د.
علي الصكر
كتاب كارولين ف. ي. سبيرغن
من الأعمال النقدية الرائدة التي تتحدث عن ظاهرة بالغة الأهمية مثل التصوف وترصدها بدقة وتتصدى لها بمنهج أكاديمي رصين. ظهر هذا الكتاب (Mysticism in English Literture) لأول مرة عام 1913 والآن وبعد أكثر من تسعين عاما على صدوره أطلق الكتاب على موقع الكتروني متخصص مفتوح. ورغم اعتراف الكاتبة في المقدمة بغنى التجربة الصوفية عند الأدباء الأمريكان ـ وخصوصا والت ويتمان ودبليو مودي ـ إلا أنها تأسف لاضطرارها على أن تقصر البحث على الأدباء الانكليز وحدهم نظرا لكثافة الموضوع وغزارته وامتداده البعيد في تاريخ الأدب الانكليزي. كما تنوه أيضا إلى أنها تبحث في التصوف كفكر فلسفي يعنى بالبحث عن الحقيقة المطلقة دون التطرق الى السلوك الصوفي الفردي. تقرر الناقدة أن التصوف لدى الأدباء الإنكليز نزعة أكثر من كونه عقيدة أو مناخا للكتابة وأن الصوفيين الإنكليز قد أضافوا مفاهيم جديدة لمبدأ ‘الحقيقة المطلقة bsolute Truth ‘كما يرونها وقد حاولوا رغم اختلافهم الإمساك بقبس منها من زوايا مختلفة تمثلت في رؤى عاطفية متباينة. فالشاعر الكبير وليم ووردزورث مثلا اكتسب هيامه وشغفه الكبير بالخالق العظيم من خلال الطبيعة الساحرة وحدها. أما بالنسبة للشاعر الكبير الآخر وليم بليك فقد كانت الطبيعة (عائقا ليس إلا) وكان الخيال وحده هو الحقيقة عنده، لكن الجميع يتفقون على مفهوم واحد مؤكد وهو أن التوحد هو أساس التنوع وهذه ـ بالضبط ـ هي نقطة انطلاقهم وهدفهم في نفس الوقت وهي المبدأ الأساسي في التصوف والتي قد توصف بمعناها الأوسع كموقف للعقل يبنى على التوحد أو الامتزاج أو التماثل في كل الأشياء. من هذا النبع ينهل التفكير الصوفي في أوروبا عامة ويتمثل المتصوف ـ مهما كانت هويته ـ عبارات كريشنا: ‘هناك معرفة حقه عليك أن تدركها: أن ترى حياة واحدة غير متغيرة في كل (الحيوات) وأن ترى في المنفصل كلا ً لا ينفصل’. وبالنتيجة فان الإنسان يستطيع التوصل إلى الإدراك بخالقه العظيم من خلال الجزء السماوي في طبيعته البشرية. لذا يجب أن نعشق لنعرف ما هو الحب وأن نكون موسيقيين لنعرف الموسيقى الحقة وأن نسمو بالنفس لنتعرف على الخالق. وإذ يكون عنوان الفصل الثاني من الكتاب ‘تصوف الحب والجمال’ فمن البديهي أن يتصدره شاعر الحب الكبير شيلي الذي يبدي فكرا صوفيا متقدما في سعيه للتزاوج الروحي التام بكل من (وبكل ما) يحب. ويأتي بعده جون كيتس المتأمل الحائر في الجمال ثم الفكتوريان براوننغ وروزيتي. أما الفصل الثالث فيحمل عنوان ‘تصوف الطبيعة’ وتتحدث الكاتبة فيه عن هنري فيكان وريتشارد جيفرز وتتوقف طويلا عند عاشق الطبيعة الأكثر شهرة ووردزوورث. لكن اللافت للنظر أن الناقدة لا تصنف الرائد الرومانسي الكبير وليم بليك ضمن متصوفة الحب والجمال بل تصنفه في الفصل الرابع ضمن ‘فلاسفة الصوفية’ اذ ترى في شعره ملامح من الحوار الفلسفي الصوفي وبحثا صوفيا واضحا عن الحقيقة من خلال تساؤلاته الشهيرة التي يثيرها في قصائده القصار في ‘أغاني البراءة’ و’ أغاني الخبرة’ وأكثرها شهرة بالطبع قصيدة ‘النمر’ التي يقف فيها متعجبا أمام روعة وقوة ورشاقة النمر ثم يتساءل عن عظمة اليد التي ابدعت مثل هذا البناء الجميل. يحظى لورد تنيسون أيضا باهتمام كبير لكونه ابرز شعراء العصر الفكتوري وتندرج قصائده المبكرة ضمن شعر الرومانسيين لكن الفكر الفلسفي الصوفي يظهر في شعره شيئا فشيئا مع تقدمه في العمر والتجربة. وتجدر الإشارة هنا الى المؤثرات الشرقية والعربية بالتحديد في شعر تنيسون فقد قرأ تنيسون المعلقات في ترجمتها الإنكليزية وأعجب كثيرا بمطلع معلقة امرئ القيس واقتبسه حرفيا كمطلع لقصيدته الطويلة المتأخرة (لوكسلي هول بعد 60 عاما). كما قرأ تنيسون الغزل العذري العربي وأعجب به لكن تأثره الكبير كان بالصوفية العرب وبالأخص محيي الدين بن عربي. لا شك في أن دراسة كارولين ف سبيرغن الرائدة تستحق أن يقف عندها المختصون بالأدب الإنكليزي طويلا، أما ترجمتها الى العربية فستكون بالتأكيد إضافة ثرية هامة للمكتبة العربية. * كاتب عراقي مقيم في اليمن[email protected]