الأردن: خطأ في تسليم «جثث» و«حفر تقتلنا»… تعبيرات في الشارع واقتراحات للحكومة بعد «الضريبة» بتوسيع السجون والمقابر

بسام البدارين
حجم الخط
0

عمان- «القدس العربي» : ينطوي التقرير الذي قدمته بلدية العاصمة الأردنية عمان بخصوص حادثة «الحفرة القاتلة» على تقصد ملموس لإنتاج كل أنماط الاستفزاز السياسي والشعبي، خصوصاً أنه يكرس «التلاوم» بين المؤسسات، ويتحدث عن «بئر محفـورة ومرخصـة» وليـس عن «حفرة امتـصاصية».
ما تريده البلدية بعد نشر تقريرها الفني في الحادثة التي ألهبت مجدداً مشاعر الرأي العام وأدت إلى غرق مواطنين، هو التنصل من المسؤولية ورد تهمة ترك فوهة منهل للمجاري مكشوفة دون غطاء، الأمر الذي أدى إلى الحادثة، في الوقت الذي اتهمت فيه – في بيان التقرير الفني – الشركة التي تزود المياه بالعاصمة عمان بترك إحدى الآبار مفتوحة.
عملياً، لا يهتم المواطن بتلك التصنيفات الفنية، ولا بالخلاف حول ماهية الحفرة التي ابتلعت فتاة في الـ 14 من عمرها، ورجلاً في الثلاثين حاول إنقاذها.
قبل ذلك، اختلفت البلدية مع الدفاع المدني على تصنيف الحفرة، وظهر أنها مهتمة قبل أي شيء آخر بنفي تهمة «الإهمال والتقصير» عن العاملين فيها عندما تحدثت عن مشاكل في ترخيص المجمع العقاري الذي جرت أمامه الحادثة.
وبصرف النظر عن البعد الفني المتعلق بالتراخيص، انتهى الأمر بمقتل مواطنين؛ لأن حفرة تركتها السلطات مفتوحة في فضيحة جديدة تضاف إلى فظائع «الأخطاء البيروقراطية» التي انفلتت اليوم وساهمت في مقتل 37 مواطناً على الأقل بعد موجة السيول الأخيرة، حيث توفي أحد جرحى فاجعة البحر الميت مساء الخميس ليرتفع عدد ضحايا السيول والحفر في الوقت الذي يثار فيه بقوة الجدل عبر منصات التواصل الاجتماعي حول دلالات محاكمة ثمانية موظفين صغار فقط في حادثة البحر الميت بدأت عائلاتهم بالتحرك، وبينهم خمس نساء على الأقل اتهمن بالتقصير.

بلدية العاصمة تتهم شركة المياه… وخلاف «فني» في هوية حفرة قتلت مواطنين

في كل حال، المراقب لكل المشهد العام في الأردن، ومع محاولات الأجهزة الأمنية والمعنية بالدفاع المدني، القيام بالواجب في أسوأ الأحوال وفي ظل أسوأ الإمكانات، يمكن القول إن البؤس يسيطر على مشاعر الأردنيين، والروح المعنوية في أخفض مستوياتها منذ سنوات طويلة، والتوقعات الشعبية تتجه نحو الأسوأ.
عبر عن ذلك بوضوح الكاتب الصحافي المسيس أسامة الرنتيسي عندما كتب مقالاً مثيراً بعنوان «نموت في المجاري ونخطئ في توزيع الجثث» في إشارة مباشرة إلى الخطأ العنيف الذي تجاهلته كل لجان التحقيق، والمتمثل في تسليم ودفن جثة لغير أهلها من خلال الطب الشرعي.
يعبر عن انخفاض الروح المعنوية للكاتب الصحافي المقيم الآن في الولايات المتحدة، ناصر قمش، وهو يصر على أن تنقل «القدس العربي» رسالته، مقترحاً على الحكومة والسلطات فقط الانشغال بتوسيع المقابر والسجون للأردنيين، لأن المرحلة المقبلة في غاية التعقيد.
توقعات قمش مثيرة جداً، فهو يتحدث عن «مطالب متواضعة» وممكنة ينبغي أن يتقدم بها الشعب للحكومة بدلاً من الاسترسال في الأوهام، حيث إن استغراق مواطنين معاً في النوم على سرير واحد بسبب ضيق السجون مسألة مهمة للغاية، وكذلك المساحة الضيقة التي تخصصها البلديات للمقابر حيث تزاحم الجثث والموتى والكلاب الضالة.
يتحدث قمش من رصد شخصي، مشيراً بلغة سياسية بامتياز إلى أن الإخفاق البيروقراطي والخلل في البنية التحتية سيقتل المزيد من الأردنيين مستقبلاً، أما قانون الضريبة الجديد فسيؤدي إلى زيادة مرعبة في عدد المواطنين السجناء بسبب الاقتراض والعجز في تدابير المعيشة.
وهذا الوضع، في رأي الكاتب المحلل، يتطلب الانتباه إلى مشروعات تنفيذية في غاية البساطة عبر التركيز على تمكين المواطن من الموت باحترام وكرامة على أقل تقدير، وسجنه بالحد الممكن من الكرامة أيضاً، والأمران يتطلبان هنا توسيع السجون والمقابر.
الآراء التي يعبر عنها إعلاميون من وزن الرنتيسي وقمش تنطلق من شخصيات معتدلة جداً وغير محسوبة على إلإثارة والتأزيم بصيغة تعكس تطرفاً أكبر في الرأي والتشاؤم وتوقع الأسوأ على صعيد التفاعل الإلكتروني الشعبي.
المنصات الإلكترونية مجدداً تعج بالآراء التي لا تشتري الروايات الحكومية. ومبكراً، توقع الخبير الإعلامي والبرلماني وليد حسني، أن يزج قانون الجرائم الإلكترونية الجديد بالمزيد من المواطنين خلف أسوار السجون.
في التعبيرات ذاتها انتقادات حادة للحكومة، وآراء تتصور بأن الفساد الإداري والترهل يقتلان الأردنيين الآن، خصوصاً بعد حوادث الموت المجاني الناتج عن أخطاء بشرية وضعف مستوى التعاطي والتفاعل مع الأحداث بعدما تقع.
عشرات التعليقات هنا تحدثت عن «الأردني الذي تقتله حفرة بلدية» أو ضحايا الطريق الصحراوي بسبب فساد العطاءات. وعشرات غيرها تسخر من الموقف الرسمي وهي تسجل أدنى منسوب ثقة بالبنية التحتية وخدمات القطاع العام. مثل هذه الموجة الضخمة من الاستياء الشعبي بمثابة «امتحان عسير» للغاية لم تختبره اـلدولة الأردنـية سـابقاً.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية