ورق خاسر وكأس مرة

حجم الخط
0

إبراهيم الحجري

إلى روح أخي مصطفى دوما… صعب أن تخلي موقعك في الجبهات القصوى للكلام… وتضرب موعدا مع الغياب الآبد… صعب أن ترحل في المماشي العميقة من الكونحيث تصاعد الروح صوب ملكوتها، وحيث لا مجال للوعي بالزمن… صعب أن تدير وجهك الباسم للحياةوترمي الورد المزهر في وجه الصبية الحزينةوتولي حيث لا مرايا للوقت… صعب أن أعبر من هناك، وصورتك المعلقة على البابتناديني بكل اللغات… صورتك وأنت تسقي شجرة الليمون تحت الشرفةالتي طالما لعبنا معا تحت ظلها، صعب أن أتصورك في الجهة الأخرى من المعادلةوكرسيك فارغ جنبي في مقهى الزيتونةوهناك هوة لا قرار لها في القلب المفجوعأسير مخطوف العقل، بلا رؤيا، أستنجد بأفق حائرلكنك كنت قد اتجهت نحو نخيل القمروأخلفت الموعد – أيها الولد المستحيل – مع المساءحيث بات القمر وحيدا وحزيناوحيث كان الضوء ينظر إليّ يائساولا بسمة تشدني إلى العالم الآن… هناك فقط غيمات وغربان تحلق في المدىودوائر من أسئلة غامضة تعرش على القلب غادرت في الليل مواقعك… فجأة، التفتَّ وأدرتَ وجهك للدنياونظرت نظرة غريبة إلى الأفق السماوي… ثم رحلت إلى مدار الشموس القصوى… علي أن أتخلى تدريجيا عن شظايا من القلبوأن أتحاشى النظر إلى صورك المعلقة بالذاكرةوأن أمشي وئيدا ووحيدا في طرقات لا أعرفهاوأن أبلل جبة الصوف القديمةوأن أخلد إلى صمتك الرفيعوأنت تحدق في المستقبل الغامض… وأن أرحل عن نفسي التي تشبهكهل كنا توأمين… ؟ وعلي أيضا أن أرتجل سلوى مستحيلة إلى قلب الوالدة العجوزتلك التي… تعذبني صورتها الشقية تلك التي تنتظر صوتك المستحيل على الهاتفتلك تزور قبرك كل صباح وتكلمك كثيرا قبل أن تعود… تلك التي أخاف عليها من حافة الجنونتقول: ‘كيف اخترت يا ولدي هذا الطريق؟

كيف جاورت ( سيدي عياد) وتركت مكانك شاغرا قرب الزيتونة؟

كيف التفت دون أن تودع التي أحبتك وأحببتها؟

متى ستعود يا ولدي؟ مهما طال الزمن أنا هنا في انتظارك…’تذكرني بك الخطوات الأولى على الطرق المتربة صوب الأحلامتذكرني بك الآلام المشتركة التي أرضعتنا إياها الريح قرب شجرة الطرفاءتذكرني بك العواصف والزوابع القادمات من الشرقتذكرني بك أفراح العيد ولعبنا المبتكرة من التراب والأشجارتذكرني بك الطرق الطويلة التي لم تكن تغلبناتذكرني بك صفعات المعلمين وشغبنا الطفلي وفلقات الفقيه… تذكرني بك أعاصير البكاء حينما تحاصرنا الظلمة والعاصفة في منتصف الطريقبعيدا عن البيت… وتذكرني بك المقاهي التي كنا نرتادها معاوالمساجد والمحافل والأعراس والأقراح والمؤسسات ووجوه التلاميذ المعفرة بالغبار والعرق… تذكرني بك أوراقي المغبرة التي كنت أول من يحررها من العدميذكرني بك صخبنا، ضحكنا المجلجل في ليل القرى، وصراخنا في وجه الغياب… أي شيء يسليني عنك يا القائم في الأعماق كالدم والخلايا؟

أي كأس تمحو دفتر ذكرياتك من القواميس المعلقة على جدار الذاكرة مثل النواقيس؟

أواه… كم عليّ أن أمشي وحيدا… وبعيدا… وكم علي أن أرتجل عماء إلى عمائي… وكم من ريح عليّ أن أسلك كي أصل روحك المرحةوكم…. وكم…. ؟ أعرف أن الصبح المؤدي إليك لا عشى بعده، وأعرف أن البكاء ما عاد يشفي… وأن السير من دونك أضحى وعثا… وأن ذكرياتك المصرورة في الذاكرة تعذبنيلكن من أين لي بورق أهتبل على وجهه خريطة للحلمأو أرسم عليه كأسك المر الموضوع بعناية على المكتب الخشبي؟

أو لأتخلص من جمال شغبك الطفولي في المساءات الحالكة؟ فكلي يذكرني بك، عالمي المتجلي والمنسي… أرشيفنا ونحن نجري حفاة فرحين في البرك، نستقبل أمطار الخريف بوجوه عارية… خطواتنا الأولى المرة في المماشي الموحلة بحثا عن مواقع في الطوابير المكتظة… أحزان اليتم التي شيبتنا في الصغرودموع جففتها المآسي والجراح… يذكرني بك القمر الولهان في ليل البادية العميقودردشاتنا الحمقى حول الشعر والإنسان… يذكرني بك النخيل والصحراء والقصائد القديمة… وسماء الله التي تبهر، في ليل الربيع، الشعراء… وأيام كنا معا نجري خلف السنونوات والقبرات مجردين من أثقال الدنيا… أيام كنا معا نطير خلف البلح وسط سعف النخلات الهرماتونصنع من شجر الصبار شاحناتونحول الرمل والحجر أحلاماونبتكر من علب الزيت الأمريكي كمنجاتومن القصب ناياتنعزف بها ألحانا مجنونة خلف قطيعنا الصغيرعلى ضفاف الوادي، وفي المروج الممتدة بين النهرين… كل شيء يا رفيقي يذكرني بك، فأين تهرب الذات من ذاتها؟

وأين يمكن أن أفر من ذاكرتي حتى أنساك؟ * شاعر مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية