خالد شوكات
لا بد من الإشارة في البدء إلى أن فيلم ‘المسافر’ للمخرج المصري أحمد ماهر، هو من نوع الأفلام الخاصة التي يمكن أن يحبها المشاهد أو يكرهها، أي أنه لا مجال في الرأي حولها لمنزلة بين المنزلتين أو محاولة للتوفيق بين الموقفين.
وعلى الرغم من كم التعليقات السلبي الذي سمعته من جمهور حفل افتتاح الدورة 26 لمهرجان الاسكندرية السينمائي حول الفيلم، بما ظهر وكأنه شبه إجماع حول تواضع قيمة الفيلم الفنية، إلا أنني صممت على مشاهدته خلال اليوم الثاني للمهرجان، منطلقا من تجارب سابقة وصلت فيها إلى رأي مخالف لما ساد وشاع، وحسنا فعلت إذ لم أستسلم للآراء المسبقة، فقد خرجت بعد مشاهدة العمل وأنا في غاية الاستمتاع والنشوة، بعد أن شاهدت عملا إبداعيا حقيقيا راقيا، أرى أن في الهجوم الشديد عليه ظلما لأصحاب التجارب الشخصية والرؤى الخاصة.
لقد شكل ‘المسافر’ كما شعرت به، محاولة غوص جريئة ومغامرة موفقة إلى حد كبير في أعماق زمان ومكان وإنسان مصر المعاصرة. الزمان بأطواره الثلاثة، أيام الاحتلال والانفتاح والانفلات، والمكان في حلقاته الثلاث ‘القنال’ و’الاسكندرية’ و’القاهرة’ حيث هذا المثلث الذي شهد أحداث تكوين مصر الراهنة أو المتأخرة، والإنسان بأجياله الثلاثة الجد ‘عمر الشريف’ والأب ‘خالد النبوي’ والحفيد ‘شريف رمزي’. ولأن الأعمال الإبداعية الخاصة من قبيل ‘المسافر’ عادة ما تحتمل التأويل وينطوي باطنها على رموز قد يضيق الظاهر باحتوائها أو تفسيرها، فقد أثار انتباهي الكثير من الأسئلة المطروحة بعمق وقوة طيلة فصول العمل، لعل أهمها سؤال الأصل، ففي ظل ثقافة مولعة بالتنظير لنقاء الأصول ورفعتها يزعزع أحمد ماهر بمشاهده هذه الثقافة دافعا بفرضيات أخرى تقضي بشراكة العناصر الأجنبية والغريبة والهجينة في تكوين الأصول (أم أرمنية وأب مختل وجد منحل وابن ضائع… إلخ)، وفي ظل هيمنة خطاب أصولي واثق على الأمة يطرح أحمد ماهر افتراضات النسبية ( جد على غير المألوف جبان، وأب رمز أو وهم أو خيال وابن يحاول أن يكون الجد أو الأب الموهوم والمفترض، لكنه يفشل إلى درجة تقربه من الاندثار والهاوية). ومن الأهمية بمكان أيضا الانتباه إلى أن نسق الفيلم وتسارع مشاهده جاءا متفقين مع نسق تاريخ مصر المعاصر ووتيرة تسارعه، حيث نجد أنه كلما تقدم بنا الزمن نحو الحاضر ازدادت سرعة الأحداث واحتدت، ولا شك أن متابعة متأنية لأحوال الأزمنة والأمكنة والأجيال الثلاثة المشار إليها، ستوصل صاحبها إلى إدراك هذا المعنى، ومفاده أن ما فاقم أزمة مصر وإنسانها هو عجلة التاريخ وضغوطات الزمان، فضلا عن مسؤولية البشر ورغبات الإنسان.
وللتناظر والتشابه، كما للتقاطع والتضاد، بين ثلاثية الزمان والمكان والإنسان، حضور بارز في ‘المسافر’، فقد ترددت ‘النار’ ودخانها في الأطوار الثلاثة، تماما كما الماء والهواء والتراب. وترددت أنانية الإنسان وتضحياته وخيره وشرهه، وكذبه وصدقه، وحبه وكراهيته، كما تعارضت الشخصيات وتمايزت، فالجد ليس هو الأب أو الحفيد، والقنال المستعمرة ليست هي الاسكندرية المنفتحة أو القاهرة العشوائية والضائعة. و لعلني أختم بملاحظة أو أمنية كنت أتمنى وقوعها، فحواها لو أن المخرج استغنى عن لقطة المركب الأخيرة، واكتفى بـ’عمر الشريف’ العظيم في لقطة البرزخ المدهشة، حيث أن مصر ومن ورائها عالم عربي متأرجح، في برزخ أو منزلة بين المنزلتين، لم تتدحرج تماما إلى الهاوية، لكنها لم تفلح في النهوض بحياتنا وصونها، وكما يرى من حولنا فإن كل شيء باهت، لا هو بالأبيض ولا هو بالأسود، وتلك بلا شك الحقيقة الوحيدة التي بمقدورنا الإقرار بها.
بقي التنويه في الختام، بأن ‘المسافر’ وفق في تقديم صورة رائعة وصوت ممتاز وممثلين على قدر كبير من الموهبة والإحساس بالعمل، إلى جانب مضامين راقية أشير إليها، ولأنه من نوع خاص كما ورد في المقدمة فإنني أدعو أحمد ماهر إلى مزيد من الإصرار على هذه الخصوصية العميقة، وسط هذا الزحام من أعمال الحقائق المطلقة. كاتب تونسي