجة السينمائية هيني سرور التي صنعت الفيلم الوحيد عن ثورة ظفار.

الحقيقة الثالثة والأكثر اهمية، هي عدم الاشارة الى اهم تجربة سياسية في لبنان، انخرط فيها مجموعة من الطلبة اليهود في ستينات القرن الماضي. حيث لا يزال جيلنا يذكر اليكو بيضا وسليم تركية وموريس سرور وروبير عدّي وغيرهم. وهم مجموعة من الطلبة ناضلت في صفوف اتحاد الشيوعيين وكانت في اجواء المقاومة الفلسطينية. لا ادري لماذ كان المجند الاسرائيلي ماركو بطل فيلم ندى عبدالصـــمد بدل احد هؤلاء؟ هل لأنهم رفضوا ان يتكلموا؟ ولنفترض ذلك هل يقود صمت الابطال الى تغييبهم؟

رغم هذه الملاحظات فإن شريط ندى عبدالصمد يتميز بالجرأة والقدرة على كسر الصمت حول احدى الطوائف العربية التي نجحت الحركة الصهيونية للأسف في محو لغتها وتاريخها ووجودها. شريط يقترب من كسر المحظورات، ومشغول بحرفية تلفزيونية عالية، لكنه ناقص للأسف.

حين نتحدث عن اليهود في لبنان يجب ان لا ننسى الثمن الباهظ الذي دفعته المجموعة الطلابية اليهودية، حين ناضلت في صفوف الثورة الفلسطينية، ووجدت نفسها في النهاية، بعد الارتدادات الطائفية الوحشية للحرب اللبنانية والغزو الاسرائيلي والقمع، مضطرة الى الهجرة.

انه فيلم ذاكرة ناقصة، لكنه يحمل في داخله احتمالات بداية اعادة الاعتبار لجزء من تاريخنا المسكوت عنه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية