■ يردد عدد كبير من مراقبي المشهد العراقي من الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في دول الغرب والشرق، في أن تشكيل حكومة إنقاذ مدنية من دون نوري المالكي، والتفريق بين داعش وأصحاب المطالب السياسية من العرب السنّة، سيفضي إلى عودة الهدوء والطمأنينة والسلام، وتوقف الفصائل المسلحة وثوار العشائر عن القتال، وقبولها في التعامل مع الحكومة المركزية ومن ثم إنهاء تعاطفهم مع تنظيم داعش، المتطرف الذي استغلّ استياء العشائر السنية من سياسة حكومة المالكي وبطش جيشه وميليشياته ضدها.
في الوقت الذي يتربص فيه ويراقب العديد من الشخصيات الطائفية الأخرى هذه الفرصة، بعد أن أيقنوا ان ما يحدث في العراق هو نهاية لشخص نوري المالكي ونظامه الديكتاتوري، وان الوقت حان لتبديل الرؤوس وتغيير الأسماء، مع إبقاء نفس العقول واختيار البديل من داخل الائتلاف والتحالف المذهبي، وبالتحديد من قائمته (دولة القانون)، وبمباركة المرجعية الدينية، من أجل تشكيل الحكومة، في إطار الاستحقاقات الانتخابية التي أفرزتها الانتخابات التشريعية الأخيرة، وضمن السياقات الدستورية التي جاء بها نظام المحاصصة الطائفية.
وهنا تكمن الإشكالية الكبرى في طريقة التعاطي العملي وتطورات الأحداث، حيث يتناسى البعض ان نوري المالكي كان قد تميز بجدارة ومنذ استلامه للسلطة، باعتباره زعيما طائفيا ومذهبيا لتجربة اثنية، ساهمت في الوصول إلى هذا الوضع الحالي. فالمالكي شئنا أم أبينا هو رمز لثقافة الأحزاب الفئوية، كما انه لا يختلف عن زملائه من زعماء الأحزاب الدينية الشيعية، حيث جاء إلى السلطة عام 2006، وتمركز في حكم البلد تدريجيا، انطلاقا من قاعدته الانتخابية الفئوية، بسلطوية طائفية وعلى حساب المكونات العراقية الأخرى.
من الواضح ان قدرة نوري المالكي والأحزاب المذهبية في تشكيل حكومة وحدة وطنية قد أصبحت في غاية الصعوبة، نتيجة للتداعيات الأخيرة، ودور ثورة العشائر في إرساء توازن سياسي وعسكري جديد، قد يقلب الموازين ويدفع بنوري المالكي وغيره من قادة الأحزاب الطائفية إلى خارج نطاق حدود العملية السياسية القادمة، نتيجة ليأس المكونات العراقية الأخرى من هذا النظام السياسي الطائفي الذي خلقته وأرســـته الولايات المتحدة بعد عام 2003.
كما قد يكون الوضع مماثلاً، بل أكثر خطورة في حالة الرجوع إلى خيار معاكس آخر، يتمثل في إيجاد شخصية سياسية جديدة لمنصب رئيس الوزراء من الائتلافات السنية العراقية، لإقناع المكون السني بالعودة إلى اللعبة السياسية، وهو الخيار البعيد الذي من شأنه أن لا يحصل على موافقة الطبقة السياسية الشيعية وحاضنتها إيران. وهذا قد يعني ويؤشر الى نهاية للنظام السياسي الطائفي التحاصصي، الذي أنشأه الأمريكيون بعد احتلال العراق عام 2003، الذي تم رسمه وفقا لقاعدة اثنية تقاسمية، ساعدت الاستراتيجيات الإقليمية بين إيران من جهة، وتركيا والدول العربية من جهة أخرى، ورغبة هذه الدول في دعم التطرف الشيعي والسني من الخارج من إبطال القدرة على إصلاحه من قبل المجتمع العراقي، ومن ثم خلق فجوة قسمت العراقيين وعمقت التناقض الفكري البدائي القديم، والخلافات السياسية للخلافة التي أكل الزمان عليه وشرب.
وهنا لابد من الاعتراف بأن هذه الفجوة التي يعيشها العراق ومن منظور الجغرافية السياسية، كانت نتيجة لوقوع بلاد الرافدين عند تقاطع الخط الفاصل الذي يرسم العالمين العربي والفارسي، وبعد الرغبة الإيرانية في إعادة رسم خطوط الإمبراطورية الفارسية مذهبيا وعسكريا ونووياً، ابتداء من تراب العراق ومن ثم سوريا، عن طريق قنوات الإسلام السياسي المذهبي، الذي وجد له أرضا خصبة في قصبات ومدن الفرات الأوسط والجنوب.
من هنا فإن المتابع للوقائع ومسار الرسم البياني للإستراتيجية القومية الإيرانية، التي تعكس حقائق الموقف الحالي وعلاقتها بالواقع الإقليمي العربي والدولي الذي تمثله أمريكا، يلاحظ أن العراق أصبح الساحة المتقدمة والمصيرية لهذه الإستراتيجية القومية، سواء كان هذا من خلال علاقات إيران بالعالم العربي، او من خلال علاقات النخبة العسكرية وقوات الحرس الثوري الإيراني المتوترة مع الغرب، في ما يتعلق بالملف النووي المثير للجدل، وارتباط الولايات المتحــــدة الأمريكية المباشر بمخطط كشف حقيقة هذا المشروع النووي العسكري، امريكا التي هي في الوقت نفسه اللاعب الآخر وشريك إيران على التراب العراقي، والمنافس في الوقت نفسه للوضع السياسي الحالي في العراق.
وما بين المُعلن في ما قاله الوزير جون كيري في بغـداد وأربيل في أن سقوط العديد من المدن العراقية قد يشكل «تهديدا وجوديا» لدولة العراق، وما بين المخفي الناتج عن السياسة الأمريكية في المنطقة وعلاقتها بمستقبل المنطقة وممارسة الدبلوماسيين فن صياغة الكلام، يختفي الكثير من الحقائق عن مستقبل ووحدة العراق وتكبر مسافات التناقض بينهما.
٭ كاتب من تيار المواطنة العراقي
أمير المفرجي