نوبل..الوقاية خير من العلاج!

حجم الخط
0

عزت القمحاوي يروي الكولومبي غابرييل غارثيا ماركيز في مذكراته أنه وأصدقاءه كتاب أمريكا اللاتينية كانوا يتناوبون على استخراج المرق من عظمة واحدة حتى لا يتبقى للأخير منهم شيء من الدسم أيام فقرهم الغابر في باريس. وعندما تشاجر مع البيروفي ماريو بارغاس يوسا، كانت يد هذا الأخير الأسبق حيث سدد إلى ‘غابو’ لكمة تسببت في تورم وجنته. لكن ماركيز سبقه إلى نوبل بثمانية وعشرين عاما، حيث حصل على الجائزة الأكثر شهرة عام 1982. وعلى الرغم من الملاحظات الكثيرة على الجائزة والاتهامات التي تلاحقها بالانحياز لأسباب سياسية، إلا أنها عادلة تماما فيما يخص الصديقين، ولا يبدو الحديث حول تأخرها عن يوسا موفقا، لا من حيث أن ماركيز أسن منه بتسع سنوات، بل لتباينهما من حيث العذوبة والقدرة على الإمساك بالقارىء، بعيدا عن رأي لجنة الجائزة التي تجد دائما ما تقوله حتى لو كانت الفائزة هيرتا موللر.

تمنح كتابة ماركيز قارئها الإحساس بأنها قادمة من منطقة اللعب، وتصله كلعبة، أما كتابة يوسا فتشي بتعب الكاتب، وغالبا ما تضع القارىء في المنطقة ذاتها (منطقة العمل لا اللعب) وتطلب منه الاجتهاد في المذاكرة. منطقان مختلفان، ويبدو منطق ماركيز أقرب إلى الأدب، كما تمنحنا كتابته الإحساس بالتناسق في الخامة، حيث نشعر بأن ماركيز لديه طينة واحدة يشكل منها عروسا أو حصانا مقالا أو رواية، هكذا على هواه، بينما تتفاوت أعمال يوسا بين العذوبة والصعوبة، بين الإيجاز والثرثرة، وأحيانا ما يرتكب هنات الكتاب الأقل خبرة، بكتابة خاتمة وعظية لرواية أو بث تلك الروح في رواية أخرى، ويبدو أن هذا العيب قادم من رؤيته السياسية، التي أراد يوما أن ينفذها من خلال الترشح لرئاسة الجمهورية، بينما يرى ماركيز أن المسؤولية السياسية للمبدع هي أن يكتب بشكل أجمل.

مع كل هذا يبقى أن يوسا من كتاب العالم الكبار، وجائزته مستحقة لا شبهة سياسة فيها، وليس لنا نحن العرب ما نأخذه عليها سوى أنها لم تأت إلى الحالمين بها من بيننا. وقد صار هذا التأبي والدلال على الأدب العربي، ممثلا في سين أو صاد من شعرائنا وروائيينا، ألما يصيب السين والصاد يوم إعلان الجائزة وذلا طوال العام.

لا مبالغة في استخدام صفة الذل. أعرف إلى حد معقول ما أستخدمه من كلمات، وأعرف تماما القلق الذي يعانيه عدد يتزايد من مبدعينا الطامحين إلى نوبل، ممن اختلفت آراؤهم على مدى السنين، وهذا القلق لا تقتصر نتائجه على حفنة من الحالمين، لكنه يؤثر على مستقبل ثقافتنا القومية ومستقبل شعوبنا.

أكثر علامات الطامح سفورا نراها في الانقلاب السياسي على قضايا قومية شيد عليها في البداية اسمه عربيا، لكنها صارت عبئا على الحلم النوبلي؛ فأعلن أن من حقه مراجعة قناعاته فيما يخص الفكرة القومية نفسها أو الرؤية للصراع مع الصهيونية وبالتالي ملف التطبيع الثقافي، وكل ما يتعلق به من الحدود المقبولة وغير المقبولة والاختلافات بين اليسار واليمين في إسرائيل والنزوع الإنساني بوصفه رؤية كونية تشمل الأدباء الأكثر تحضرا في الكوكب، لكن هذه الإنسانية التي تعترف بحق الطفل اليهودي في البقاء بفلسطين تنفد عندما يتعلق الأمر بحق العودة لأجيال من الفلسطينيين مشردة وغير مرحب بها حتى في الدول الشقيقة.

النوع الأكثر ذكاء أو الأقل شجاعة من النوبليين العرب، لا يعلن هذه المراجعة صراحة، لكنه يسكت عن إسرائيل كما لو كانت غير موجودة، على أن يستكمل حصته من القبول العولمي من خلال إعلان موقف واضح من المقاومة، مستندا إلى أن من يرفع راياتها اليوم هي التيارات الدينية، وهي تيارات تكره الحياة وتدفع الاستشهاديين (عفوا الانتحاريين) إلى الموت. هكذا من دون أن يرمش لهم جفن، أو يتساءل أحدهم عن نوع الحياة التي يعيشها الاستشهادي، والتي جعلته يستعجل الموت أو عن عدد الضحايا من أسرته الذين اغتالتهم يد الاحتلال العنصري وجعلته يقرر الثأر!

الأغرب والأكثر مدعاة للسخرية أن نوبل تتسع لطموحات كل كتاب الدنيا، بينما تضيق على الحالمين العرب، فكل حالم يعامل الحالم الآخر معاملة العدو، كما لو كانت نوبل جائزة عربية من تلك التي يحصلون عليها بالمداومة على الوقوف في طابور، يشبه طابور المدرسة، عندما كنا نصطف صغارا للتطعيم وعرفنا عندما كبرنا أن تلك الطوابير ومحاقنها غير المعقمة هي سبب إصابتنا بالأمراض الفتاكة مثل الالتهاب الكبدي الوبائي.

الوقوف في طابور نوبل يتطلب مراقبة الخصوم وإعاقة تقدمهم في الصف حتى لو تطلب الأمر اغتيالهم معنويا؛ فالمهم هو شل حركتهم وإبعادهم ما أمكن عن منصات الندوات الغربية وفرص الترجمة. ولا ترى لجنة نوبل الصلفة هذا البؤس وإن رأته لا تعيره التفاتا، وكما تتدلل على حالمينا تتدلل على الحالمين في الكيان الصهيوني، فلم يحصل عليها سين أو صاد العربي ولا خاء أو عين الإسرائيلي. الإسرائيليون بحاجة إلى اعتراف دولي في الميادين الإنسانية يبرر وجودهم ويغطي وحشيتهم في الآن نفسه، فما حاجة أمة العرب إلى هذا الاعتراف؟!

علاقتنا بالحضارة أعمق من أن تزيدها نوبل وعلاقتنا بالأرض أوثق من أن تحتاج إلى وثيقة، وعلاقتنا بالحرب معتدى علينا دائما. والمشكلة في الحالمين أنفسهم وفي طموحاتهم الفردية وقد فات أوان علاجهم. هم الذين عرضوا أنفسهم لأمراض نقص المناعة الثقافية؛ لأنهم أفسدوا الحياة الأدبية وحولوا جوائزنا الأدبية إلى مسوخ يزداد بؤسها كلما ارتفعت قيمتها المادية؛ فلم تعد مرضية لمن أفسدوها ولا لغيرهم، ولن تبرأ الثقافة العربية من ألم نوبل بالعلاج؛ بل بالوقاية من هوسها من خلال زيادة المناعة وأسباب الاعتزاز بالذات وبالثقافة الأم لدى أجيال جديدة من المبدعين.

وهذه مهمة يمكن أن ينجزها المبدعون بوعي، مثلما أنجز غيرهم انحطاط ثقافتنا بوعي أيضا، ولا داعي لإلقاء اللوم على التداعي السياسي العربي والدخول في متاهات؛ فأدباء أمريكا اللاتينية الذين كانوا يتناوبون اعتصار نخاع عظمة واحدة كانت بلادهم ولم تزل أسوأ حالا من بلادنا، لكنهم يعرفون كرامة نصوصهم، وكتبوا بعيون منتبهة لما في أيديهم، لا زائغة ولا شاخصة إلى الجوائز.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية