المتعدد في الإسلام… ودور الدولة

حجم الخط
0

د. ريتا فرج لا يبدو المشهد العربي الراهن بما يحويه من توتر ديني على خلفيات قلق الهويات، أكثر ميلاً لاحتواء تعدده المذهبي والإثني، ولا تبدو آليات دمج المتعدد، المولِّد للحِراك التاريخي الذي عرفه الإسلام المبكر منذ الافتراق السياسي الذي أعقب الفتنة الكبرى وتداعياتها، آخذة في بناء ثقافة إسلامية مشتركة قوامها الاختلاف وليس الخلاف والتنابذ. والحال أين يكمن دور الدولة في الحد من حال التمذهب الممتدة من المحيط الى الخليج؟ ولماذا عجزت عن تأطير روابطها مع المتعدد بكل تجلياته المجتمعية والثقافية والدينية؟ وهل تجيب العلمانية عن هواجس الهويات القاتلة كما يصفها أمين معلوف؟ وما دور المعطى الديني في إحداث الشرخ في الإسلام؟ عودة السؤال الديني وما يختزنه من عنف سياسي، تعبر عنه الجماعات بأشكال مختلفة، لم يكن نتاجاً تاريخياً معاصراً في العالم العربي ـ الإسلامي المترامي الأطراف، وهو سؤال شهد حالة من المدّ والجزر، لجهة احتضان الدولة أو الخلافات الإسلامية المتعاقبة لتعددها المذهبي، المفجر لارث سياسي ـ فقهي قل نظيره عند بقية الديانات التوحيدية الأخرى، والذي أحال التاريخ الى نص مقدس، قوامه البحث عن سلطة مفقودة، أرست قواعدها الأولى عند الصفويين، والفاطميين، الى أن وصلت الى ذروة انفجارها مع التنظير لولاية الفقيه المطلقة؛ غير أن الانغلاق اللاهوتي الراهن كما يصفه هاشم صالح، أنتج إسلاماً واحداً، بالمعنى المؤسساتي؛ فغدا المتعدد في الأزمنة المعاصرة عبئاً على بعض الدول العربية، والذي يمكن وصفه برهاب التعملق الشيعي. الشيعة، الباحثون عن دور داخل دولهم بغية الاندماج وليس التنابذ، يشهدون اليوم، حِراكاً فقهياً وسياسياً ملحوظاً، لكن هذا الحراك لا تعمل المؤسسات الرسمية على التحاور معه، في سبيل إغناء مجالها المجتمعي، بل على العكس تعتمد على الإقصاء التدريجي، وصحيح أن مخاوف الخليجيين ترتبط بالنفوذ الايراني المتصاعد في الشرق الأوسط، وصحيح أن هذا الخوف له جذوره، إلاّ أن غياب قدرة الدولة على إرساء قواعد متينة تقوم على المواطنَة، يدفع بالمتعدد الى الخروج عليها، من دون تعميم المعطى المذكور، على من يسميهم هشام جعيط بـ ‘مجال علي’. تاريخياً، تعاقبت الخلافات والوصايات على المسلمين، والسلطة السياسية محصورة بالاسلام الرسمي، وباستثناء بعض الفترات التاريخية، لم يحقق المتعدد تصالحه وحواريته مع ذاته المفارقة، بمعنى أن الدول رسخت آليات النبذ، ولم تدشن لحوارية تفضي الى إرساء مقومات الدولة الحديثة القائمة على العقل المدبر لشؤون البنى المجتمعية وأطيافها، بصرف النظر عن الافتراق السياسي وليس العقائدي، الذي يتمّ توظيفه على حساب ما نادى به القرآن ‘إِنَّ هَذِهِ أُمتُكُم أُمَّة وَاحدة وَأَنَا رَبكُم فَاعبُدُونِ’. وإذا عدنا الى سطوة البعد الطائفي في عدد في الدول العربية، والذي ترسخ بشكل متراكم منذ الاحتلال الامريكي للعراق، بعد أن أصبح الاقتتال السُنّي ـ الشيعي، كالقنبلة الموقوتة، في حال انفجارها ستطال المجالين العربي والإسلامي، لوجدنا أن الأزمات السياسية تترافق مع الفتن المذهبية، بلا عكس، وما تغليفها بأقنعة دينية إلاّ بمثابة العجز عن بناء الدولة الناظمة للعنفيات السياسية والدينية. والسؤال الإشكالي الذي يمكن طرحه، ألا يفضي غياب الدولة الى استشراء العنف؟ دور العقل السياسي لا يقتصر على تأمين المتطلبات المادية للجماعات، بل إن الفيصل المركزي لهذا الدور يتمحور حول تعزيز الروابط بين الدولة وبين ثنائية المتعدد والحق السياسي في المشاركة بالسلطة، عبر الانتخابات الديمقراطية وتوسيع الحريات العامة، مما يخفف في حال حدوثها، من وتيرة العلائق القبلية والمذهبية، ويؤدي تدريجياً الى تبادل الحقوق والواجبات وتعزيز العقد الاجتماعي بين شرائح المجتمع من القاعدة الى رأس الهرم. العنف السياسي المتمادي في العالم العربي، ليس نتاج اللحظة الراهنة، بل له امتداداته البنيوية والتاريخية، وهو يمثل ردة فعل عن أزمة التدشين للدولة الحديثة؛ والفوران المذهبي، تدعمه مؤشرات كثيفة التعقيد، يتداخل فيها السياسي مع الديني والداخلي مع الخارجي، فما الذي يسبب العنف السياسي ـ المذهبي؟ عوامل عديدة تحيط بهذه الظاهرة الخطيرة، أولها، محاربة الرأي الآخر ـ دينياً كان أم سياسياً ـ وإبعاده عن التداول السلمي للسلطة؛ ثانيها، الشرخ الطبقي في المجتمعات العربية، وهــــــو عبارة عن صراع طبقي خفي، غالباً ما لا تلحظه الدراسات العلمية الجادة؛ ثالثها، التوريث السياسي في الأنظمة الملكية والجمهورية في آن، مما يؤدي الى ضبط حركيــــة التـــــيارات والأحزاب السياسية، إذا لم نقل قمعها، ولعل تــجربة الاخوان المسلمين في مصر تمثل دليلاً قاطعاً على صحة الفرضــــية؛ رابعـــها، الاصطفاف المذهبي ودور الدولة فيه، فبدل أن تعـــمل على تقوية الاندماج وتوسيعه، تلجأ الى القمع باسم درء الفتنة، فمتى تتصالح الأنظمة العربية مع تاريخها؟ ومتى تقرأ التاريخ لتفهمه؟ وإذا فهمته هل تطبقه؟ ومتى تكفّ عن استنزاف ذاكرتها الدينية، لتوطد علاقات تبادلية مع المتعدد، بكل تلاوينه؟ إشكاليات كثيرة تعتري سؤال الدولة والمتعدد في الإسلام التاريخي، وإسلام العصر، ورغم أن الإسلام رسالة عالمية للسلام، يدعو أبناءه للتفكر، طبقاً لما نادى به القرآن ‘أفلا تعقلون’، لكن الأنماط القبلية والعشائرية والطائفية أرخت بأثقالها على مجتمعاتنا، وجاءت السلطات السياسية والدينية لتدعمها، فتأخر بناء الدولة الحديثة وتفاقم التمذهب، وتوسع التجاذب الشيعي ـ السُنّي. فهل آن أوان الانفجار النهضوي في العالم العربي، كما حدث في اوروبا بعد عقود من الحروب الدينية؟ التغيير التراكمي يسير ببطء شديد، ويحتاج لأجيال متعاقبة، والحداثة تفعل فعلها في أكثر من موقع بخطوات حذرة لكن عميقة. ‘ باحثة وكاتبة لبنانية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية