إختلاط الأجناس الكتابية في النص الواحد

حجم الخط
0

‘سيكون لك ما تريد’ لعادل نصار:

مازن معروففي مجموعته الاخيرة ‘سيكون لك ما تريد’ (طبعة خاصة – بيروت)، يحاكي الشاعر عادل نصار واقعا سياسيا اجتماعيا ونفسيا، إذ يخوض في حالة لبنانية جدلية وخاصة عبر نصوص يختلط فيها الشعري، بالنثري والسردي، في ما يشبه فتحا متعمدا وتلقائيا، لكل الأشكال الكتابية على بعضها بدون الاخذ بعين الاعتبار هدم واحدة للاخرى أو انتفاء جمالية صنف على حساب صنف آخر. نصوص نصار الشاعر الذي عايش الحرب اللبنانية في طفولته ومراهقته، تشبه أفكاكا ضعيفة مرهقة حينا ونشيطة حينا آخر، تحاول عض ‘المشكلة’ في بلد ‘الحرف’، إلا أن الأدوات التي يستميلها في نصوصه تعيث الفوضى في النص نفسه، المنطلق بلا فرامل أغلب الأحيان. لهذه المجموعة الشعرية (وإن لم يصنفها نصار ‘شعر’)، اكثر من سمة تضعنا في موقف المواجهة مع إشكاليات الكتابة الحديثة (وحتى الجديدة)، فهي أولا لا تمتثل للصورة المجازية باعتبارها مكونا اساسيا وشرطا أولويا من شروط الشعر، بل تستعيض عنها بصور من الواقع اليومي، غير اعتباطية، يلصقها الشاعر في سياق حكواتي/ شعري محدد، وبالتالي، فإن الابتعاد عن المجاز في النص يبدو كضرورة لا بد منها لتماس الشاعر مع ذاته وقراءتها من خلال الحالة اللبنانية المنفجرة. أي أن المجاز في هذه النصوص سيؤدي بلا شك لنوع من عزلة الشاعر عن ذاته، أو تضخيم المسافة بينه وبينها، وهذا ما لا يتفق وغاية نصوص عادل التي تشكو ألم إنسانها حينا، وتستعلي على الذوات الأخرى المنكسرة في السوسيولوجيا اللبنانية المركّبة، فيضع بذلك ذاته في مرتبة القارئة، والحكيمة والقادرة على إطلاق الأحكام والتقديرات والتوقعات، من دون أن يراهن على لغة مبتكرة أكثر منها لغة تكرج كالماء. الشاعر نصار لا يعكس في كتابه الأخير رغبة في تسلق المفردات المعجمية أو الإبهام اللغوي للبوح بنفسه كشاعر، فهو على ما يبدو، وبالرغم من مجاميعه الشعرية الغزيرة، لا يعلن نفسه شاعرا، أو كاتبا مجازيا أو رصينا، بل يهتم فقط بإسماع صوته الداخلي للقارئ، بإخراج هذا الصوت المحاط بكلس الماضي، إلى أناس ‘عاميين’ لا يعرفهم وإنما يتقاسم معهم وجبة المشكلة اللبنانية، تماما كرغبته بتقاسم صور من ماضيه ‘العائلي/ الزوجي’ مع هؤلاء ‘لو أنك أخرت/ رحيلك يوما/ أو يومين/ إضافيين/ لكنا استطعنا/ بكل تأكيد/ البت بتفاصيل/ إشكالاتنا التي/ لا تنتهي/ وعالجنا مسألة/ انفصالنا بروية/ دون اللجوء/ الى مرافعات/ ومطالعات/ لن تحفظ لنا/ ولا لناشطي/ الزواج المدني/ ماء الوجه’. الكتابة في ‘سيكون لك ما تريد’ تشبه العبث، طمس اليدين في الوحل لإطلاع الآخرين على القذارة برفع الأصابع الوسخة في الهواء، وهي كتابة تتقارب والثرثرة الشعرية التي تمزج الواقع بالشعر بدل محاولة رفع الواحد منهما إلى مستوى الثاني. كل نص يشبه عصير كوكتيل، فاكهة بعضها طازج والبعض الآخر فاسد، يخلطهما عادل نصار كيفما اتفق، متتبعا غريزته الشعرية إذا صح القول، حتى أن شكل القصيدة الحرة يهيمن على النص حتى وإن لم يكن النص شعريا بالمطلق. من هنا، يضع نصار شكلا كتابيا لا يعرف ضوابط سواء للنص نفسه أو الشاعر، ففتح باب النص الشعري على مصراعيه يفضي به إلى أشكال أخرى في القصيدة الواحدة كالنثر أو الخاطرة أو الكلام العرضي أو الاستطراد أو الموقف السياسي أو الطوباوي، أي أن الشعر في قصيدته منتهك بما ليس شعريا، بل فكري محض وإن بدا فكريا غير عميق، أو ساذجا بالنسبة للقارئ ‘لا تطلقوا العنان/ لأحلامكم/ وتواضعوا قدر ما استطعتم/ قبل أن تباشروا/ نقاشاتكم معنا/ في الخطوات/ الواجب اتباعها/ لإنقاذ ما يمكن/ إنقاذه/ وفكروا قليلا/ في إيجابيات/ إطلاق رصاصة/ الرحمة على/ وطن/ كل فرد فيه/ يمتلك/ رؤية/ ويعمل على/ إقناعنا بها’. يتضح أن نصار يتجنب الشعري المرمّز، ويلتجئ إلى خطابية مزدوجة في شكل النص ومضمونه، غير آبه للأحكام النقدية، ما يعتبر نقطة إيجابية تُسجل للكاتب في كل الأحوال. نصوص عادل نصار تخص الحالة اللبنانية دون سواها، أي أن إشكالات الهوية تؤدي إلى الإنساني المتوتر، الغاضب، المهزوم، المعزول، المتوحش والبَرِّي، بالتالي، فإن كثرة السرد (على حساب كثافته) تشكل قشورا غير متماسكة، تنهار كاشفة العري الانساني والبسيكولوجي الذي يصيب الشاعر ‘أشد ما أكرهه/ في وضعي/ أنه يكرهني/ على البقاء/ دوما مهذبا/ وسباقا لتقديم/ الاعتذارات/ كلما لاح/ في الأفق سوء/ فهم مع الآخرين/ أشد ما أكرهه/ في نفسي تردادها/ المستمر لعبارات/ التودد والتملق/ للآخرين مخافة/ الرسوب في امتحانات الحياة/ التي لا تنفك تخضعنا لها/ كلما أنى لها كذلك’. وبهذا، فإن الشاعر لا يتردد قيد انملة لإدخالنا في خصوصياته العائلية، مع الإبن والحبيبة، والزوجة المنفصلة عنه، وصداقاته المستجدة والمسطحة البراغماتية، وخيباته من رفاق هجروه وشهداء عرفهم في وقت ما، ومشاكله الجنسية، وهواجسه النابتة فجأة في مواضيع كالمثلية الجنسية وتردده على معالجين نفسيين.. إلخ. ويتضح في قراءة متمهلة لنصوص الكتاب، أنها تخفي تمرسا لنصار بالإشتغال الشعري، ما يشكل مفتاح السر في سياق كل نص، رغم العصيان الذي يوحي به الشعر (او ما تعودنا على قراءته بوصفه شعرا) على مؤلفه. إنه كتاب المطولات الشعرية، التي تتضمن أكثر من لغة، تتجاوز المنطق أحيانا، ولا تعتمد استعراض الثقافة الخاصة للكاتب، أو فلسفته بشكل ثقيل. يتفاوت مستوى الشعرية في كل نص على حدة، فيعلو أو ينخفض، يتعثر أو يصبح طليقا، يرشقنا بالاستعارة حينا ويعدل عنها أحيانا أخرى. لذلك فإن في كل قصيدة ما هو بارز خلف الشعر، والذي يشكل محفزا لكل اصناف الكتابة الشعرية: التجريب. عادل نصار بجرأته في إطلاق هذه المجموعة الشعرية، يقفز فوق تجارب شعرية عديدة تصدر تحديدا في بيروت، كنباتات بلا رائحة. مراسل ‘القدس العربي’ في بيروت

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية