الرحمة.. لا التوطين

حجم الخط
0

لطالما قتلنا باسم الحرية وحقوق الإنسان، وطالما انتهكت حرماتنا باسم نشر الديمقراطية ومحاربة الإرهاب. شعارات ٌ جمــــــيلة ورنانة، لكننا نسأل أين كانت وتكون حين نضرب ونبكي كما هي الحال في حرب غزة الاخــــيرة، فأيـــن كانت الإنسانية حينها وكذلك فــــي حصــــار ودمار مخيم جنين وغيرها من مسلسلات ذبحنا وتشريدنا من مخيم الى آخر من عمر هذا الشعب والقضية.

وما يزيد النفس أسى أنه كلما اشتد الخناق على لبنان زاد الحديث عن التوطين ووضع الفلسطينيين في لبنان، وكأن المشكلة العربية وتداخلاتها أضحت هي التوطين، لتبدأ الزعامات اللبنانية تحاور نفسها من دون الرجوع إلى زعماء وممثلي السلطة الفلسطينية، ويدخلون أنفسهم بمزاد علني عن حقيقة عدد الفلسطينيين المقيمين على الأرض اللبنانية فهذا يقول أربعمئة ألف وآخر خمسمئة ألف ناسين ما فعلته الحرب اللبنانية والاجتياح الإسرائيلي، مما أدى إلى تهجير أعداد كبيرة منهم إلى أوروبا وغيرها من بقاع الأرض، ومن لم يستطع لا حول ولا قوة له إلا بالله.

فإذا كان إعطاء الحقوق المدنية، ومنها حق التملك هو خدمة لاسرائيل، دعونا نسأل حتى نفهم ليس الا، ان عدم إعطاء هذه الحقوق للفلسطينيين هو خدمة لمن؟

والمضحك المبكي في هذا حين تطالعنا نشرات المساء الاخبارية ومن على شاشة ‘الاو تي في’ الموقرة بأن المجلس النيابي الكريم اقر الامتيازات المدينة للفلسطينيين منها حق العمل غير المفهوم! مع الابقاء على قانون عدم حق التملك، فهل اصبح امتلاك الانسان منزلا هو امتياز، وهل حق العمل لاصحاب المهن الحرة ولمن نال الشهادة الجامعية ومن كافة الاختصاصات هو امتياز لهذا الشخص ايضا، أليس هذا مضحكا ومبكيا في آن؟

إن المجتمع الفلسطيني والمقيم على الاراضي اللبنانية مثله مثل اللبناني في واقع هذه الازمة. فالفلسطيني لم يأت الى لبنان للسياحة وللتملك وكذلك اللبناني لم يكن باستطاعته ان يرفض او يقبل وجود الفلسطيني على ارضه، بل كان امرا واقعا على الشعبين معا في عام 1948. إن الشعب الفلسطيني بحاجة إلى الرحمة والنظر بعين ملؤها الإنسانية، لقد اكتفى ووصل مرحلة الإشباع والتخمة من المناظرات والاستعراض وهو بحاجة إلى القليل القليل من علاقة الإنسان بأخيه الإنسان. ان الشعب اللبناني الذي يتألف من سبع عشرة طائفة واكثر والذي يبلغ تعداده اليوم الثلاثة عشر مليون نسمة، حيث يقيم ثلاثة ملايين شخص منه على ارض لبنان والمقدرة بـ 10452 كلم2 وتنتشر الغالبية العظمى منه في اصقاع العالم وقاراته اللامتناهية ويفتخر اللبناني بهذا والبعض يعتبره بمثابة النفط المتدفق على لبنان. كما يفتخر اللبناني ايضا بنيل أبنائه المناصب العليا، ونستطيع القول والجزم بنيله المناصب الاولى في العالم من رؤساء جمهورية واعضاء في الكونغرس واعضاء في الناسا وغير ذلك في مجالات البحوث والتكنولوجيا والطب، امثال مايكل دبغي وغيره. واخيرا المغنية العالمية شاكيرا التي زارت مدينة زحلة مؤخرا بحثا عن اجدادها وأملاكها!

كيف يستطيع هذا اللبناني المثقف والعامل في الشأن العام من سياسة وطب وهندسة واعلام والذي يتغنى في استقباله لكافة انواع المؤتمرات والاندية والجمعيات العالمية والانسانية ومنها جمعيات حقوق الانسان. وايضا، كيف لهذا اللبناني ان يكون عضوا في كافة الجمعيات التي تدعو الى تقبل الاخر والحرص على محاربة العنصرية واعطاء كل ذي حق حقه، فكيف يستطيع ان يكون شخصيتين في واحدة، وكيف يستطيع ان ينظر بالمرآة ويظهر على شاشات التلفزة ويخطب ويصول ويجول والويل والثبور من عظائم الامور بإعطاء الحقوق المدنية للفلسطيني. وما يدهشنا عضوية لبنان في كل الأنديه العالمية وما يأخذه الشعب الفلسطيني اللاجئ في لبنان من حقوق وما تمارس عليه من قوانين.

آن لك ايها الأخ اللبناني ان تقف ولو لمرة واحدة وتعلم ان الفلسطيني يمتلك علما وعقلا واحساسا وله خمسة اصابع في اليد الواحدة مثلك مثله ومثل الاخرين. إن الشعب الفلسطيني في بلاد الشتات والغربة عاني الكثير الكثير وما يبقيه حيا صابرا هو الأمل بدولته المنشودة ليحتضنه ثراها. هذا الشعب ومنذ نكبته في48 مازال فلسطينيا لم تغيره الرياح العاتية حتى في لهجته، وذلك يعود إلى الأمل الساطع فوق الجنوب، الجنوب.. إلى ذلك الطائر المغرد أغنية العودة والحنين.

آن لك ايها الأخ اللبناني ان تعلم وكما هو حق لك ان تكون الاول في اصقاع العالم عليك ان تنظر بنفس العـــــين لمن يعيـــــش معك ويثري ارضك أيضا بموته، لان ارضك احتوت المفكرين الفلسطينيين والمناضلين والعـــــظماء، اجـــــل ولهذا بتنا نعشق ارض لبنان لانها تحتضــــن اهلنا ومحـــبينا منذ ستة عقود. واكثر من ذلك! كثيرون من هم من اصل فلسطيني من تعداد طوائف لبنان العظيم الذين انخرطوا بالحياة اللبنانية ومنهم من يتجرأ ويعترف بأصله وفصله.

لقد ضاق الحال بهذا الفلسطيني المظلوم والمسجون وآن الاوان ليقول لك كفى حصارا وقيودا وتشديدا، ولو سأل الفلسطيني هل تريد لبنان وطنا او ملكا بديلا عن فلسطين لأجابك بكل بساطة لماذا عشـــــرة مليون لبناني يعيشون خارج وطنهــم لبنان، وهل وطنـــهم لبنان اسس لاحـــــتواء ابنائه من بنية تحتية ومرافق وحقــــوق وهل أمن الوظائف لابنــــائه حتى يعودوا؟ ولأجابك ايضا ما هو المغري للفلسطيني اللاجئ في لبنان والمحروم مــــن الســـفر والعمل والتملك والمحروم من زيارة الجــــنوب ليرى تـــلال بلاده الا بعد موافقه امنية!

لقد ضاق صدر الفلسطيني وهو يرى ابناءه الناجحين والمتفوقين والذين يعملون في المستشفيات اللبنانية بأسماء لبنانية مستعارة وليس بصفتهم الفلسطينية. ان الفلسطيني عاش غريبا ويموت غريبا فطوبى للغرباء. وهنا يحضرني قول رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ‘اللهم اني اشكو اليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس ان لم يكن بك غضب علي فإنني لا ابالي’. لقد آن الأوان أن يعلم القاصي والداني من العرب، وبالأخص الشعب اللبناني ممثلا ً في قياداته علما فعليا لا خطابيا أن إسرائيل شر مطلق وإنها الشوكة في خاصرة القومية العربية والاقتصاد العربي وبكل تأكيد من ورائها المحافل الدولية لما لها من أطماع في عالمنا العربي لذلك تسعى لزرع وجعل إسرائيل الحكم في قلب جامعة الدول العربية وحينها سيكون السؤال الأهم لمن هو التوطين. فمع حرمان الفلسطيني من النضال لاسترجاع ارضه من كافة الجبهات العربية الملاصقة لفلسطين ولن اخص لبنان في هذا، ولكن مع تشديد القيود المدنية والسياسية عليه وحرمانه من السفر والعمل والتملك وعدم قدرته على تعليم ابنائه واستشفاء عياله واهله في ظل الوضع الاقتصادي اللبناني المعروف وعدم وجود رعاية له بالمعنى الصحيح، هل يستطيع العامل بالشأن العام والوطني والقومي ان يجيبني عن سؤالي، اي قطار سيستقل المجتمع الفلسطيني المسافر منذ نكبته عام 1948 والمدفوع بقوة لان يكون مسافرا دائما، لا بل ممنوع عليه التعب والملل؟ كذلك في اية محطة من محطات العزل والقهر والظلم تريدون هذا الشعب ان يترجل… حسين جمعة – بعلبك لبنان [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية