الإرث المعنوي لعبد الناصر ومعنى جديد للأسطورة بشخصية البطل!

حجم الخط
0

محمد عبد الحكم دياب اتصل بي أخ وزميل متميز ومخضرم صباح السبت الماضي قائلا أنه كان ينتظر أن يقرأ لي اليوم (السبت الماضي) عن عبد الناصر في ذكرى رحيله الأربعين لكنني كتبت عن ‘السلاح الذي لا يدرأ خطرا ولا يمنع عدوانا’، قلت له كلاما كثيرا وما لم أقله أنني فضلت في هذه المناسبة بالذات أن أكون مستقبلا لا مرسلا، ومتابعا الآخرين، وهم يتناولونه في مناسبة كهذه في الظروف الحالية. ولأخفف عن كاهل من يرصدون ما أكتب بعين العسس والتعصب والتطرف الانعزالي والديني. ففور أن تقع عين أي منهم على اسم عبد الناصر يصابون بهوس وتشنج غريب. ومن بينهم من يلوكون كلاما عن احترام الرأي والرأي الآخر. وكأن المقال الذي يكتب أو الرأي الذي يطرح مكون من كلمة واحدة، هي اسم الرجل. تعميهم عن قراءة الموضوع.

وبالفعل عملت على قراءة ومتابعة ما كتب بقدر ما أتحمل وأطيق. كنت أتصور أن الأمر يسير. توقعت أن يكون تكرارا واجترارا؛ بين انحياز مطلق ورفض مطلق. ويبدو أنني كنت مخطئا. فكثير مما كتب كان متميزا وعميقا. يفيد ويضيف زوايا جديدة في الرؤى والأحكام على شخصية تاريخية بذلك الوزن، واختار في هذه المساحة ما كتبته الروائية والكاتبة المعروفة أهداف سويف. وأبدأ بما كان لدي من انطباعات عنها. ومنها أنها تكتب باللغة الانكليزية فقط، منذ أول مجموعة قصصية قصيرة لها صدرت بعنوان ‘عائشة’ 1983 باللغة الإنكليزية. إلى أن ذاع صيتها في الأوساط الأدبية والثقافية الغربية بعد صدور روايتها الضخمة ‘عين شمس’ 1992. وتوالي كتبها ومقالاتها في الصحف البريطانية والغربية الناطقة باللغة الانكليزية.

وأعلم أنها ليست محسوبة على الناصرية بالمعنى التقليدي؛ الفكري والسياسي، وقبل أن أتعرف عليها عرفت والدها عالم النفس الكبير مصطفى سويف. كان أستاذا لي في دراستي الجامعية مطلع الستينات، وأعلم تحفظاته وقتها، وتعززت من متابعتي لكتاباته في مجلة ‘الهلال’. ودفعني الفضول إلى الاتصال بها لأسألها إن كانت لها علاقة أيديولوجية أو تنظيمية بعبد الناصر ومنظماته وشبابه. وأعلم أنها كانت صغيرة وكتبت أن أول حدث سياسي وعته كان هو الوحدة بين مصر وسورية. ردت بالنفي، وأحالتني إلى موقعها الالكتروني. وتأكد لي بعض ما أعرفه. تصف نفسها في مقال منشور في صحيفة ‘العربي’ القاهرية (26/ 9/ 2010): ‘أنا جزء من اليسار المصري المنشغل بتجربة الفترة الناصرية، بتحليلها، وتدويرها، وتفنيدها’. كان مقالها بعنوان ‘نوبة رجوع’ في صحيفة ‘الشروق الجديد’ المصرية الأحد الماضي. وأقل وصف له أنه قطعة من الأدب العربي (وليس الانكليزي) الرفيع، أعادت إلى ذاكرتي متعة قراءة مؤلفات حسين ذو الفقار صبري وعمق كتاباته، خاصة ما كتبه بعد نكسة 1967 في كتابه ‘يا نفس لا تراعي’، ونثر نزار قباني الرشيق والرفيع. شدني ما كتَبَت. وليس هدفي هنا النقد الأدبي، فهذا ما لا أجرؤ عليه.

كتبت أهداف سويف عن ‘التراث المعنوي’ الذي تركه عبد الناصر وانعكس في حضوره الطاغي بعد أربعة عقود من الرحيل. بدأت وهي الروائية المتمكنة؛ بمشهد الليلة الأخيرة في حياته، حين خرج إلى الشرفة في الطابق الثالث عشر في فندق النيل هيلتون، يتأمل النهر وأنوار كوبري قصر النيل وأمامه الجزيرة تتلألأ في مياهه. وتنقل عن لسان الرواة انبهاره بذلك المنظر الذي لم يكن قد رآه من قبل، وقوله لعبد المجيد فريد السكرتير العام للرئاسة رحمه الله، الذي كان إلى جانبه: ‘أنا مدفون بالحياة هناك في مصر الجديدة’، وحين علم بذهاب العقيد القذافي إلى المطار دون أن يثقل عليه، أمر باستبقاء طائرته حتى يلحق به ويودعه، وأبلغ طاقم مكتبه بأنه ذاهب للمبيت في بيته. هذا المشهد كان مدخلها لكشف السمات الشخصية التي صاغت ذلك الحضور الغريب للرجل، ورسوخه وازدهاره، وختمته بقولها: ‘صار من حقنا، وقد مرت أربعون سنة على رحيله، أن نصفه بالأسطوري’. هذا استوقفني لأنه على العكس من وصف هيكل له، وقوله بأن عبد الناصر ليس اسطورة. وقتها قامت الدنيا ولم تقعد. ففيضان الدموع لم يكن قد كف ولا أقول انقطع، فما زال النهر جاريا، بسبب ما آلت إليه أوضاعنا من بعده. هيكل ينكر الأسطورة وهي تؤكدها، ويبدو أنه كان وقتها يعبر عن معناها في المخيلة الجمعية والمتعارف عليها، وارتباطها بالخوارق والمعجزات. بدا عبد الناصر موضوعا لرواية لم تكتبها أهداف سويف بعد. مشهدها الأول هو مشهد الليلة الأخيرة. تصفه فيها: ‘نجد الرئيس كالقروي، أو كواحد من عامة شعبه، لم يتح له أن يرى النيل هكذا من عَلٍ’ وجدته شفافا كالطفل لا يجد حرجا في التعبير عن جِدة الخبرة وعجبه لها، ووجدته فنانا أو عاشقا، مفتوحا، متأثرا بالجمال، كاشفا صدره للحظة إضاءة روحانية. ولم تنس أنه ‘رجل سياسة ومضياف…. وزوج وأب ورب أسرة. يولي ظهره لمنظر النيل الخلاب، مفضلا المبيت مع أهله’ مع أن أغلب السياسيين في نظر الفنانين والشعراء والأدباء؛ متحجرون باردو العواطف متبلدو الأحاسيس.

معنى الأسطورة عند أهداف سويف هو البساطة والشفافية الطفولية في الشخصية ورومانسيتها وإنسانيتها. فجرت ينبوعا آخر للأسطورة. يروي عطشها ويزودها بالطاقة ويمنحها القوة. تَمَثّل في الزوجة وشخصيتها الآسرة، فالبطل يحتاج إلى إمرأة تحبه. ترى أن وجودها في الصورة مكمل له ‘تحيطه وتدعمه وتبدد وحشته بالأبناء والأحفاد. ترعاه وتراعيه وتحترمه وتخاف عليه. نتماهى معها فنراه بعيونها اليقظة المحبة’ وتعود بنا إلى مشهد النيل مرة أخرى، يوم الوداع، حيث الزوجة والبنتان في نافذة المبنى المجاور ليشهدن موكب جنازته؛ على خلفية نفس المنظر الذي أسره في ليلته الأخيرة. ‘وحين يصل جثمانه إلى منتصف كوبري قصر النيل ستتهاوى السيدة زوجته مغشيا عليها’ مشهد يكفي وحده للتوقف ووضع القلم وطلب الراحة والتقاط الأنفاس.

وتسترجع بلغة السينما ‘الفلاش باك’ الفصل الأخير وليس اليوم الأخير. بدأ يوم الجمعة 18 أيلول/سبتمبر 1970، فتنقلنا إلى عمان نستنشق دخان البارود الكثيف، ونشهد المعارك في الطرقات، بين الجيش الأردني ومنظمة التحرير الفلسطينية. واستنجاد ياسر عرفات بعبد الناصر لمنع تصفية المقاومة. فيقطع إجازة قصيرة في مرسى مطروح أمر بها أطباؤه. ولا تتوقف عن استكمال الصورة كما تود لها أن تكون. هذه المرة مزجت فيها الخاص والعام في البطل؛ هو من يلجأ إليه الغير عند الشدائد فيغيثهم، ويضع احتياجات الغير فوق احتياجاته، ويستطيع تحريك القادة، وتأليف الخصوم وترجع السبب بأنه ‘لو كان فظا غليظ القلب لانفضوا من حوله ولانتهت المقاومة فعلا في ذلك الأيلول الأسود’. تراه رئيس دولة وزعيم أمة وأخا ومضيفا يودع ضيوفه واحدا واحدا.

لم يكفها أن تكون الأسطورة في البساطة والشفافية الطفولية والرومانسية والإنسانية، وكل هذا دون بذل وعطاء يكون ناقصا؛ فنفسه الكبيرة القوية لا يعطيها أهمية.. ‘نفسه عنده هي مجمل ما يقوم به للآخرين، فيلتفت إليها في الوقت الضائع، يعطيها ما تحتاج بالكاد لكي يستمر في البذل والعطاء. ها هو، في البيت مع الأطباء في ساعته الأخيرة، حرب الاستنزاف دائرة، والجيش يعاد بناؤه، والأسطول السادس يناور في المتوسط وهو مكتمل الهدوء، يصر على رغبته في زيارة الجبهة في المساء، ويحذر أطباءه من محاولة استبقائه في الفراش، فعليه أعمال كثيرة في الأيام المقبلة. يستمع إلى موجز الأنباء في الخامسة معلقا: ‘نيكسون عامل سيرك في نابولي’. مطمئنا طبيبه: ‘مافيش حاجة أنا كويس دلوقتي’. تحفظت أهداف سويف على موقف الذين يختزلون إرث عبد الناصر في النكسة وأن ما نحن فيه من آثارها. لا تظن أن هذا وصف دقيق لحالتنا، وترى أننا نعيش آثار 1967 كما شكلتها سياسة من أداروا البلاد بعد رحيله. ودليلها سنواته الثلاث الأخيرة. استوعب دروسا وابتعد عن سياسات اعتبرها كثيرون سبب نكسة 67. واتخذت من الواقع شاهدا على زعامته التي لم تهتز. ترقبه للمرة الأخيرة؛ يلم شمل العرب، ويوحد صفوفهم، ويرشد المقاومة الفلسطينية، ويحاول التفاهم مع الولايات المتحدة وبريطانيا. وبدت وكأنها تحدث نفسها: ‘ربما لو لم يرحل لأخذت هزيمة 67 حجمها كهزيمة عسكرية عنيناها ثم تخطيناها، بدلا من كارثة وجودية تحتم التحول التام في جميع توجهاتنا’. وفي النهاية تلجأ إلى خطابه سنة 1970 في جامعة القاهرة، وتذكرنا بما قاله: لو كان استرداد سيناء هو المسألة لكانت سهلة، بالامتثال لشروط أمريكا والدولة الصهيونية، وبالتخلي عن الالتزام العربي. وتثبت لها الأيام صحة هذا التحليل. عادت سينا وبتنا في خطر حقيقي من الاندثار. وتسأل من يصدق أن موارد مصر توظف لأعدائها، والقدس يتم تغيير ملامحها، والنيل نفسه، الذي تلألأ في عينيه ليلة الرحيل، بات في خطر، لأن حكومات بلادنا المتتابعة بددت ذلك الرصيد من الود والمصالح المشتركة الذي بنته سياسة الزعيم والتي كانت جزءا من إرثه الذي يبدد.

تركت لغيرها تقييم إرثه في السياسة والتنمية أو غيرهما، فما يعنيها هو ‘الإرث المعنوي’ وتجسيده لملامح البطولة. تمسك به وهو يقول: ‘رئيس الجمهورية بتاعكم ماحيلتوش حاجة’. أي لا يملك شيئا، وتسترجع على مسامعنا ما ذكره في 1956 ‘أنا معاكم في القاهرة، أولادي معاكم هنا في القاهرة، ما طلعتهمش برة’ ونقلت إلينا ما يحكى عن عشائه المفضل البسيط من الجبن الأبيض وملابسه المصنوعة في مصر. شيء لم يحد عنه في حياته، وهذه السبيكة التي كونها انصهار الملامح العادية مع غير العادي فيه: ‘رؤيته وقامته وموقعه وفاعليته وتأثيره وكاريزمته’. كلها على مستوى ملحمي صنع البطل. ووجدتني أردد معها: أن الكمال لله وحده. وأعزز قولها بعبارة للسيد المسيح عليه السلام؛ من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر.

لم يكن ما كتبته أهداف سويف وحده قد استوقفني. استوقفني كذلك ما كتبته هويدا طه، على صفحات ‘القدس العربي’. رسمت شخصيتين لعبد الناصر، أحداهما لمثقف، وطني، شجاع، عزيز النفس، عنيد، مخلص، نزيه، صاحب رؤية واضحة لمشروع نهضة مصر وتقدمها وتحررها، واخرى لنظام أسسه؛ وصل بمصر وحلمه ومشروعه إلى ما نحن فيه، وسئلت هل كان عبد الناصر مزدوج الشخصية؟ والرد يحتاج إلى مساحة وفسحة أخرى.’ كاتب من مصر يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية