آل باتشينو: اردت استيعاب شخصية الانسان المتعصب!

حجم الخط
0

ظهر بشخصية استفزازية عنيدة ومعقدة في فيلمه الاخير عن ‘طبيب الموت’ جاك كيفوركيانهوليوود ـ من حسام عاصي بامكاننا القول ان آل باتشينو واحد من اعظم الممثلين الامريكيين واكثرهم انجازا بين معظم ابناء جيله. لقد تحول الى رمز ثقافي نتيجة ادائه في افلام اصبحت من كلاسيكيات السينما مثل ‘العراب’، ‘سيربيكو’، ‘سكارفيس’، ‘عطر امرأة’، ‘حرارة’ والكثير غيرها.

يدخل الى الغرفة مرتديا ملابس سوداء بشعر برّي مثل شخصيته، كما لو كان نجما من نجوم موسيقى الروك. تمتلئ الغرفة بسرعة بالكاريزما التي يتمتع بها، وصوته العميق يحرّك الهواء كلما نطق بكلمة. انه في السبعين من العمر، مع ذلك فهو لا يزال مليئا بطاقة الشباب.’مرحبا. لطيف ان اراك مجددا،’ اشار باتشينو بحرارة وانا أسلّم عليه. لكنني استعجلت باخباره ان هذه المرة الاولى التي التقيه فيها. احمرّ خجلا للحظة ثم ضحك، ‘هذه طريقتي. ذلك يساعدني، صدقني، لأنني اذا التقيتك من قبل وقلت ‘انا سعيد بلقائك’ فغالبا ما ستقول لي ‘لكننا التقينا من قبل’. ظهر باتشينو مؤخرا في الفيلم التلفزيوني ‘انت لا تعرف جاك’، في دور شخصية الطبيب الشرعي سيء السمعة جاك كيفوركيان (الذي يعرف ايضا بطبيب الموت) الذي صدم امريكا عام 1990 وتحدى نظامها القانوني من خلال تقديم ‘استشارات الموت’ لتخديم المرضى الميؤوس من شفائهم. شخصية استفزازية عنيدة ومعقدة، يخاطر فيها الطبيب بكل شيء في سبيل تحدي القانون السائد.’ما احببته في شخصية جاك كيفوركيان انها اثارت فضولي لاستيعاب شخص متعصب بشكل حقيقي. لا نرى هذا النوع من الاشخاص غالبا، ولا نتعاطى معهم. كيف هم فعليا؟ الاشخاص المستعدون للذهاب الى نهاية الطريق. نعرف عنهم في التاريخ واشياء من هذا القبيل وقد احسست ان جاك هو واحد منهم وفكرت كم هو مثير ان احاول حقا ان ارى اين سيأخذني ذلك’؟ يقول باتشينو.

بالتأكيد فان تعصب جاك وشخصيته القاسية كانا من العوامل الاساسية التي قادت الى سقوطه، على الرغم من انه كان في نشرات الاخبار العامة، فقد فشل في توصيل القيم الكامنة في قضيته، مما ادى الى دعوى قضائية ضده بسبب مساعدته 130 شخصا على الموت، ما ادى في النهاية الى سجنه.

حتى بعد تقمصه شخصية جاك والشروع في رحلته النفسية فان باتشينو لا يزال غير متأكد ما كان سيفعل لو كان في وضعية جاك. ‘ الى ان تكون في الوضعية فلن تعلم ما ستفعل. لقد مثلت شخصيات مثل شخصية من يضع احد منشارا كهربائيا على عنقه ويسأله اين ذاك الشيء فانه يقول ضع ذلك في مؤخرتك. الى هذه الدرجة يمكن ان تذهب هذه الشخصيات في التحدي، وهكذا اقوم انا بتجسيدها. ولا أعلم ان كنت سأفعل مثلها’، يقول ضاحكا.’جزء من سبب تمثيلي هو هذا. انا لا اشوش نفسي مع الشخصيات التي امثلها اذا استطعت ذلك. هناك دائما جزء منك في جزء من الدور، جزء فحسب’، يقول ضاحكا.

التقى باتشينو بجاك فقط بعد انتهاء الفيلم. ‘كان هناك نوع من القسوة ضده وبعد ذلك، بالطبع، عدم معرفة انه عكس ذلك تماما. انه يمتلك دفئا عظيما وحس دعابة كبيرا’. يقول ‘اعتقد ان المطاف انتهى ليس بالشكل الذي اراده. انه ليس نشيطا في الكلام او في نقاشه مع الاعلام التي تحتاج الى ما تحب سماعه’. من اجل ان يمثل الشخصية، يبحث باتشينو في الشخصية عن شيء انساني يمكنه ان يتواصل معه. على سبيل المثال، كان فرانك سيربيكو معه اثناء التصوير، ليستشيره في كل شيء فعله، عندما كان يمثل ‘سيربيكو’. لكن هذا لم يكن الوضع نفسه مع جاك. ‘كان جاك متوافرا للحديث مع الكاميرا،’ يقول باتشينو شارحا. ‘هناك اطنان من اللقطات له وخصوصا عندما كان في المرحلة المثيرة للجدل’. الكثير من معلومات باتشينو عن جاك جاءت من النص ومن المقابلات التلفزيونية. يقوم باتشينو بعض الاحيان بتشرب كل المعلومات المتوافرة ويعيش معها.’يحتاج الانسان الى ان يقوم بتجارب، لكن هناك ايضا وقتا خاصا عندما تجلس لوحدك مع الشخصية وتحاول ان تجد طريقة للعبور في مجالها على امل ان كنت محظوظا ان تستطيع لمسها عندما تحاول التعبير عنها. انها رحلة تأخذها وانا لا اعتقد ان جاك كان حيث كانت الشخصية عندما قمنا بالفيلم. لقد كان 12 عاما أصغر. طاقته كانت مختلفة وحاليا صار شخصية ممتعا جدا التعامل معها’. على الرغم من ذلك فان باتشينو كان يود لو التقى جاك قبل ان يبدأ المشروع، لكنه ما كان قادرا على ذلك بسبب ضيق الوقت الذي يميز الانتاجات التلفزيونية، وهو ما يجعل الانسان يتساءل كيف ان نجما مثل باتشينو، مع سلطته على قبول الاعمال او رفضها كما يريد، يوافق على العمل في افلام تلفزيونية ويتقبل محدوديتها؟’في بعض الاحيان في افلام مثل جاك كيفوركيان وباري ليفينسون مع ادارة ونص ممتاز تقول لنفسك ‘رائع’، هذا مثير للاهتمام. مثل هذه الافلام التي تتحداك وتطلب منك ان تذهب الى مكان ما في ذاتك كما تدفعك للبحث عن شيء ليس موجودا بعد،’ يقول باتشينو متحمسا.

بالتأكيد، الكثير من الافلام بحكايات مذهلة ومواضيع مثيرة للاهتمام، مثل جاك كيفوركيان، يتم صنعها في التلفزيون هذه الايام من اجل خفض النفقات. ‘رغم انه سيكون جيدا لو ان شركة كبيرة تقوم بصنعه وتقديمه كفيلم سينمائي، لكن كما قال سيدني لوميت لي مرة. عندما تقدمه كفيلم سينمائي يا آل فانه فيلم سينمائي’، يقول باتشينو ضاحكا.

هذا الارتفاع الى القمة لم يكن شيئا سهلا لباتشينو. فهو ولد في جنوب برونكس، نيويورك لعائلة صقلية فقيرة وقامت على رعايته والدته مع جده وهو عامل بناء، بعد ان هجرها ابوه عندما كان في الثانية من العمر. جده، الذي زرع اخلاقيات عمل عظيمة فيه، ترك تأثيرا كبيرا عليه.’كان جدي يحب عمله. اتذكر رؤيته وهو يمزج الجص وكيف يكون بكامل التركيز على عمله. هذا التركيز كان مؤثرا جدا بالنسبة لي. كان يقرأ الجريدة ويحاول ان يختار الحصان الرابح’، يقول ضاحكا. ‘اؤمن بانني وصلت لما وصلته بسببه وبسبب امي ايضا’. بسبب امه فان باتشينو تعرض لتأثير المسرح والافلام. لاحقا قام بالتسجيل في مدرسة فنون الاداء، لكنه تركها عندما كان في الـ 17 من عمره ليدرس في احد الاستوديوهات وليتعلم كممثل مبتدئ في مسارح برودواي. لكن بعد ان ظهر في مسرحية ‘الدائنون’، قرر باتشينو ان يتابع دراسة التمثيل بجدية. انتقل الى التمرن في ستديو الممثلين ‘اكتورز ستوديو’، متعلما منهج التمثيل بكثافة أهلته للنجومية.

النجومية والأوسمة عالية المستوى التي نالها لم تغير جوهر باتشينو، الممثل الذي يعمل بجد واخلاص. ‘لا افكر في نفسي الا بصفتي ممثلا يناضل لايجاد الدور التالي، وعندما احصل على الدور احاول لأرى ان كنت سأجد اي طريق لدخوله بحيث أؤديه بالطريقة المناسبة’. موهبة باتشينو الاستثنائية والانجازات الكبيرة حصلت على جوائز الاوسكار والغولدن غلوب و’توني’ وغيرها. مع ذلك، لم يتوقف باتشينو عن تثقيف نفسه، قارئا ومشاهدا ما يلهمه. انه حتى يراقب ويتعلم من الممثلين الشبان، الذين يعملون معه، لكنه يقر بانه محظوظ اكثر من غيره.’هذه حرفة يجب ان تستمر بالعمل بها بكل وقت تستطيعه ولا يجب ان تقضي وقتا كثيرا وانت تعالج واقع ان هناك عالما في الخارج مع الكثير من المنافسة فيه. الشخص الذي يصر ويثابر بكل طاقته سيصبح شخصا حكيما يوما ما. انا انتظر هذا اليوم ليأتي’، يقول وهو يضحك بحرارة.

لعله امر لا يصدق، ان باتشينو الاسطوري لا يختلف عن الممثلين الاخرين في صناعة الفيلم في كونه يقضي اوقات طويلة من دون عمل منتظرا العمل المناسب ليصل الى عتبة بيته. في بعض الاحيان، ينتهي به الامر الى أن ينفذ مشاريع لا يقوم بها عادة. لتجنب ذلك فانه يدخل في مشاريع ابداعية مثمرة مثل اخراج الافلام. على الرغم من نجاحه في عمله الاخراجي الاول، البحث عن ريتشارد، لا ينظر باتشينو الى نفسه كمخرج. ‘اظن انني اعلم ما يكفي عن الافلام بحيث اعرف ما هو المخرج وما الذي يفعله بحيث انني اقدر ذلك واعجب به واعلم انني لست ذلك’. بالنسبة لباتشينو فان اخراج الافلام مثل لعب لعبة مع مجموعة من الناس. ‘انه مثل التجريب؛ نحن نحاول اشياء مختلفة’، يقول بحماس. ‘هذا كان الهدف من ‘البحث عن ريتشارد’. بدأ كتجربة خرجت من اليد وتحولت بالنهاية الى فيلم’. باتشينو الآن يعيش عمر ما بعد السبعين، لكن شهيته للعمل الابداعي لم تتغير. اضافة الى عمله المزدحم في التمثيل، فانه يخرج ويمثل دور البطولة في فيلم ‘سالومي’ لأوسكار وايلد، وهو مشروع استهلك اربع سنوات من حياته. ‘لا اعلم لماذا اقوم بذلك،’ يقول ضاحكا. ‘ما زالت لدي شهية للعمل، حسنا، هذا هو ما أقوم به’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية