التكلس والاهتراء في العمل الاسلامي والعربي

حجم الخط
0

د. علي الهيل

مؤسستان بالتحديد: إحداهما تمثل افتراضا العالم الإسلامي والأخرى يُفترض أيضا أن تمثل العالم العربي، تثيران الكثير من علامات التعجب والاستفهام. الأولى يمكن أن توصف أو لا يمكن أن توصف بمنظمة المؤتمر الإسلامي، أُسست من أجل (نصرة المسجد الأقصى) بعد إحراقه عام 1969 ومنذ نشأتها ـ ويا لَلْمفارقة الساخرة – لم تفعل أي شيء يُذكر ـ دعك عن النصرة – لأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، لأن الإعلان عن تأسيسها ببساطة شديدة لم يكن الهدف منه ـ وهو تحصيل حاصل ـ تحريك الجيوش لتحرير الأقصى أو حتى لإخماد الحرائق في جنباته النيرات الطاهرات، وإنما جاء ـ بطبيعة الحال – من قبيل رفع العتب أو لمحاولة حفظ ماء الوجه، إنْ كان ثمة ماءٌ في الوجه. وتخيلوا معي آلاف موظفي المنظمة في مركزها الرئيس بجدة وفروعها في بلدان العالم الإسلامي وفي الأمم المتحدة الذين يرتزقون ويعتاشون وأسرهم هنيئا مريئا منذ ذلك الوقت ببركات المسجد الأقصى. وهم بعيدون عنه قلبا وقالبا وهو يرفدهم بما يقيم أوَدَهُم غير عابئ بجهلهم وتجاهلهم ونكرانهم وجحودهم. ربما هو يتفهم ظروفهم والأغلال التي في أعناقهم والقيود التي في أيديهم. وهكذا هو دأب العظماء والأقصى عظيم العظماء وممر العظماء ومرقد العظماء ومصلى العظماء ومعرج أعظم العظماء سيدنا محمد (ص) وانتفاضات العظماء. وربما لولا حكومة العدالة والتنمية التركية ووجود شخص تركي أمينا عاما للمنظمة لَما سمعنا صوتها في السنوات الثلاث الماضية يشجب ويندد ويستنكر ‘كلمات.. كلمات..’ مع الاعتذار لنزار وماجدة الرومي. وهذا يكاد يكون التطور الوحيد في هذه المنظمة المتكلسة بين منظمات عربية وإسلامية أخرى لا تقل ربما عنها تكلساً واهتراءً في تاريخها الطويل الذي يربو على أربعين عاما ونيِّف من الزمان. ولوزن تركيا الجديد في العالم، الذي أتت به حكومة غل وإردوغان ذات الميول الإسلامية الليبرالية الوسطية وافقت ربما الولايات المتحدة الأمريكية العام 2008 وفي عهد الرئيس بوش الابن على تعيين ممثل عنها في المنظمة لا يعرف اسمه حتى الكثير من الذين (يعملون) في المنظمة.

ربما لتدجينها أكثر مما هي مدجَّنة أو لمجرد إرضاء تركيا الحليف معها في الناتو، لاسيما بحكم أن مواطنها التركي هو الأمين العام للمنظمة ولاستقطاب تركيا والمنظمة والنأي بهما بعيدا عن العالمين العربي والإسلامي وقضايا الشرق الأوسط وفلسطين وإيران وغزة ومآسي شعبها. وإلاَّ فكيف بعد أربعة عقود تقريبا تنتبه الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن ثمة منظمةً جديرة بأن يكون لها ممثل فيها. والأجـــندة باتت معروفة وهي أمركة المنظمة وتأليبها على إيران لمذهبة العالم الإسلامي وأمركة كل ما تمثـــــله، خاصــــة بعد ترنح ما تبــقى من جيوش دول النـــــاتو والولايات المتـــحدة الأمريكية تحـــت ضربات طالبـــــان أفغانستان وباكستان، وتصاعد الحرب باسم الإسلام (على الأقـــــل) على الغرب في اليمن والصــــومال والعــــراق والقوقاز والبلقان وغيرها. و لعل فتوى (الخامنئي) بتحريم الإساءة إلى رموز (أهل السنة والجماعة) نزلت بردا وسلاما على قلوب المسلمين جميعا، وكانت بمثابة (ضربة معلم) قطعت دابر الفتنة وفوتت الفرصة على الذين يتصيدون في المياه العكرة. وبالتأكيد أبعدت المذهبة التي تسعى إليها الإيباك و(إسرائيل) وتوعز بها إلى سدنتها في حكومات الغرب، لدق إسفين آخر بين أهل ‘لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله’. والمنظمة الثانية هي ما يمكن أن توصف أو لا توصف كذلك بجامعة الدول العربية التي يعتزم أمينها العام توجيه نقلة نوعية لها بتدشين مرحلتها الثانية لتكون اتحاداً. ويبدو أن الأمين العام اقتنع بعد سبعة عقود ونصف العقد بأن الجامعة فشلت في تجميع الحكومات العربية على قلب رجل واحد أو على كلمة سواء، فارتأى أن يحولها إلى اتحاد علها تغري الحكومات العربية – المعجبة بالاتحاد الأوروبي – إلى إقامة الاتحاد العربي. ونشهد أنه قد أتى بما لم تأتِ به الأوائلُ، وأن الجبل يمكن له أن يتمخض فيلد فأراً. لم يعد خافيا أن الجامعة قامت عام 1945 بأوامر بريطانية تحديدا لعزل العالم العربي عن بقية العالم الإسلامي، وللحيلولة دون أسلمة النظام العربي الرسمي وتسليم السلطة لنظام علماني في كل دولة عربية. وكما صبت إلى الغاية ذاتها أيضا وإلى حد كبير عندما أنشأت ‘حزب البعث العربي الاشتراكي’ على يدي أو باستعمال ميشيل عفلق في كل من العراق وسورية. وعلى الرغم من بريق الاسمين (الجامعة) و(الحزب) المقترنين (بالعروبة) غير أنه اتضح أنه كان بمثابة اقتران دس السم بالعسل. فلا (الجامعة العربية) جمعت العرب ولا (البعث العربي) بعث الأمة العربية من جديد، بل على العكس أعاد العالم العربي إلى ذهنية ‘داحس والغبراء’ و’حرب البسوس’ و(البسوس لا يسوس) على الأقل من خلال غزو الكويت (بدل بئر ماء ـ بئر بترول) ومن خلال القطيعة الطويلة والمريبة بين البعثين حتى انتهاء النظام العراقي عام 2003. وهذان المثالان أيضا انطبقا على باكستان بين دول إسلامية كثيرة، التي فصلها محمد علي جناح عن الهند عام 1947 من أجل الإسلام، ولكن بريطانيا أصرت على أن تحكمها حكومات علمانية إلى هذا الوقت. وما الوجود الغربي والأمريكي خاصة في باكستان ومحاربته للحركات الإسلامية، وعلى رأسها طالبان باكستان إلا للحؤول دون مجيء هؤلاء للسلطة وسيطرتهم بالتالي على السلاح النووي الذي لا يمانع الغرب من وجوده في حوزة باكستان طالما أن السلطة في باكستان علمانية وصديقة للغرب ومنفذة لأوامره.

كاتب قطري[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية