ماريو فارغاس يوسا: ابن الطفرة ..حكاية البدايات وقصة اللكمة التي طيرت صداقته مع غابرييل غارسيا ماركيز

حجم الخط
0

ابراهيم درويش

من حق ماريو فارغاس يوسا (ولد عام 1936) الاحتفال والتعبير عن الدهشة لتلقيه خبر فوزه بجائزة نوبل للادب ـ 2010، خاصة ان اختيار اللجنة له جاء خلاف التوقعات (كان من اقوى المرشحين لها كورماك ماكارثي- الامريكي واثينغو نغوغي ـ كينيا)، والحقيقة ان حظوظ امريكا اللاتينية كانت قوية هذا العام بعدما غربت الجائزة طويلا فقد كان آخر فائز فيها من امريكا اللاتينية هو اوكتافيو باث عام 1990. ويوسا هو الرابع يفوز فيها بعد باث وماركيز 1984 وبابلو نيرودا 1971. وايا كانت المفاجأة التي عبر عنها فارغاس يوسا فالسؤال الذي يطرح حول الجائزة لهذا العام بمنحها لكاتب طلق اليسار وآمن باليمين والتحرر، هل هي محاولة لاسترضاء اليمين الامريكي الذي طالما اشتكى من ان جائزة نوبل تذهب إلى اليسار، على الرغم من عدم صدقية هذه الشكوى لأن عودة الى اسماء الفائزين تمنح فكرة غير هذه.

ابن الطفرة الادبية في الرواية اللاتينية وبعيدا عن مظاهر الاحتفاء والاسباب التي تساق عادة في تبرير منح الجائزة من اللجنة فيوسا يمثل رمزا مهما من رموز الحركة الادبية في امريكا اللاتينية التي بدأت في الخمسينيات والستينيات من القرن. بدأ فارغاس يوسا ينشر في الستينيات وهو ابن ما عرف بالطفرة الادبية في امريكا اللاتينية والتي تمثلت بكتابات اوكتافيو باث (1914 – 1998) وخوليو كورتازار (1894 ـ 1914) وغابرييل غارسيا ماركيز (ولد عام 1927) و كارلوس فوينتيس (ولد عام 1928)، وتشير الطفرة الى محاولة هؤلاء الادباء بناء شكل جديد من الرواية الحديثة واهتموا باستثناء ماركيز بتطوير اشكالهم الادبية والتجريب وانتاج رواية حديثة متأثرين بروايات الحداثة الاوروبية، ومن هنا صارت مرجعيتهم الادبية اوروبية، وتأثروا بجيمس جويس ‘عوليس’ وفرانز كافكا وفوكنر ومارلو في حالة يوسا. ومنذ ظهوره على المشهد الادبي قدم يوسا نتاجا روائيا متنوعا، وعلى الرغم من شوقه منذ بداية ظهوره على المشهد الادبي واصدار روايته الاولى ‘زمن البطل’ (1966) لتقديم ادب حديث الا انه قدم نتاجا متنوع الوجوه من الرواية شبه الذاتية خاصة ‘خالتي جوليا وكاتب النصوص’ (1982) الى التاريخ ‘حرب الى نهاية العالم’ (1984) و ‘وعيد الخروف ‘(2002) الى استلهام عالم بيرو وتنازعها بين المدينة والغابة ‘البيت الاخضر’ (1968) الى روايات الرعب وهو العالم الذي صرح في اكثر من مقابلة له بحبه، فهو لا يحب العنف بالطبيعة ولكن رواية من دون حركة ومن دون تشويق لا تعتبر رواية، اضافة الى اعمال اخرى مثل ‘البنت الساقطة'(2007) و ‘من قتل بالومينو موليورو'(1987)، و’الحياة الحقيقية لاليخاندرو ماياتا’ وفي ‘باريس مع زوجة ابي’ (1990 ) و’ موت في الانديز’ (1993). والعناوين اعلاه تشير الى ان فارغاس يوسا، منذ ان دخل عالم النشر، قدم سلسلة من الاعمال التي وان طمحت إلى التعبير عن العالم الذي عاشه كمتجول ومحاضر فإنها قدمت صورة عن تطور الرواية اللاتينية خاصة في مجالها الواقعي السحري. وقصة حياته تقدم عناصر لكتابة رواية، فهي خليط من الغرائب، زواج لخالته (اخت زوجة خاله جوليا اركويدي واستمر لثمانية اعوام حيث تزوجها وهو في التاسعة عشرة فيما كانت ابنة ثلاثة عشر عاما)، وتحول من اليسار الى اليمين، وصداقة عمر مع ماركيز تحولت الى فصام وخصام، وتدريس وعمل في الاكاديميا في جامعتي لندن وكامبريدج، وعاش اضافة إلى ذلك في برشلونة وباريس، ومثل مجايله ماركيز عمل في الصحافة وانخرط في النشاط السياسي وأيد االثورة الكوبية، وفي عام 1990 دخل السباق الرئاسي في بلده البيرو لكنه فشل. يعرف فارغاس يوسا بين اصدقائه ‘بالعسكري’ حيث بدأ حياته في العسكرية وطالبا في مدرسة ليما العسكرية، قبل ان يبدأ هواية الكتابة للصحافة وتعبيرا عن النظام والانضباط في حياته. ويشارك صديق عمره وخصمه فيما بعد، ماركيز، الكثير من ملامح الحياة كما سنرى لاحقا عند تناول هذه النقطة. وعمل في السياسة والنقد وكتب المقالة الادبية والمذكرات اضافة الى ما سبق.

العودة إلى البدايةوالمهم في قراءة حياة الحائز الجديد على نوبل وعلاقته بالمشهد الادبي المحلي ـ اللاتيني – والعالم ان ملامح تشكله دائما تتمظهر في البدايات وهي التي تشكل رؤيته للعالم فيما بعد. ومن هنا نرى ضرورة العودة الى بعض اعماله الاولى وما قاله هو في عدد من المقابلات نشرت في دوريات عن ادب امريكا اللاتينية، من مثل رؤيته لدور الروائي، الذي لم يعد يكتب ليخلد بل ليشتهر ويجمع المال، ودور الرواية في تغيير مسار المجتمع وطريقة كتابة الرواية، ففارغاس يوسا لم يتجنب في معظم الاحيان الحديث عن طريقة كتابته للرواية وجمعه لخيوط السرد. كما كشف عن طبيعة الانفجار في الكتابة الروائية في عالم امريكا اللاتينية او ما عرف في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي بالطفرة الروائية. والعودة إلى البدايات الروائية لا تعني تجزئة التجربة او النظر اليها عبر مراحل، بل تحديد الهموم الاولى التي شكلت عالمه الروائي، لان فارغاس يوسا كتب المسرحية والقصة القصيرة والرواية القصيرة والملحمية، ومارس النقد فقد نشر اهم كتاب نقدي عن رواية صديقه ـ عدوه ماركيز الذي يعتبر حتى الان وبعد مرور 30 عقدا على نشره في برشلونة من اهم الاعمال النقدية عن عالم ماركيز الروائي ‘غابرييل غارسيا ماركيز: تاريخ قرار’. بالعودة الى فارغاس يوسا، فقد مثلت واحدة من مسرحياته اثناء دراسته في المدرسة الثانوية عام 1952 فيما صدرت اول مجموعة قصصية له ‘الرؤساء’ عام 1958. اما اول اعماله الروائية التي حظيت باهتمام ادبي واشارت إلى موهبة ادبية في عالم ادب امريكا اللاتينية في ‘زمن البطل’ وهي التي نالت اكثر من جائزة ادبية وترجمت الى عدد من اللغات بعد فترة قصيرة من نشرها، وعناصر القصة مأخوذة من تجربته كطالب في المدرسة العسكرية ‘لينيتشيو برادا’ في ليما، عاصمة البيرو، وهي رواية عن الطفولة والتلاميذ الذين يدخلون المدرسة العسكرية. وكما لاحظ النقاد عند نشر الرواية فهي محاولة من فارغاس يوسا لتقديم شكل جديد في الكتابة الروائية غير المألوف في ادب امريكا اللاتينية ـ اي شكل الرواية السحرية التقليدي. روايته الثانية كانت ‘البيت الاخضر’ والتي فازت كسابقتها بعدد من الجوائز، وبنى فارغاس يوسا مشاهدها بين عالمين متناقضين، الغابة ومدينة في شمال البيرو، وتقص حكاية فتاة هندية من ابناء البلاد الاصليين، بونيفيتشيا التي اخذت وهي صغيرة من اهلها وربتها الراهبات ثم تزوجت وهاجرت مع زوجها الى مدينة ساحلية لتنتهي حياتها في مبغى ‘البيت الاخضر’. عاد بعد هذه في عام 1968 الى طفولته وحداثته واكتشاف الولد الجنس والشهوة في روايته ‘الجراء’ او ‘المدينة والكلاب’. ووصلت التجربة الروائية الاولى ذروتها في عام 1969 بنشر روايته ‘حديث في الكاتدرائية’ وهي محاولة في الكتابة السياسية، وتتصدى لحيوات الابطال العادية والشخصية والسياسية في ظل حكم الديكتاتور مانويل اودريا (1948 – 1956). ففي هذه الرواية احكم فارغاس اسلوبه الروائي الذي كان يجربه في اعماله الاولى. تظهر هذه الروايات شغفا من فارغاس يوسا بعالم الرواية الاوروبية والامريكية، وهي اعتراف بتأثره بعدد من اعلامها، خاصة فلوبير الذي يصفه بانه استاذ وصف العوالم الخارجية ومن ويليام فوكنر تعلم نظرية السرد الروائي من خلال وجهات النظر المتعددة. على العموم، آمن فارغاس يوسا بأهمية الوعي السياسي للروائي والرواية فأعماله الاولى اعلاه قدمت صورة عن مجتعمه في البيرو من دون ان يمارس الوعظ المباشر او يقدم نفسه اي السارد كخطيب. فالرواية كما يعتقد يجب ان تحمل رسالة سياسية من دون ان تكون واضحة او مقحمة ولكن هذا لا يعني ان الروائي يجب ان يسرد التاريخ، ففارغاس يوسا تعامل وبشكل دائم مع الرواية على انها اعادة تشكيل خيالي للحقيقة. وعلى الرغم من ولاءاته السياسية لليسار في البداية الا انه اكد على ضرورة ان يكون كاتب الرواية مستقلا في كتابه بدلا من ان يكون مضطرا للتعبير عن موقف او ايديولوجية سياسية، مما يعني رفضا للالتزام السياسي. ويظهر التكنيك الروائي الذي استخدمه فارغاس يوسا في اعماله الاولى هذه نزاعا للتحرر من اسر السرد التقليدي القائم على خط روائي وتقديم مجموعة من الشخصيات الرئيسية او الثانوية، واستبداله باسلوب قائم على الربط بين الشخصيات دون تفسير العلاقة بينها حيث تظهر العلاقة لاحقا من خلال موقف او حوار او حادث، كما ان التركيز يتحول من شخصية لاخرى من دون الحاجة الى تقديم مشهد او مشاهد. وببساطة يتحرك القاص من مشهد لاخر ليربط عبر الحركة هذه العلاقة بين الشخوص كما ان الكاتب تحرر من الزمن حيث يتم القفز من مرحلة الى اخرى في حياة البطل، بما تحمله هذه من مجازفة الخلط بين الازمنة ولكن اعادة تشكيل السرد والزمن اعطى الكاتب القدرة على االدخول في تفاصيل وقلب الحياة اليومية لمجتمعه ـ البيرو. وما يهم في تجربة قراءة اعمال فارغاس يوسا انه يفترض من قارئه المعرفة المبدئية بتفاصيل حياة مجتمعه دون الحاجة الى الشروح والحواشي، ومن هنا يقدم لنا الكاتب سلسلة من الحكايات المحلية ويستعرض قدراته على استعادة النكات والالقاب والاسماء، والرطانة التي تعود لكل طائفة او مجموعة معينة من اهل البيرو- الطلاب والعساكر ومرتادي المباغي والخمارات وما الى ذلك والقارئ يفترض ان يعرف او يستخلص المعنى بنفسه، كما يتقن الكاتب استخدام مميزات اللغة الاسبانية في بلده وتركيزها على عنصر ‘التصغير’ المبالغ فيه في بلده. ومثلما يؤكد فارغا يوسا على اهمية الاستقلالية السياسية للكاتب فانه يدعو إلى عالم شبه مستقل للرواية، وهذا لا يأتي الا من الكاتب نفسه. وتظل كتابة فارغاس يوسا في محاولتها للتخلي عن الاشكال التقليدية والدعوة لاستقلالية الكاتب والرواية نفسها محاولة من اجل تقديم تعقيد الحياة، فالثنائية بين الخير والشر تبدو متجادلة كما اظهر لنا في روايته ‘البيت الاخضر’ و ‘زمن البطل’. من فارغاس يوسا اليساري الى المتحرربعد هذه الفترة سيجرب فارغاس يوسا عددا من الاساليب والموضوعات، من السخرية والاثارة والرواية البوليسية والتاريخية كما في روايته ‘الحرب لنهاية العالم’ (1981). وتعكس الروايات هذه تجارب جديدة في حياة الكاتب من الخروج من اليسار لليمين الى السفر ويلحظ ان رواياته التي صدرت فيما بعد تراوحت طولا وقصرا، وبالعودة الى رواياته الاولى يقول فارغاس يوسا في ندوة معه عقدت بجامعة واشنطن، عام 1986 وادارها ريموند ويليامز، قال الروائي انه عندما كتب رواياته الاولى ‘اردت ان اكون حداثيا، اردت ان اميز نفسي عن كتاب امريكا اللاتينية السابقين، كنت وبقية كتاب امريكا اللاتينية في حرب حول طبيعة السرد في رواية امريكا اللاتينية، وهو سرد كان تقليديا يكتبه كتاب لا يلتفتون للمشاكل المهمة… اردت ان اكون مختلفا’. وعن الكيفية التي توصل فيها للاختلاف تحدث في نفس الندوة عن طريقة كتابته للرواية قائلا ‘عندما اكتب الرواية، عادة ما افكر طويلا في المواد التي اجمعها، اكتب مختصرات واعد ملاحظات وارسم خطة عامة، وبعيدا عن هذا، ففي كل مرة اكتب ابدأ فيها بكتابة الرواية، فكل هذه الخطط تتخربش وتتغير اثناء عملية الكتابة لأن هناك الكثير من المواد التي تدخل عملية الكتابة بطريقة لامنطقية، اشياء تظهر واخرى تتمظهر ـ على الرغم من كل الخطط المنطقية. وانا مقتنع الان ان كل هذه المواد اللامنطقية هي اهم من الخطط المنطقية التي تدخل في عملية اعداد الرواية’. وفي نفس الندوة تحدث عن حبه او هوسه لفكرة الشر او الممنوع، فهو يعتقد ان اكثر شيء اثارة للانتباه ليس الأدب العقلاني ولكن الادب المجنون، لان الادب على حد قوله هو ‘الوحش’ الذي من خلاله يمكن البحث عبره عن الحياة الحقيقية. وفي ذلك اللقاء لم يتورع فارغاس يوسا عن الحديث في ضوء روايته التاريخية ‘الحرب لنهاية العالم’ عن دور المثقفين ومسؤوليتهم عن المآسي الاجتماعية. وفي سياق امريكا اللاتينية قال ان الصعوبة القائمة في الدفاع عن الديمقراطية في امريكا اللاتينية تنبع من ان كتاب امريكا اللاتينية خلقوا الاجواء التي تقاومها. وعندما سأله ويليامز عن الفرق بين فارغاس اليساري ـ سابقا – والحالي اجاب انه كان مغمورا بالحماس الذي اثارته الثورة الكوبية ولم يكن يتخيل بعد عشرين عاما ان يتحول هذا الى عربة للارهاب المتمثل في حركة ‘الطريق المضيء’ الماوية وبناء عليه ‘فان كنتَ ما زلت تؤمن بالعنف كحلّ فإنك تقبل الارهاب الاعمى’ مشيرا الى ان فنانين ومثقفين في البيرو يدعمون العنف.

مات الكاتب ‘الخالد’ ويحيا كاتب ‘الحاضر’ وفي مقابلة مع مجلة ‘الادب العالمي اليوم’ (2002) قال فارغاس يوسا ان فكرة ‘الرواية التامة’ او المكتملة لم تعد ممكنة خاصة اننا نعيش في عالم الاستهلاك مما يعني موت فكرة ‘العمل الخالد’، مضيفا ان الكاتب في الماضي كان يكتب لتحقيق الخلود لانه ‘عندما يموت فسيبقى عمله وسيظل حيا من خلاله’ ويعتقد ان لا احد يؤمن بالفكرة هذه اليوم لاننا مهووسون بالحاضر والرواية الخفيفة. ويقول ان الكتاب طلقوا فكرة اعادة النظر في قضايا المجتمع وتغييره لانهم يؤمنون اليوم انه من خلال ‘الكتابة عن الحاضر فسيحصلون على اتباع كثر وشهرة وثروة ونجاح’ وعليه لا احد يهتم بما سيحدث غدا؟ كما يقول.

لكمة ماركيز وعلاقة الحب والبغضلا بد في اطار الحديث عن الفائز بجائزة نوبل الجديد من الاشارة الى علاقته مع غابرييل غارسيا ماركيز، والحقيقة ان سيرة جيرالد مارتن عن الروائي الكولومبي التي صدرت عام 2008 مليئة بالاحالات الى علاقتها الودية وكيف انقلبت الى بغض واتهامات فارغاس يوسا لصديقه بانه ‘انتهازي’ و’ الخانع’ لفيدل كاسترو زعيم الثورة الكوبية والحقيقة ان العلاقة بين الكاتبين بدأت بالتراجع والتحول الى عداء مر عندما طلب ماركيز شطب اسمه من بيان قوي وقعه مثقفون يساريون في اوروبا ومقيمون فيها ونشر في ‘لوموند’ وضم خوان غويستيلو وسارتر ودو بوفوار وكورتازار وفارغاس يوسا عام 1971 يشجب فيه الرئيس الكوبي ومحاكمته للشاعر هيربرتو باديلا. وفي الحقيقة لم يوقع ماركيز البيان بنفسه لكن صديقه بيلنيو ميدونزا افترض ان ماركيز سيوافق ضمنا عليه. ويصف مارتن اثار الحادث على علاقتهما بقوله ان الامور ستتغير ولكن تعود كالسابق على الاقل فيما يتعلق بصداقة ماركيز وفارغاس يوسا، حيث سيصبح العداء بينهما الاعلى صوتا والاعنف من ضمن ضحايا هذه الدراما السياسية كما يقول. ومن هنا يعتقد ان اللكمة التي وجهها فارغاس يوسا لصديقه في مكسيكو سيتي عام 1976 لم تكن بالضرورة لتصفية حسابات شخصية تتعلق بتدخلات ماركيز بحياة صديقه بل نهاية للطريق اليساري الذي اراد فارغاس يوسا طلاقه. في تلك الحادثة كان فارغاس يوسا يزور المدينة وحضر لزيارة ماركيز الذي كان واقفا في مقر اقامته وخاطبه بقوله ‘اخي’ لكن فارغاس الملاكم الهاوي وجه له لكمة على رأسه القته ارضا وشبه فاقد الوعي. وحسب الروايات فقد صرخ فارغاس يوسا قائلا ‘هذه من اجل باتريشا’ اي زوجته. ويعتقد ان هذه الاخيرة كانت دخلت علاقتها مع الروائي فترة مشاكل، وان ماركيز انتفض لمساعدتها والوقوف بجانبها. ومع ان احدا لا يعرف ماذا قالت باتريشا لزوجها عندما عادت له، الا ان الرواية تشير إلى ان نصيحة ماركيز لها كانت طلب الطلاق. المهم في الحادث انه انهى رحلة حب وصداقة طويلة وعلاقة رفاق ودعم للثورة. وفي هذا يقول مارتن ان هناك الكثير من الاشياء التي تجمع تجربة وحياة الكاتبين، الكولومبي والبيروفي. كلاهما عاش حياة طفولة مضطربة وعلاقة مضطربة مع والديهما، فالبنسبة لفارغاس يوسا ولد ونشأ على فكرة ان والده ميت ولم يلتقه الا وهو في العاشرة من عمره، وكلاهما جرب تجربة حب ‘رومانسية’ في داخل العائلة. كما ان فارغاس يوسا وماركيز تربيا في بيت جديهما. ماركيز وفارغاس يوسا عانيا من الهجمات النقدية ضدهما شخصيا وضد عملهما الادبي. ولكونهما تربيا في بيت جديهما لأمهما فقد جربا حب القراءة بنفس القدر وتجربة القراءة هذه ستعلم حياتهما في المستقبل وتؤثر عليها. وكلاهما سيتركان امن البيت والحياة الوادعة للدراسة في المدارس الداخلية ذات النظام القاسي، وفي شبابهما سيجربان حياة بوهيمية فقيرة ويجربان الاتصال مع المومسات. وهذه الحياة ستقودهما الى العمل واختيار الصحافة والسفر الى باريس والاقامة في نفس الفندق ولكن في فترات متباعدة. كما انهما كانا صديقين وفيين لأصدقائهما وللشلة معا، ودعما الثورة الكوبية مع ان ماركيز ظل وفيا لدعمه ومرت علاقته بالثورة بمطبات، فيما شعر فارغاس يوسا بالاحباط والخداع. وعلى الرغم من القرب والصداقة الا ان ماركيز اصر واكد انه لم يقرأ الكتاب الذي اعده فارغاس يوسا عنه، حيث نقل عنه كاتب سيرته قوله ‘لانه ان اراني واحد كل اسرار وآليات كتاباتي فما الذي سيبقى مني ككاتب، واذا اخبرني احدهم عن كل هذا فسيؤدي لشللي، الا توافقني؟’. لم يفهم السكان الاصليينفي النهاية تظل قصة فارغاس يوسا متداخلة الحلقات، فمن يساري الى ديمقراطي بالمفاهيم الليبرالية ويظل اول سياسي غير بريطاني ممن عبر عن اعجابه بمارغريت تاتشر، وهو وان فاز عام 1990 بالجولة الاولى من الانتخابات ليخسر امام البرتو فيجوموري الا انه اتهم بتجاهل مطالب سكان بلده وقارته الاصليين من الهنود. فكما اشار النقاد ففي سيرته الذاتية ‘سمكة في الماء'(1993) لم يفهم فارغاس يوسا حجم معاناة شعب بلاده من الهنود. الغريب، انني تذكرت رواية فارغاس يوسا ‘الطريق للجنة’ (2003) السبت الماضي عندما كنت اتجول في المعرض الاستعادي في ‘تيت مودرن’ عن الفنان الفرنسي بول غوغان، ذي الاصول البيروفية حيث كانت جدته فلورا تريستان رائدة في النشاط الاشتراكي.’ ناقد من اسرة ‘القدس العربي’

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية