‘.. حصنوا النفط.. فالنّفط يعرف كيف يقاتل حين تكون الحروب.. وقد يُحسِن الضربةَ الخاطفة..'(مظفر النواب). مثل’مُسرنم’ أسير وسط ظلمة مطبقة وأنا أهذي مردّدا ما سمعته وشاهدته منذ ‘سقوط’ بغداد في نيسان/أبريل 2003 إلى يوم اغتيال الشهيد صدّام حسين.. هنالك ليل شاسع يكتم أنفاسي فأحسّني كالمسرنم أغتنم اليقظة اللاشعورية لأهذي بالكلمات التي لا تطاوعني في حالة الصّحو، حيث أتحوّل إلى متفرّج عبر الشاشات الصغيرة وعبر التصريحات والتحقيقات الصحافية.. وضعية متاهية لا يمكن أن أمسك لها برأس خيط يعقلن هذه الأحداث المتناقضة التي تشعرني بالعجز المطلق.. المقاومة العراقية وحدها تستطيع أن تتحدّث عن أمل ممكن ينبثق من دفقات الدّم ووضوح الموت، المواجهة عند أبطالها تعني الفعل الذي لا يقف عند حدود الكلام والنوايا، إنّما هي فعل وجود يصرخ أمام كل العالم بأنّ الاحتلال الأمريكي بغيض ومرفوض، وبأنّ الحرية والسيادة مبدآن لا يمكن التخلّي عنهما مهما كانت سطوة- اليانكي- ومن خلفه – المجوس- وعماء الدّول الكبرى المتفرّجة على أمريكا وهي تستعرض عضلاتها في المنطقة الشرق أوسطية. ولكن.. ما دام الأمريكيون لا يملكون سوى الدبابات يفرضون بواسطتها ‘شرعيتهم’ عبر متعاونين معهم مكروهين وبلا جذور، فالمعضلة لن تحل أبدا، وسيظلّ الأمريكيون يغوصون داخل أوحال ورطة لا حلّ لها، وهذا ما جعلهم يلعبون على الأحقاد ويتيحون الفرصة للصفويين وأمثالهم كي يمارسوا جرائم التخريب، تصفية الحسابات وكلّ أشكال الانتقام والتشفي، لاسيّما أننا استمعنا لنغمة ‘فرّق تسُد’ يردّدها الأمريكيون بفجاجة.. ولكن المجتمع العراقي تمسّك بحقه في إحراز الشرعية والحياة، وهذا ما دفع بالمقاومة العراقية الباسلة إلى تصعيد عملياتها النوعية، مما أربك المحتلّ وجعله يتخبّط في عنق الزجاجة، ويفكّر بالتالي في الهروب المخجل.. هذا الجانب من المأزق ليس هو العنصر الوحيد في المشهد الحالي، فالحرب على العراق تكتنفها عدة محفزات متداخلة وخطيرة سنقصر حديثنا على عنصر منها هو ذلك الذي يسيل دوما لعاب- اليانكي- ويدفعه إلى تركيز هجومه عليه: النفط.. وسنحتاج لكي نوضّح هذه الناحية إلى العودة إلى مجمل ظاهرة النفط التي تشكل المحرك الأكبر في الموقع الاقتصادي والسياسي الذّي أحرزه العالم العربي خلال نصف القرن الماضي، الأمر الذي جعل دولا من هذه المنطقة ترتقي عمليا إلى درجة احتلال مكان حسّاس ضمن بنية الرأسمالية العالمية، متجاوزة بذلك الدّور التقليدي المستمدّ من الزراعة وحساسيات الموقع الإستراتيجي (بل والرّوحي إلى حدّ ما) نحو نمط من الوقوف الخاص على سوية العصر الصناعية من مدخل الطاقة ومواردها.
من هذا المدخل ترك تاريخ النفط في العالم العربي نماذج من التفاعلات الخاصة والنتائج غير العادية، تجلّت في كلّ بلد حسب ظروفه وإمكاناته.
هذا هو – في تقديري- جوهر الصّراع الناشب والمستمر حتى الآن بين الولايات المتحدة كقوة تصر على تأمين هيمنتها المطلقة على العالم من جهة، والعراق من جهة ثانية كمجتمع يحتشد تاريخه الحاضر بدفع تطلّع كوني استثنائي.
من الواضح أننا نشير إلى صراع راهن بقدر ما هو مستقبلي، إنه معركة جديدة تماما وبكل المقاييس، حتى من حيث القسوة التي ستظلّ تذكرنا بالتحولات الكبرى التي هي قابلة في التاريخ، فالعراق- بشرفائه- وأمريكا اليوم يخوضان- مع اختلال التوازنات – صراعا له طابع ما بعد صناعي تقف في جهة منه إمبريالية جديدة ومتوحّشة في مواجهة موضع صاعد يذكر بنمط آخر من مناسبات النهوض الكبير، وهذا الموضع الصاعد ليس كالنمور الآسيوية المنهارة، ولا حتى مثل اليابان، أو العودة الألمانية إلى الحياة، بل إنّ الخط الذي يسير عليه العراق موجود في ما هو بعد كل تلك المحطّات الباهرة، إنه موجود وراء عهود الصناعة التقليدية كلّها، فلا عجب إذا سعت الولايات المتحدة إلى تدمير عقول ثلاثة آلاف عالم عراقي، وأكثر من ثمانمئة مصنع، هي فقط تلك التي أشارت إليها- لجان التفتيش -عن أسلحة الدمار الشامل.. ولا عجب أيضا أنّ الولايات المتحدة عمدت إلى استباحة المتحف الوطني العراقي، وحرق المكتبات، ومحو الذاكرة الفنية، وتهديم كل المرافق الحيوية وأسس الأمان الأولية الضرورية لمجتمع يحتاج إلى أن يفكر ويكون خلاقا.
على هذا المنوال المرعب يعزف القدر المستقلّ عن إرادة المتصارعين، سمفونيته، جاعلا المشهد مغلقا ومن دون مخارج متاحة، فالأمريكيون لا يستطيعون إيجاد سبيل لحكم البلاد أو تأمين التوافق معها، وهم لا يريدون، ويرغبون بكل جوارحهم في تدمير حيويتها وقتل تطلعاتها، وأما المجتمع العراقي فقد باغتهم منذ اليوم الأوّل بالتعبير عن نفسه، مهدّدا وجودهم بقوة الإصرار على تجسيد إرادته، أي كنس المحتل ومن ثم إنجاز مشروع يتوافق مع نهضته البتروتكنولوجية، مع ما تعنيه هذه النهضة من خطر إستراتيجي تراه الولايات المتحدة غير مقبول إطلاقا، بل يستحقّ الإبادة لو اقتضى الأمر. وهذا في الجوهر هو القانون القديم نفسه محوّرا ومقدّرا على شروط العصر الحالي: القوى المهيمنة الكبيرة تريد تعويق نموّ البلدان الصاعدة أو الراغبة في الانعتاق والتقدّم، وهذه تقاوم وترفض الاستسلام، وأما الذي تغيّر فهو الوسائل التي تتيحها تطورات العالم، والخبرات المتراكمة لدى الطرفين.
ولكن.. المهم الآن هو التشديد على ضرورة مواجهة التحديات الراهنة وما تتطلّبه من ممانعة ومقاومة، وتشكيل أوسع الجبهات محليا وعربيا وإقليميا وعالميا لكسر الهجمة التي يتعرّض لها العالم كلّه -لا العراق وحده- من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية ومن ورائها إسرائيل.. محمد المحسن- تونس Emil: [email protected]