محمد كتيلةإلى شاعر .. لن أستهل كلامي بالعتب، وسأكظم غيظي كي لا يُؤطَّر البوح بالغضب .. ولا أخاطبك ههنا على البياض، وفي الضوء الشحيح، باسمك العاري والمكشوف، وكأي اسم في بلادنا، لا تاريخ له ولا معنى سوى الغبار، بل كرجل، خط طريقه الصعب، على كثرة المفارق،ولم يحنه الزمن وتغير الأحوال.ولولا فروسية الملامح في وجهك، الطافحة بالظلال والمعشوشبة بالهواجس، وإصرارها على التحدي والنبوغ، لحظة انعتاقها من خيمة العربي، وترحالات البدو في المضارب، لاقترن اسمك بالغبش، وضاع بين بقية الأسماء، وأمسى بلا هوية، وبلا عنوان أو شاخصة ترشدنا إليه، لكن الوسامة السمراء، المنضدة بريح الصحراء اللطيفة، الخارجة لتوها من رحم الليل والبوادي، والمضاءة بألف ألف نجم ونجم، هي التي أوصلتنا لنتعرف على حدود الاسم وماهيته الجذلى، ونضوجه المبكر في الاتساع والانتشار وعلى تخوم الأدب وأصقاع الشعر، اسم لمسمى، كان لا بد له من أن يقترن بالقليل من حروف الضاد، لنهتدي إليه كلما غاب عنا وجهاً نحاسياً، من وجوه الأصدقاء القدامى، حراس الحقيقة المرة والصعبة واللامرئية.وكمثقف يدحرج المعنى صعوداً، نحو قمة الجبل وفوهة البركان، أناوشك بالنزر اليسير من الكلام وأقله حسرة وغضب،متجنباً حياكة المواقف، محاولاً وبأقل ما أستطيع من جهد وتعب، أن ألاقيك على أفق مبعثر، يتدحرج بالغيب، يجمعنا وجهاً متألقاً، لوجه لا سماء له غير السماء العارمة بالغيم الرمادي وبخيط لا مرئي، من بصيص أمل!!لا أناديك ولا أستقوي فيك، لأن عربات الزمن التي تحملنا على خشباتها، وإن كنا نخشى سرعتها الزائفة، ستبقى هي هي، نجلس عليها متمسكين بصدق الوصول إلى أي ثانية وزنها في الفراغ، يعادل نسبياً جميع الانفجارات الخرساء على أرض الفجيعة، وواقعنا الهش القابل للاشتعال، بمجرد أن نرخي العنان لفتيل الغضب والشكوى والعتب ..وكشاعر متمرد، يهوى امتطاء صهوة الهواء، حباً وبحثاً عن نظافة فضاء كوني، يسع كل الضالين والشاردين والمنكوبين بإنسانيتهم، أكتب إليك عبر هذا الغبار الكثيف، وهذا الفاصل السميك والموحل: ألا يكفينا كل هذا القهر وهذا البلاء والشقاء العدمي؟ أوليست نقطة النجاة الوحيدة في أزمنة الاستعباد المتقدم، أوسع من هذا الكون؟ ومن غيرك سيعفيني ويريحني من هذا المستنقع حيث تسوره الوعول وتنهب حتى أوحاله؟ لو صرخت أكثر؟ لا أظنك لا تسمعني لكونك تجلس مرتاحاً على مقعد الرقباء وأنت لم تكن يوماً من جوقتهم أو من المطبلين لهم ولا من الذين يغربلون الكلام.ولكونك شاعراً جسوراً، يعيش الحياة كسرد، كله لهاث، أقول وأكتب بالقلم الذي علمنا الرماية: دع باب حياتي الأخير موارباً، فرجة العمر المتوارية خلف الضباب، وساحات الغيم الشاسعة الضاربة إلى السواد، لأدلف منه خلسة، وكلما جن الكلام وتاق إلى ما قبل السماء الأخيرة.. دعني أمرّ وليس على هواي ولا حسب الطقس في المنفى والمزاج والفصول الخانقة. اتركني على راحتي أن ألقي السلام وأن أرمي تحياتي على وجهك المشغول بلملمة أشلاء الماضي وتربية الزهور في أصيص الغد الكامن وراء شمس الضحى.لمن تترك كل هذا الصرير إن أغلقت عليّ الباب بأصابعك الوترية، التي تقطّع الحياة وتسردها على كمنجة الخريف؟ ولماذا لا تأذن لقلبك أن يردد بعض الأغاني التي لا تهوى سماعها؟قد أكون شبهك في منفى الوداع، وقد لا تكون شبهي في الضياع، لا أصدقاء ولا ندامى ولا عابري سبيل أو صيف، ولك ما لك وما يهلك وما يفتك بالنفس وشواغلها، وما يخجل منه العقل من استباحات رجال السياسة المتكسلة لكل مثقف حر ولكل من ناضل في سبيل وطن أو رغيف، أو لقمة نظيفة، أو نشيد خفيف، لنصرة الإنسان العربي، الذي يتربع على عروش الخسارات والهزائم، إلا أنني ورغم هذا الفيض في التآكل، والغيض في التنازل العكسي، لا أقف في وجه أحد، ممن أجد عنده نفَسي الأخير، وربوة المشتهى، لتسريح مكنونات النفس، ورغائبها في القول الصريح، بعد عصيانها وتمردهاعلى التلاشي. أشباهنا رحلوا من غير إذن، وفقدنا أغانيهم وتراتيلهم السمحة، مضوا إلى غير رجعة، أخذوا معهم صحبة العمر والأيام الخوالي، ولا شيء يستر ماضينا هنا، إلا ما في الكأس والرأس من توال ٍ وما في القلب من أسى وحسرات وحنين باق.ولأنك أنت، وبكل ما فيك من وداعة وأسرار غريبة الأطوار، ولأنك تحسن تشريح الكلام، وكنحّات ٍ للحروف، ونثـّار ٍ ماهر في اصطياد ما يعكر صفو الحياة، في ماضينا المستمر بلا توقف وبلا ضفاف أو مستقبل، أستفزّ أصابعك ههنا وأدعوها للرقص بنبل،على منصة الورق أو الشاشة الزرقاء أو البيضاء، لترد التحية أو أن تأتي بمثلها، فأنا وإن أعلنت عليك مودتي ومحبتي ومن غير قصد وبلا تأويل، ولأكثر من مرة، فما كل ذلك، إلا لتحويل الكلام فيما بيننا إلى ما هو أبعد من النزاهة والبداهة في المودة والاعتراف.كاتب فلسطيني يقيم في كندا[email protected]