الفلسطيني الزنديق!

حجم الخط
0

الياس خوري

يشكل فيلم ميشال خليفة ‘زنديق’، علامة فارقة في تجربة مؤسس السينما الفلسطينية المعاصرة. فيه يقترب صاحب ‘الذاكرة الخصبة’ من السيرة الذاتية من دون ان يصنع فيلما يمكن وصفه بأنه سيرة ذاتية، ويعالج مناطق حساسة في رؤية الواقع الفلسطيني من داخله وخارجه.

بطل الفيلم، الذي يلعب دوره محمد بكري في شكل رائع، يشبه مخرجه، في انه سينمائي فلسطيني يعيش في الخارج، ويأتي الى فلسطين زائراً، كي يصوّر فيلما عن نكبة 1948. لكنه بدلا من ان يصوّر فيلمه، يصير بطلا لفيلم ميشال خليفة. ومع مشاهد ذاكرة النكبة، نعثر على مشاهد الحاضر في مدينة الناصرة، وهي المدينة الفلسطينية الوحيدة خلف الخط الأخضر، التي لم يطرد اكثرية سكانها، واكتفى الاسرائيليون ببناء مدينة الناصرة العليا فوقها. وبدل ان تأتينا الناصرة بحكايات الصمود والبطولة، يأتينا حاضرها بحكايات الثأر العائلي، وباشارات غامضة من قصة نكبتها عام 1948 المسكوت عنها في شكل كامل.

سبق لايليا سليمان، وهو ايضا مخرج نصراوي، ان روى لنا في فيلمه الأخير الاوتوبيوغرافي حكاية استسلام الناصرة وسقوطها، وصوّر لنا جيش الانقاذ في شكل كاريكاتوري، ولامس الحياة اليومية في مدينته من دون اسقاطات ايديولوجية، وعبر لغة ما بعد حداثية متقنة.

ميشال خليفة يذهب الى المدينة نفسها، مدينته، كي يبحث عن ذاكرته، فيصطدم بالحاضر، وتصير العلاقة بالمدينة التي يعود اليها المخرج كي يحضر جنازة احد اقربائه، مسرحا لليل من المطاردات. الذاكرة تطارد البطل، والفنادق تقفل في وجهه، وعين العذراء جفّ ماؤها، والليل مليء بأشباح المشردين والزعران، واطفال غزة يعملون بشكل غير شرعي في المدينة، ويتعرضون للاستغلال.

الحكاية بسيطة ومترابطة. انها حكاية مخرج يعيش في الخارج. كان عليه ان يعود ويعيش ليل الثأر العائلي المخيف، حيث يشعر بأنه مهدد بالقتل من قبل عائلة نصراوية اخرى، كي تنقشع الرؤية امامه، ويرى في عتمة ليل المدينة ما لم يستطع ان يراه تحت اضواء كاميرته في تصويرها حكايات النكبة، وملامستها وحشية جدار الفصل العنصري الاسرائيلي.

في عتمة ليل المطاردة والنوم في السيارة والعطش، ينكسر في داخله الدون جوان الذي كانه، حين يكتشف كم اساء الى صديقته ومساعدته بمغامراته الجنسية العابرة، التي كانت تأكيدا على سلطة ذكوريته.

كما تنكسر الذاكرة، عندما يذهب الى بيت اهله المهجور، ويلتقي بصوره العائلية، ويقيم حوارا مع شبح امه.

احراق الصور والصليب، كان جزءا من لعبة محاولة كسر المحرّم حول حكاية الناصرة عام 1948، وحين يسأل امه لماذا بقي اهل الناصرة في مدينتهم عام 1948، فانها بدلا من ان تجيب، تحدثه بحنان الأم، وتسأله لماذا يعرّي الفتيات في افلامه؟

المسكوت عنه لا ينكشف. في لحظة اللقاء بالأم وبروز السؤال بدا للمشاهد ان ميشال خليفة سوف يذهب الى المنطقة المحرمة التي سبق لانطون شماس في ‘ارابيسك’ ان اعلنها حين وصف الدبكة الشمالية التي رقصها اهالي فسّوطة امام ‘جيش اليهود’ معلنين استسلام قريتهم.

الأم لا تروي، تحمل في داخلها حكمة من قرر ان البقاء في الوطن حتى ولو كان ثمن ذلك باهظاً هو افضل من اللجوء، وهكذا يبقى سؤال المخرج- البطل بلا جواب.

تشعر وانت ترى الفيلم انك امام لحظة صدق كاملة، ميشال خليفة صادق وحساس ومقتنع بأن الصدق هو طريقه للاقتراب في شكل جديد من مأساة شعبه، التي لم يعد من الجائز تلخيصها عبر وضع جميع تبعاتها على المحتل الصهيوني. بنية المجتمع الفلسطيني العائلية والعشائرية تتحمل هي ايضا قسطها من المسؤولية. والمثقف المهاجر الذي لا يرى الحاضر الا في وصفه امتدادا آلياً لذاكرة النكبة مسؤول هو ايضاً. كما ان الذكورة والاسطورة والاوهام، كلها عوامل في ديمومة النكبة واستمرارها.

غير ان صدق المخرج يقوده الى تكثيف استعاراته، عين العذراء التي جف ماؤها تصير استعارة، والبيت العتيق يصير رمزاً، والعلاقة بالنساء الاسرائيليات تصير مجازاً، وتصل الاستعارة الى ذروتها في مشاهد المساعدة- الصديقة، التي تجسّد كل الرموز دفعة واحدة، وتصير في النهاية معادلا لمريم العذراء.

هذا التأرجح بين الواقعية القاسية التي تعبّر عنها مشاهد العنف الليلي ومناخات الثأر العائلي، وبين الرمز والمجاز، يرسم حدود زندقة ‘الزنديق’ في فيلمه. فالزندقة اطار رمزي لعلاقة الحب والحنو مع الأم، كما ان الذكورة المتسلطة ليست سوى الوجه الآخر لصور الحنان التي تجسدها المرأة العارية وهي تتغطى بالشرشف، جاعلة من الرغبة مساحة محتملة لحب سوف يأتي في النهاية، وينقذ بطل الفيلم من حيرته.

ليلة العتمة ومطاردة النوم، جعلت الزنديق يكتشف ان سؤال النكبة هو سؤال شخصي ايضا وليس سؤالا جماعيا فقط، وان سر الفلسطيني يكمن في العلاقة مع الأم- الأرض، التي تصير الحبيبة- الأرض وتغطي رأسها بشال مريم العذراء، وتمشي على الماء مثلما مشى ابنها منذ الفي سنة، قبل ان يصعد الى الصليب.

لا يقترح علينا ميشال خليفة سوى النظر الى واقعنا من جوانبه المعتمة، لكن صدقه بالذات هو من يقوده في النهاية الى المجاز، جاعلاً من زندقته انكسارا للرموز الفلسطينية في سياق التصالح معها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية