خطيب بدلةسأبدأ هذا الحديث الفضاءَوي من حيث انتهى الزميل الصحافي توفيق رباحي في زاويته الفضاءَوية المنشورة في ‘القدس العربي’ بتاريخ (7/ 10/ 2010) عن الخبر الذي بثته المحطات الفضائية العربية، العاربة، والمستعربة، التي في حُكمها، المتعلق بالرئيس البرازيلي لولا دوسيلفا الذي ضب كلاكيشه (أي: لملم أشياءه البالية) في اليوم الثالث من تشرين الأول (أكتوبر) الحالي، وغادر منصة الرئاسة البرازيلية بعد دورتين رئاسيتين فقط! مدتهما ثماني سنوات فقط! وهو زمن، في نظرنا نحن أبناء الشعب العربي، العارب، والمستعرب، ومَنْ كان في حُكمنا، ليس سوى لحظات، أو بُرهات قليلة نقول عنها مثلما نقول لمن بدأ بتناول الطعام ثم توقف عنه بسرعة: يا أخي ما أكلته لا يسوى التلويتة (أي: لا يستأهل المباشرة بالطعام)، أو مثلما نقول لمن جاء ليزورنا ثم غادرنا بسرعة: اقعد يا أخي، لسه ما سخن الكرسي تحتك!
إننا، نحن العربان، ننظر بعين الاستخفاف والعطف والشفقة، إلى أي حاكم، أو حتى مسؤول غير عربي يقعد على كرسيه برهة زمنية قصيرة ثم يغادر بمثل لمح البصر.. ذلك أن الحكمة الأساسية التي نتبعها في حياتنا اليومية هي (الله محيي الثابت!)، ومثلُنا الشعبي الذي نحبه ونفخر به هو القائل (الحجر في محله قنطار!).. على سبيل المثال، يذكرنا الخبر الذي تناقلته بعض الفضائيات، بالإضافة إلى الفضائية السورية، عن انتخابات اتحاد الكتاب العرب التي جرت يوم السابع من الشهر الحالي، برئيس الاتحاد السابق علي عقلة عرسان الذي مكث في منصبه ثمان وعشرين سنة، حتى إن جريدة ‘الدومري’، أولَ تأسيسها في سنة 2000، طرحت على المثقفين السوريين سؤالاً لم يستطع أحد من المثقفين الإجابة عنه وهو: من منكم يعرف اسم رئيس اتحاد الكتاب العرب الذي كان قبل علي عقلة عرسان؟!
وفي إحدى المحافظات العربية بقي المحافظ الذي يحمل اسم ‘أبو غالب’ (وهذا الاسم يذكرنا بالحكمة الليبية الشهيرة التي تقول: الله غالب!).. على رأس عمله نيفاً وربع قرن، وحينما أصبح على أبواب التقاعد الثاني (أي بعد التمديد لمدة عشر سنوات زيادة عن السن القانوني) ذهب في وفد حكومي إلى القاهرة، وبمجرد ما دخل مع الوفد إلى متحف المومياء البشرية في الأهرامات هَبَّ الملك تحوتمس من مرقده، وعانقه بلهفة وهو يقول له: – مين؟ أبو غالب؟ إخس عليك يا راجل، مش تقول إنك هنا في الجيزة؟ والله زمان يا أبو غالب!
وبما أن الشيء بالشيء يُذكر فقد رويت عن الرئيس المصري حسني مبارك طرفة لا شك بأن زميلنا الفضاءَوي سليم عزوز سيطرب لها، ملخصها أن أحد أصدقائه كان مسافراً في أوروبا، وحينما عاد إلى مصر طرق باب قصر الرئيس، وبعد السلام والتحية أعلمه بأنه أحضر له هدية ثمينة هي عبارة عن ببغاء جميل. قال السيد الرئيس مبارك: وإيه هي مواصفات الببغاء ده؟
قال الصديق: ده يا ريس يعيش مية سنة!
قال الريس: مش معقول. على كل حال سيبه وحنشوف إن كان يعيش مئة سنة أو لا! قبل انتهاء الحديث عن الرئيس البرازيلي ذي العمر القصير دوسيلفا، يجدر بنا أن نلاحظ أن معظم الفضائيات التي تحدثت عن انتخاب رئيس برازيلي بديل له، ومنها (الجزيرة) و(المستقبل الإخبارية) اشارت إلى أنه في ولايته الدستورية الثانية نجح بنسبة (ستين بالمئة).. وهي، كما ترون، نسبة تجعل وجه الإنسان يحمرُّ، وجبينه يتعرق خجلاً.. فالسيد الرئيس الراحل صدام حسين، في آخر استفتاء أجري له قبل الغزو الأمريكي الغاشم للعراق، فاز بنسبة تستحق أن تسجل في موسوعة غينيس للأرقام القياسية، وهي مئة بالمئة، أضف إلى ذلك أنه لم يقبل أحدٌ من الناخبين الذين صوتوا له بالإجماع أن يضع ورقته في صندوق الاقتراع عالهدا يابا عالهدا (كما زعم وديع الصافي)، بل إنهم زحفوا إلى الصناديق زحفاً، ووضعوا أصواتهم في الصناديق على إيقاع الطبول، والرقص والغناء وزغاريد النساء وإطلاق النار في الهواء.
تعلموا الديمقراطية منا يا جماعة العالم الآخر! الندادة الأوتوماتيكية!
يوم الجمعة الثامن من تشرين الأول (أكتوبر) الحالي أذاعت محطة البي بي سي الفضائية الناطقة بالعربية خبراً مصوراً عن مستوطن صهيوني دهس، بسيارته، عامداً متعمداً، فتيةً فلسطينيين في سن المراهقة. أتبعته بخبر عن اغتيال الصهاينة قياديين اثنين من قياديي ‘القَسَّام’. وقال الخبر: إن السلطة الفلسطينية، والعديد من الدول العربية، استنكروا الحادثتين، و(نددوا) بهما على الفور.
والحقيقة أن البي بي سي أسعفتنا بعبارة (أن العرب نددوا بالحادثتين على الفور)، بعد أن أوشكنا على الظن بأنهم سيتركان الجريمتين تمران بسلام، أي (من دون تنديد!). ولم تحدد القناة ما إذا كان التنديد قد تم (يدوياً)، أم باستخدام الندادة الأوتوماتيكية.
ذلك أن العرب، المشهورين بالعزة والكرامة،.. ما زالوا يتعرضون، منذ أن سقطت فلسطين في أيدي الصهاينة، شذاذ الآفاق، أعداءِ الحضارة الإنسانية، للقتل، والتدمير والإبادة والاقتلاع من الجذور، ولكنهم لم يقفوا قطُّ مكتوفي الأيدي حيال هذه الجرائم المتكررة، بل نددوا بها جميعاً، فقد ارتأوا، بعد طول تجربة ومراس، أن (التنديد) بأفعال الأعداء المجرمين من أكثر الأسلحة مضاء وفتكاً، ويعطي نتائج سريعة ومضمونة، فاتخذوا منه شعاراً استراتيجياً.. ولكن ما كان يعيق حركتهم في مجال التنديد، سابقاً، هو بطء الحركة الناجم عن التشاور وعقد اجتماعات اللجان، والمراسلات المملة، والأخذ والعطاء، والقال والقلنا، فلا يصدر التنديد عنهم إلا ويكون العدو قد ضرب ضربته وهرب على مبدأ (الكف لمن سطره). مزايا الندادة الأوتوماتيكية: من شأن الندادة الأوتوماتيكية حرق المراحل، وإصدار بيانات التنديد بلمح البصر، وفور ارتكاب العدو للمجزرة. وتقوم بعدة عمليات معقدة في نفس الوقت. فهي تشجب، وتستنكر، وتدين، وترفع شكوى عاجلة إلى مجلس الأمن، والجمعية العمومية، ومنظمات حقوق الإنسان.. وتنظم مظاهرات شعبية في شوارع الدول الأوروبية الديمقراطية، ومُسَيَّرات (عفوية) في المدن العربية، تندد بجرائم الأعداء من دون تدخل من الشرطة! وتطالب أمريكا بالكف عن الإيعاز لإسرائيل بقتلنا، وترجوها أن تنسحب من أراضينا فوراً، وتحذر أمريكا من مغبة الكيل بمكيالين فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي.
ملاحظة أولى: الجيل الثاني من الندادة الأوتوماتيكية، وبالإضافة إلى المهام السابقة، يرجو أمريكا ألا تستخدم الفيتو ضد القرارات التي تتخذ في مجلس الأمن وتنص على منع قتل المدنيين من شعبنا.
ملاحظة ثانية: الجيل الثالث منها يرجو حلفاءنا التقليديين عدم تغيير مواقفهم والانخراط في الركب الأمريكي ملاحظة ثالثة: الجيل الرابع من الندادة الأوتوماتيكية يقشر خياراً وبطاطا ويقور كوسا، ويجوف دعابيل الكبة المقلية، ويعزف، في الوقت نفسه، موسيقا دبكة ‘الهوارة’ و’الحاصودي’ و’يخرب بيتك يا وطفي’!! كوميديا يا روح!
يذكرنا مسلسل (بقعة ضوء- الجزء السابع) الذي بدأت الفضائية السورية تعرضه بعد انتهاء (طوشة) العروض الدرامية الرمضانية التي اختلط فيها الحابل بالنابل- على حد تعبير زياد الرحباني في إحدى أغانيه- بالرسوم التي تنشر في مجلات الأطفال. فالطفل إذا رسم منظراً طبيعياً فإنه يكتب على الشجرة (شجرة) وعلى السماء (سماء) وعلى العصافير (عصافير) ظناً منه أن مثل هذا الشرح ضروري.
لم يكتب السيد ناجي طعمي على مسلسله كلمة (كوميديا)، ولكنه أشار إلى ذلك من خلال حركة الممثلين القائمة على المبالغة (overcting)، وعلى الموسيقى التي اعتمدها مبتكر ‘بقعة ضوء’ المخرج المتميز الليث حجو الذي أبدع في إخراج الجزءين الأول والثاني من هذا العمل.
ولعل المثال الأكثر إبهاراً في شغل ناجي طعمي هو تلك اللوحة التي تحكي عن بنت جميلة جداً، وغنية إلى درجة أنها تسكن في قصر منيف، استطاع الفنان السيد أيمن رضا أن يأخذ لها صوراً على موبايله، وشرع يهددها بهذه الصور، ويبتزها.
المقولة الرائعة التي يمكن الخروج بها من هذه اللوحة هي أن هذه البنت الغنية معتدى عليها، ومظلومة، وأما الشاب الذي يبتزها فهو عامل يتقلب بين عدة مهن صعبة. وما عليك أيها المشاهد إلى أن تتعاطف مع هذه الغنية الطيبة، ضد ذلك العامل الفقير، الحقير!
قاص وكاتب من سورية- [email protected]