الرابحون والخاسرون من الفتنة الطائفية في مصر..ربح النظام وخسر البابا وكنيسته و.. الشعب بجميع طوائفه

حجم الخط
0

أحمد القاعود للنظر فيمن هو الرابح والخاسر فيما يدور من أحداث الفتنة الطائفية حاليا في مصر، يتطلب ذلك تعمقا في البحث وقدرة على القراءة ونظرا لجذور ـ قضايا قد تكون هامشية أو يراها البعض كذلك ـ والابتعاد عن فروع قد تكون سببا يستغله البعض عند طرح الموضوع للمناقشة، واللافت للنظر ان حالة الوضع الديني في مصر تمر بمتغيرات يرى كثيرون انها غير مسبوقة في علاقة المسلمين بالمسيحيين، فللمرة الاولى يتظاهر المسلمون ضد الكاهن رئيس كنيسة الاقباط، وللمرة الاولى يطعن كاهن مسيحي له رتبة كبيرة كنسيا في قرآن المسلمين ويتهجم عليه، فما الذي حدث، والى اي حد وصل العداء الطائفي بين الفريقين.

والمعروف ان المسلمين والاقباط محكومون بقبضة من حديد، ويعيشون نفس ظروف الفساد والظلم والديكتاتورية، لكن المسلمين لا يوجد لديهم رجال دين يأتمرون بأمرهم، ويقدسونهم ويطيعونهم كيفما اراد هؤلاء، بينما المسيحيون لديهم القساوسة والرهبان، فمن يا ترى الذي يحرك مشاعر العداء والكراهية بين فريقين تعايشا في سلام قرونا عديدة، ومن له مصلحة في مثل هذه الاحداث، وكيف استفاد كل طرف من القضية.

ومنذ فجع المصريون بواقعة اعتقال كاميليا شحاتة زوجة كاهن دير مواس بمحافظة المنيا – في تموز/ يوليو الماضي ـ تطورت الأمور تطورا دراميا ومتلاحقا بصورة لم يتوقع أحد أن تصل اليه، فالقضية لم تمر على المجتمع المصري من قبل، فعادة كانت القضايا الاجتماعية التي تحدث بين مسلمين ومسيحيين – ويحولها بعض المرتزقة الى قضايا فتنة طائفية – عبارة عن نزاعات على حدود اراض أو علاقة حب بين شاب وفتاة من كلا الجانبين، ومع كون هذه الأمور تقع يوميا بين المواطنين، سواء كانوا مسلمين مع بعضهم البعض أو مسيحيين مع بعضهم البعض أو من الطرفين، الا أن أكلة المال الطائفي الحرام كانوا يصرون على ذكر ديانة الطرفين في وسائل الاعلام، فتحول الأمر الى تجارة، والتاجر غالبا لا يهتم الا بتحقيق الربح، واذا كان هذا الربح حراما فانه لن تشغله مصلحة الامة مطلقا، ولم يكن ما اعتبر نزاعا طائفيا من قبل نابعا من تشكيك أحد الطرفين في عقيدة الاخر، أو احتجاجا من قبل المسلمين على اختطاف الكنيسة لمواطنة مسيحية، بل كان دوما احتجاجا من قبل مسيحيين يطالبون بالكشف عن مصير فتاة او سيدة تم اختطافها من قبل مسلمين، ورغم أن الغالبية تعلم أن مثل حالات الاختطاف هذه وهمية لان الفتاة او السيدة تكون قد اعتنقت الاسلام بارادتها، فان العادة جرت على أن يتظاهر المسيحيون ويطالبون رئيس دولتهم المسيحية بالتدخل للافراج عنها من خاطفيها المسلمين.

وفي الفترة الاخيرة ـ والقصيرة نسبيا ـ لم يكن الامر كما جرت عليه العادة فالبداية كانت طبيعية، اختفت كاميليا عن منزل زوجها الكاهن، تظاهر المسيحيون في الكاتدرائية، تدخل الامن للبحث عن الزوجة المختطفة لتهدئة المشاعر لانها ليست زوجة عادية بل زوجة كاهن، فوجدها عند قريبة لها قيل انها ابنة خالتها في القاهرة، وهربت من منزلها بسبب خلافات زوجية، تم تسليمها للكنيسة لاعادتها لزوجها ونصحها، خرج أبو يحيى وهو شخص يعتقد انه يقوم بمساعدة الراغبات في اعتناق الاسلام ليقول ان كاميليا تم اعتقالها قبل اشهار اسلامها في الازهر، وبعدها لم تظهر كاميليا مجددا، ظهر أحد القساوسة ليقول ان الكنيسة تقوم بغسل عقل كاميليا المغسول ـ أي اعادتها الى دينها مرة اخرى ـ شعر المسلمون بالذل فقرروا الخروج في المظاهرات، وكانت المرة الاولى التي يتظاهر فيها أحد ضد قداسة البابا شنودة المعظم، وكانت المرة الأولى التي يتم سب قداسته وشتمه علانية أمام وسائل الاعلام، والأولى التي يتم تمزيق صور رجل دين وضربها بالأحذية علانية، وتوالت المظاهرات الواحدة تلو الأخرى للتنديد بقسوته، واقدامه على كسر قانون الدولة وتحديه الجميع، واعتقاله مواطنة بريئة من دون سند من قانون أو ضمير، وحرمانها من طفلها الصغير، أيا كان دينها، استشعر الانبا بيشوي المتصارع على الكرسي البابوي بأن الكنيسة في مأزق وأن الأوضاع لم تعد كما كانت، فالجميع يهاجم حاليا الكنيسة، لم يعد لدى الأقباط جرأة بعد الان للتظاهر ضد اختفاء أية فتاة، لم تعد هيبة البابا كما كانت، لم تعد الكنيسة قبل كاميليا هي الكنيسة بعد كاميليا، فصرح في حوار له أجرته معه جريدة ‘المصري اليوم’، بأن المسلمين ضيوف على مصر، وأن المسيحيين مستعدون للاستشهاد اذا ما تجرأت الدولة وفتشت الكنائس والاديرة، لكنه لم ينس في حواره ان يعلن حبه للرئيس مبارك ونجله جمال، وبعدها بأيام قام بالتشكيك في القرآن الكريم اذا ما كانت آيات اضيفت اليه بعد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، كان كلامه عدائيا، وبدلا من ان يخفف الضغط على الكنيسة ورطها أكثر، وأثارت تصريحاته العدائية والعنصرية جموع الشعب مسلمين وأقباطا، وطالب عدد غير قليل من الأقباط بعزله من منصبه، وراح الجميع يتحدث عن فضائحه واستغلاله منصبه الكهنوتي لمصالح خاصة أبعد ما تكون عن رجل دين.

والسؤال هو لماذا جرى هذا التطور الخطير في هذه الفترة القصيرة، وكيف وصلت الأمور لهذا الحد، والاجابة عليه تتطلب النظر في حالة الدولة المصرية، وهي بالضرورة حالة مخزية، رئيسها ضعيف يحاول أن يبحث عن فرصة لنجله لخلافته قبل الرحيل، فمن يؤيد هذا المخطط، سوى الكنيسة التي تحكم عدة ملايين، وبالتالي فان وقوفها بجوار الخليفة المنتظر يعد شيئا مهما، لذلك فان الرئيس تغاضى تماما عن تصرفات الكنيسة خلال سنوات حكمه لتجنب الضغوط الدولية عليه، ومع ذلك فان هناك مؤسسات في الدولة سئمت من هذه التصرفات، وعلى رأسها الأمن، ومن هنا تم ايجاد الطريقة التي يمكن بها ‘تلجيم’ الكنيسة، والظهور بمظهر المراقب فقط، وكانت كاميليا شحاتة هي الشخص المناسب في الوقت المناسب، فلم يكن تسليمها ـ رغم سابقة وفاء قسطنطين زوجة كاهن بمحافظة البحيرة قبل 6 سنوات ـ بالأمر الحكيم من قبل الدولة، لكن رغبتها في تكسير عظام البابا واهانته من دون أن تكون طرفا، اقتضت التضحية بكاميليا أيا كان دينها، ففي النهاية دينها في قلبها، ومن هنا تلقى قداسة البابا ذو الـ 86 عاما ‘الطعم’، وفرح باستلام الكنيسة لما يعتبر من المحرمات، وهو اسلام زوجة كاهن، لكن الحال انقلب عليه تماما، وتسبب غروره وعجرفته في اهانة مقامه، وفضح مطامعه وتشويه صورته التي يفترض ان تكون مبجلة بين الناس مسلمين واقباطا، وأظهرت غلظته وقسوته، هو وكبار رجال دولته، فالرجل كان لفترة غير بعيدة من المقدسات في وسائل الاعلام، والصحف التي يتغلغل فيها رجل الأعمال نجيب ساويرس، لم يكن يجرؤ أحد فيها أن يوجه له النقد علانية، واذا ما تكلم أحد فان طريقة الذل الواضح تظهر في الكلام، وهذا بالفعل ما رغبت الدولة في تغيره، فالمرحلة المقبلة لا تتطلب ان يكون هناك رئيسان في دولة واحدة، فالرئيس القادم، شابا او شيخا، لن يرضى بمثل هذا الوضع الفاضح، لذلك سمحت الدولة بخروج المظاهرات الضخمة ضده، وهو ما أزعج دولة الكنيسة، وتسبب في غيظها فهي لا تستطيع ان تلوم الدولة، لأن الجميع يرى أنها متواطئة معها في تسليم سيدة يعتقد أنها أسلمت، فاذا طلب البابا منع اهانته فان الاجابة ستكون افرج عن كاميليا، وينتهي كل شيء، وبخلاف ما لحق بقداسة البابا من انكسار بعد الأزمة، انسحب ذلك على الاقباط الذين كان يستقوي بعضهم في أكثر من مناسبة بالولايات المتحدة واسرائيل، فعندما تظاهرت مجموعة منهم ـ خلال ازمة كاميليا- للافراج عن فتيات في الاسماعيلية والمنيا انتشرت التسجيلات المصورة لهؤلاء الفتيات على الانترنت، يطالبن فيها بحماية رئيس الجمهورية وشيخ الازهر لهن وكأنها موجة تحول للاسلام، وفي رأيي فان الامن هو الذي يقف خلف هذه الاحداث كلها ويشرف عليها، وكأنه اراد أن يسفه من المظاهرات التي تخرج بمناسبة وبدون مناسبة، للمطالبة بالكشف عن مصير المختطفات، فلم يعد لهم أي صفة للتظاهر، أو حق للمطالبة، بعد انكشاف ادعاءاتهم وزيفها. وبذلك فان الدولة حققت هدفها وضربت عدة عصافير بحجر واحد، كان اولها تحجيم البابا المتغطرس، واهانته حتى لا يكرر فعله، وتشويه صورته امام الشعب بأكمله، وهو بالفعل ما بات معتنقا لدى المواطنين، واعتبارهم له كاهنا متمردا، قاسي القلب اعتقل سيدة وحرمها من ابنها الصغير، وكارها للمسلمين وعنصريا هو ورجاله تجاههم، وايضا منع الاقباط من التظاهر ثانية ضد اختفاء اية فتاة او اعتناقها للاسلام، والسماح لمن يطلق عليهم بالتيار السلفي في التعبير عن غضبهم من دون الخروج على طاعة أجهزة الامن، والاظهار للعالم كله أن الدولة تقف بجوار الاقباط وتعيد لهم نساءهم المختطفات، وفي النهاية عدم خسارة التأييد المطلق والفج من قبل قداسة البابا شنودة لعملية التوريث وانتقال السلطة.

ربح النظام الحاكم، وخسر البابا المتمرد وكنيسته ومعهم الشعب المظلوم بجميع طوائفه وفئاته. ‘ صحافي مصري[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية