د. سعيد الشهابي
خلال زيارته الجناح الليبي بمعرض ‘وورلد اكسبو الدولي’ في مدينة شنغهاي الصينية الاسبوع الماضي قال سيف الاسلام القذافي ان الحكومة الليبية ‘لم تهتم بارسال موظف صغير لحضور يوم ليبيا في المعرض… ذلك يظهر انه لا توجد دولة في ليبيا.’ وقال سيف الاسلام – الذي لا يشغل أي منصب رسمي- انه أشرف بنفسه على تنظيم الجناح الليبي في المعرض لان ‘الحكومة تقاعست عن اظهار اهتمام كاف’. ما مغزى هذا النقد؟ وهل يعني ان دائرة التعبير في ليبيا توسعت؟ ام ان توسع دائرة البث الالكتروني دفع الحكومات نفسها لانتهاج سياسات استباقية لمصادرة قدرة المعارضين على توجيه النقد؟ وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الايراني، رضا تقي بور، من جانبه رأى ان بالامكان الاستفادة من البنى التحتية الموفرة قائلا: ‘اننا عبر الاجواء الافتراضية يمكننا توجيه رسالة الثورة الاسلامية وثقافة الدفاع المقدس والقيم المتبلورة في هذا المجال الي العالم’. وقال تقي بور يوم الخميس الماضي على هامش تفقده معرض الدفاع المقدس في طهران ‘ان هذا الحضور يمكنه الحيلولة دون اشاعة الثقافات غير الاخلاقية واللاانسانية التي من ضمنها انتهاك حرمة القرآن الكريم، ولعب دور مؤثر في الدفاع عن قيم وثقافة الثورة الاسلامية’. هناك اذن سباق ليس من اجل الاستفادة من التسهيلات التي يوفرها عالم الانترنت فحسب، بل اقتحامها بما يحقق اهداف الجهات المتنافسة او المتنازعة او المتصارعة. ولم يعد سرا القول ان الحكومات العربية على وجه الخصوص تعتبر نفسها المتضرر الاكبر من عالم الانترنت، نظرا لما يوفره من مساحة محدودة للمعارضين. وفي الوقت الذي تسعى فيه لمصادرة حرية المعارضين في التعبير عن آرائهم، فهناك استثمار مالي ضخم في عالم الاتصالات بهدف احكام السيطرة على البث الالكتروني. ومع ان عالم البث الالكتروني اصبح اداة ميسرة امام النشطاء والمفكرين الممنوعين من التعبير عن وجهات نظرهم في وسائل الاعلام الرسمية، فقد استمر البعض يسعى للاستفادة من المجالات الضيقة المتاحة للتعبير. ولكن ما ان يحدث ذلك حتى تستنفر الانظمة قواها لمواجهة اولئك الذين ‘يتجاوزون الحدود’ بطرح ما يخالف السياسات الرسمية. فأحمد ابراهيم هو المدير المسؤول عن صحيفة ‘الطريق الجديد’ التونسية وهو محل تتبع قضائي بسبب مقال صحافي في الجريدة انتقد توظيف العمل البلدي للمصالح الشخصية نشرته الصحيفة تحت عنوان ‘البلدية في خدمة المصلحة الخاصة… لماذا’. وبعد تعرضه للاستجواب والتحقيق امام قاضي تحقيق بمدينة المنستير، اصدرت حركة التجديد المعارضة في 29 ايلول/سبتمبر، بيانا قالت فيه: ‘حضر أحمد ابراهيم الامين الاول لحركتنا ومدير جريدتها الاسبوعية (الطريق الجديد) لدى قاضي التحقيق الاول بالمحكمة الابتدائية بالمنستير للاجابة على تهمة ارتكاب جرائم نشر وترويج أخبار زائفة بواسطة الصحافة من شأنها تعكير صفو الامن العام وثلب هيئة رسمية ممثلة في ادارة عمومية.’ وهنا يتضح الامر بشكل اجلى. فطرح ما يعارض سياسة النظام يعتبر جرما، من شأنه ‘تعكير صفو الامن العام’. هذا الامر يكشف مدى ما يواجه من يسعى لمعارضة النظام العربي من مخاطر، وما قد يوجه اليه من اتهامات خطيرة. وما حدث للمدون البحريني، علي عبد الامام، يمثل مدى ما يمكن ان يحدث لمن يجيز لنفسه التعبير بما يخالف السياسات الرسمية. ففي 5 ايلول /سبتمبر نقلت وكالة أنباء البحرين الرسمية عن مصدر أمني قوله إن المدون طلب للمثول أمام الجهات المعنية بجهاز الأمن الوطني يوم 4 ايلول/سبتمبر 2010 لسؤاله وأخذ أقواله ‘بشأن قيام الموقع الالكتروني المذكور ببث أخبار كاذبة وغير حقيقية ومغرضة حول الأوضاع الجارية في مملكة البحرين مما يتسبب في إثارة الإشاعات وزعزعة الأمن والاستقرار’. ولكن هذا الاستدعاء تحول الى اعتقال مروع ومصير مجهول، فلم يسمع عن المدون اي شيء منذ اعتقاله في ذلك اليوم وحتى كتابة هذه السطور.
هل حقا اصبح العالم أكثر احتراما لحرية الكلمة؟ هل استطاع عالم الانترنت كسر ارادة ‘الرقيب’ خصوصا في العالم العربي؟ وهل وسعت ظاهرة الفضاءات الافتراضية حرية التعبير؟ قد يكون من الصعب طرح اجابة حاسمة لهذه التساؤلات، ولكن الامر المؤكد ان الانطباع العام لدى قطاعات واسعة من سكان هذا الكوكب يجنح للاعتقاد بان حرية التعبير توسعت في العقدين الاخيرين، اي منذ ان انتشرت ظاهرة ‘سايبر سبيس’، وما الوصف السائد لعالم اليوم بانه اصبح ‘قرية صغيرة’ الا مؤشر لعمق الشعور العام بان حرية التعبير توسعت وان الانظمة السياسية القمعية اصبحت اقل قدرة على التحكم في الاعلام. هذا الانطباع مؤسس على عدد من الحقائق: اولها ان الانترنت اقتحم المنازل برغم ارادة الانظمة السياسية التي لم تعد قادرة على منع مواطنيها من ارتياد الشبكة الدولية. ثانيها: ان وسائل الاعلام الرسمية لم تعد المصدر الوحيد لاستقاء الاخبار والمعلومات، وان بامكان اي شخص يمتلك جهاز كومبيوتر ان ينشر ما يريد، ولا يحتاج، من حيث المبدأ، لاجازة من احد، وهو ما لم يكن متوفرا في التعامل مع وسائل الاعلام سواء المرئية او المسموعة او المكتوبة. ثالثها: ان انتشار البريد الالكتروني ادى الى توسع دائرة الاتصالات وبالتالي فما يحدث في جزيرة نائية يصل لشاشة الجهاز الآلي في اي بلد، ويعجز الرقباء عن منع ذلك. رابعا: ان تكلفة النشر تضاءلت كثيرا بعد انفتاح عالم الفضاءات الافتراضية، فلا تحتاج المجموعات الناشطة الا لمبالغ ضئيلة لاطلاق موقع الكتروني يتعاطى مع الاخبار بسرعة تفوق قدرة الاعلام المطبوع على متابعة ما يجري. خامسها: ان سياسات المنع والرقابة الصارمة لا تستطيع منع من يريد الاطلاع على الانباء غير المنشورة من الحصول على مبتغاه. فما عليه الا ان يبحث من خلال آلية ‘جوجل’ ليعرف الخبر، ان كان موجودا. هذه الحقائق لها نصيب كبير من الصدقية، ويصعب على المراقب الحر ان يعترض عليها، لانها تاكيد لما يرى حوله من مصاديق لذلك.
ولكن للقضية وجها آخر ينطلق من حقيقة اخرى، وهي ان التكنولوجيا الحديثة توفر اساليب الرقابة والسيطرة بقدر كبير من التقنية. فما ان يطرح برنامج الكتروني للبث، حتى يطرح في مقابله برنامج آخر للاختراق والسيطرة. وهناك اساليب عديدة تنتهجها السلطات السياسية لاحكام قبضتها على وسائل اعلامها، وتحجيم حرية المواطنين في الاطلاع. ففي اغلب البلدان مثلا، تمارس الحكومات سيطرة مطلقة على وسائل الاتصالات والشركات التي توفر خدمات الانترنت للمواطنين، وتستطيع بذلك ممارسة الرقابة الصارمة التي تصل الى حرمان المواطنين من تلك الخدمات، اما بقطع خطوط الاتصال معها، او بحجب المواقع او اعتقال الصحافيين وتجريم انتقاد الانظمة. وتعتبر المملكة العربية السعودية من اكثر الدول العربية حجبا للمواقع، فقد احتلت المركز الاول العام الماضي. واصدرت السلطات البحرينية الشهر الماضي قرارا بحجب عشرات المواقع المحلية بسبب الازمة السياسية التي تعصف بالبلاد. ومع تنامي ظاهرة المجمتعمات الاستهلاكية، تمكنت الحكومات العربية من تحقيق هدفين متوازيين: اولهما اشغال المواطنين بالاستهلاك المتواصل ومواكبة احدث التطورات التكنولوجية بعيدا عن هموم السياسة والتغيير، وثانيهما، تعميق ظاهرة الخوف من اي نشاط يهدف لاصلاح الاوضاع. ونظرا لتعمق ظواهر القمع الامني، انتشرت ظاهرة ‘الرقابة الذاتية’، وتراجعت الرغبة في الاطلاع خارج ما يسمح به النظام السياسي عبر وسائل اعلامه. كما انتشرت ظاهرة الانفاق غير المحدود على الوسائل الاعلامية، خصوصا القنوات الفضائية والمواقع الالكترونية التي تعتبر امتدادا للهيمنة السلطوية على الاجهزة الاعلامية. فهناك الآن مئات القنوات الفضائية التي ادت برامجها الى تسطيح المستوى الثقافي على الصعيد الشعبي، وساهم بعضها في كسر الوئام الاجتماعي باثارة النعرات المذهبية بشكل غير مسبوق. وبدلا من مساهمة هذا التوسع في الآليات الاعلامية في بث الوعي التغييري والتعبوي والاصلاحي، ادى ذلك الى اوضاع تهدد بنتيجتين خطيرتين على اهداف الصحوة والتنمية والتقدم: اولهما العزوف عن الهم الاجتماعي لدى قطاعات واسعة اصيبت بخيبة امل مصحوبة بتراجع نفسي وضعف في الاداء، وثانيتهما أدلجة العلاقات بين ابناء المجتمع الواحد، بعيدا عن هموم الوطن من جهة وعن هموم الامة في صراعها مع المحتلين والقوى الكبرى المهيمنة من جهة اخرى. وهناك الآن مئات القنوات الفضائية ولكن القليل منها ما هو وسيلة اعلامية فاعلة. وتعتبر هذه القنوات وسائل باهظة الثمن للسيطرة على الاعلام، اذ لا تستطيع القوى المعارضة اختراقها، لانها خاضعة للجهات الممولة، واغلبها من الدول ذات المدخولات النفطية الضخمة. فلم تعد المؤسسة الاعلامية تملك قناة واحدة، بل قنوات عديدة متوازية مدعومة باموال النفط مباشرة او اموال الجهات التي تسعى لتوجيه الرأي العام العربي والاسلامي وفق اجنداتها الخاصة، خصوصا في مجال التسطيح الثقافي والتجهيل، وفي مجال الصراع المذهبي الذي يعتبر الآفة الاكثر خطرا على وحدة الامة واستقرارها وتفاهمها. وثمة اساليب اخرى للسيطرة على المعلومات، بدأتها الولايات المتحدة الامريكية خلال حروبها في المنطقة. ومن هذه الاساليب التحكم في اخبار العمليات وفق ضوابط نفسية وسياسية بهدف التحكم في انعكاساتها على الرأي العام، ويتحقق ذلك من خلال نظام ‘زرع الاعلاميين’ اي ضمهم ضمن الوحدات العسكرية وتحويلهم من اعلاميين مستقلين الى ادوات لنقل ما يريده العسكريون للرأي العام. هذا التحكم يعني عدم بث الحقيقة كاملة. وهنا يصبح امرا عبثيا الاعتقاد بامكان الحصول على المعلومات الصحيحة من خلال الاعلام الرسمي، او عبر شبكة المعلومات الدولية (الانترنت). هذا التحكم السافر في بث المعلومات يعتبر انتهاكا لمفاهيم مثل ‘الحقيقة’ و ‘الموضوعية’ و’التعبير الحر’ ويسعى للتاثير المباشر على الرأي العام ليس على اسس منطقية بل وفق ضوابط معلوماتية غير محايدة. وبالتالي لا تبدو التخمة في المواقع الالكترونية اضافة حقيقية لمصادر الحقيقة او تأصيلا لقيمة ‘حرية التعبير’ خصوصا مع استمرار تهديد اصحاب الاقلام بالاعتقال والمساءلة. كما ان ظاهرة ‘الانتقائية’ في تحديد ‘المسموح’ و’الممنوع’ من السجال السياسي والفكري، امر يقلق دعاة حرية التعبير. فاستهداف العرب والمسلمين من قبل الاعلام الغربي اجراء مقبول، ولكن التطرق للظاهرة الصهيونية، ومناقشة شعاراتها يعتبر معاداة للسامية وقد يعرض من يمارسه للمساءلة القانونية وربما السجن كما حدث في سويسرا وفرنسا. وهنا تبرز التساؤلات عن مدى وفاء النظام السياسي الدولي الحالي للقيم التي تحدد الحريات العامة للافراد والجماعات. فاذا كانت حرية التعبير مقدسة، فلماذا لا يتحول ذلك الشعار الى ممارسة شاملة تتجاوز الخصوصيات الصهيونية؟ ولماذا لا يتم الدفاع عن ضحايا القمع السلطوي في الدول العربية الذين تنتهك حقوقهم بسبب ممارساتهم حقوقهم المشروعة. والواضح ان توفر الفضاءات الافتراضية لم يوفر الحرية المطلوبة للتعبير، كما لم يحقق مقولة ‘القرية الصغيرة’ لتوصيف العالم المعاصر بعد ما قيل عن سقوط الحدود التي تعوق تداخل الشعوب والامم وتفاعلها. هذه هي الحقيقة خصوصا في الدول العربية، والخليجية منها على وجه الخصوص. فالسعودية تزعمت دول الخليج الاخرى واستغلت اموال النفط الهائلة لتكميم الافواه، حتى اصبح من يطالب بحقوقه ‘ارهابيا’ و’مخربا’. وتم استثمار الملايين في مجال الرقابة على الفكر واستحداث وسائل التعتيم وحجب المواقع. صحيح ان فضاء الانترنت واسع بدون حدود، ولكن اساليب الرقابة وترهيب الناس اصبحت معوقا حقيقيا امام الحقيقة.
ما الذي يمنع الحواجز من الانهيار؟ لماذا استطاع المال الخليجي السيطرة على وسائل الاعلام؟ هذه تساؤلات تطرح بقوة خصوصا عندما يلاحظ هذا التوسع غير المحدود في امتلاك القنوات الفضائية والمؤسسات الاعلامية العملاقة. وقد استطاع المال الخليجي احتواء الكثير من الاصوات الاعلامية والناشطة في الدول الغربية، بينما وجهت السهام للمؤسسات الاعلامية المستقلة. وحتى الآن تبدو الـ ‘بي بي سي’ و’الجزيرة’ اكثر استقلالا وقدرة على المناورة من بقية الوسائل الاعلامية التي تم اخضاعها لسيطرة المال والنفوذ السياسي. وتجدر الاشارة الى ان المال السعودي كان له أثر كبير في الازمة التي حصلت لهيئة الاذاعة البريطانية في التسعينات، لانها اغضبت السلطات السعودية باستضافة مواطنيها المعارضين. وهكذا يبدو السباق بين حرية التعبير والقمع السلطوي متواصلا، ومعه استمرار الجدران العازلة بين الشعوب من خلال اساليب الحصار الاعلامي ومصادرة الحريات واستغلال المال النفطي الهائل. وبرغم ما وفرته الفضاءات الافتراضية من أمل بتضاؤل امكانات السيطرة والرقابة، فان الواقع يؤكد ان هذا الامل محدود، وان قوى الظلام والقمع ومصادرة الحرية والرأي الآخر، تصول وتجول وتقطع المسرح جيئة وايابا، تحصي على الناس انفاسهم. انه باختصار، تجسيد حديث لصراع قديم بين الحرية والقمع، بين الحياة والموت، يتجدد كلما استحدثت اساليب اكثر تطورا لمصادرة الرأي وتكميم الافواه، وسجن الاحرار. ‘ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن