لمّا انت ناوي تغيب على طول

حجم الخط
0

عناية جابرحين تشتّد الأمور في البلد، وغالباً ما تشتّد وتغدو شديدة جداً، أترك للموسيــــقى أن تنهمر من آلة التسجيل، ويُشبه هذا بالنسبة لي كمن يغلّف روحه بمنشفة رطبة، معيدها الى مزاجها الحلو.في الأوقات الصعبة، وهي للأسف غالباً صعبة في لبنان، ألوذ بالموسيقى لتأثيرها فيّ غير العادي. أيضاً ،أعود الى سماع أغنيات أحبها، منها واحدة لمــــحمد عـــبد الوهاب، غنّاها سنة 1929 تبدأ بالمذهب، ثم تتوالى مقاطعها على لحن واحد، يعود المغنيّ بعد غناء كل مقطع الى المذهب الأساس، الــــذي يـــــرددّهُ ‘المذهبجية’ لأن الغرض من مشاركتهم هو ترداد المذهب. أغنية عذبة يسأل فيها محمد عبد الوهاب، أحدا غادر لا نعرفه، لكنه غادر على طول على ما يبدو وليس يعرف المغنّي، ولا نحن بالطبع لماذا غادر من غادر، ولا السبب وراء مغادرته، ويسأله محمد عبد الوهاب: ‘لمّا انت ناوي تغيب على طول/ مُش كنت آخر مرّة تقول’. أفكرّ باللحظة التي انتبه فيها محمد عبد الوهاب، الى غياب ذلك الحبيب(وهو حبيب لا شك وإلإ لما انتبه الى غيابه) الذي لم يفصح لنا عن اسمه، أو عن السبب وراء غيابه، كما ويبدو هو نفسه المغنّي، وقد أُخذ على حين غرّة! بهذا الغياب المُنهك الذي جعلهُ يُمسك بعوده على عجل، مداعباً أوتاره ويروح يغني تحت الإشراف القاسي لفكرة الغياب المحيّرة والمربكة.أفكرّ بالفراغ الذي حلّ في فضاء المغنّي فجأة، وأظنّ أنه فهم عبر ومضة من جلاء الفكر، ان الذي غادر قد غادر ‘على طول’، وأن سبباً مهولاً حمله على المغادرة، وأن محاسبته الآن غير ممكنة، من حقيقة أنه غائب وغير موجود أمام المغني، ما يُفقد أية محاسبة محتملة، كل تلقائيتها.يغني عبد الوهاب ‘لمّا انت ناوي’ في جزعه من مثل هذه الغيابات الغرائبية، في الوقت الذي حسب أن الأمور على خير ما يرام، وان الذي غاب، ما كان ليفعل، وما دام قد فعل ‘أي غاب و’على طول’ ففي الأمر ما يستدعي الغناء ويستدعي الإنجذاب الكبير الى الغائب.أفكرّ أن محمد عبد الوهاب وقد شرّع عوده وحنجرته وصوته متسائلاً عمّا حصل، قد أعتبر نفسه مسؤولا الى حدّ عن ذاك الغياب، وأن أموراً اقترفها أفضت الى أن يغيب من غاب، وإن حاول في الغناء أن يُطلق السؤال بريئاً في الظاهر، في محاولة المغنيّ تخفيف إحساسه بالذنب، لكي لا يبتعد عن ذلك الإعتدال الباسم في السؤال اللطيف الذي لا يماثلهُ أي لطف آخر.ليست كلمات:’لمّا انت ناوي تغيب على طول’ تتفق مع طبائع المحبين. فهي هادئة غير بكّاءة، تسأل بحذر متشكك ولائم قليلاً. لا تتفق كلمات الأغنية مع زمجرات المحبين ونزقهم، ولا مع وفرة هيامهم . كلمات هي نوع من الأسئلة المحضة، تترك للذي غاب الحرية الكاملة في الرّد أو عدمه، ما دامت غير مهددة، ولا تطالب بأجوبة فورية، ولا تنظر الى الغياب وإن ‘على طول’ كشيء جادّ ونهائي.من النادر إدراك هذا الحد ألأقصى من المساءلة بين المحبين(أحدهم موجود والآخر غائب ومغادر)، لكن من يُصغي الى نبرة محمد عبد الوهاب جيداً في اغنيته هذه، يعرف أن اللوعة الحقيقية تكمن في النبرة، وليس في الكلمات. حتى لحظة معينة، ظنّ المغنيّ المغدور، أن الغياب المؤقت، من طبائع المحبين، وهو ابعد من أن يهتّم به، حتى غدا غياباً مستفحلاً، غياباً ‘على طول’ ما جعله يرى عذابه الخاص يمتثل أمامه فجأة، ويغدو مستحيلاً إبعاده عن ذهنه. إنه معه. وبما أن الغياب يعادل الموت، فالنبرة الطالعة في صوت وغناء عبد الوهاب، تكشف حلول الفقد الكبير، وتنشد الغائب بصورة داخلية محمومة. لحظة انتباه عبد الوهاب الى أن من رحل قد رحل و’على طول’ قرّر أن يُرسل لوعته هذه، للغائب البعيد عن النظر وغير المرئي، البعيد والقريب مثل الأشياء الأليفة جداً، وغير المفهومة أبداً. يغني المغني المذهول من حنجرة وداخل مجروحين، ويناشد صاحب الغياب الطويل، جواباً ما، كلمة جوفاء، كذبة حتى، تداري وإن قليلاً الهاوية التي فغرت فاها فجأة. أبحث في أشرطة الأغنيات، وأسمع النبرة ذاتها في ‘ليلة الوداع/ طال السهر وقللي قلبي/ أيه الخبر؟/ قلت الحبايب/ هجروني’. وأسمعها في ‘خايف أقول اللي ف قلبي’ وفي ‘مُضناك جفاهُ مرقدهُ’ و’سهرتُ منه الليالي’ و’علّموهُ كيف يجفو فجفا’ و’كل دا كان ليه’ و’على أيه بتلومني’ و’حسدوني وباين في عينيهم’ و’يامسافر وحدك’ ..الخ.شيء يدعو الى الإستغراب: تلك الكلمات المهيضة الجناح التي تُلزم المغني بأدبيات المحافظة على دونية أحد المحبين (الدونية التي هي منتهى الغرام) عن الآخر، مهما كلف الأمر، رغم النفور المبطّن للمغنيّ المحب من فعلة محبوبه. كيف أمكن محمد عبد الوهاب، الموسوس، المحترس جداً من المصافحة خوفاً من انتقال الفيروسات اليه، أن يغني تلك الكلمات الهادئة، التي ترتجي مصافحة قلب الحبيب، بل وحتى العيش في ظل غيابه وغدره، وفيروسات رحيله القاتلة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية