توفيق أبو إرشيدما ينقص الآن سوى عمل عنيف (إرهابي) في فرنسا أو ألمانيا تبشرنا به الدوائر الأمنية الأمريكية والبريطانية، حتى تستكمل دائرة عدم الثقة إزاء العرب والمسلمين، ليس في فرنسا وألمانيا وحدها وإنما بكل أوروبا، وتتحول إلى عداء ميداني معلن لن تخفف منه تصريحات رئيس ألمانيا كريستيان وولف حول الإسلام الذي أصبح برأيه جزءاً من المجتمع الألماني إلى جانب المسيحية واليهودية.
فالمتابع لتطورات العلاقة بين المجتمعات الأوروبية ومواطنيها من العرب والمسلمين لا بد أن تخيفــــه ثقافـــــة الشكوك المتزايدة المعلنة من جانب هذه المجتمعات إزاء ما لا يقل عن خمسة ملايين عــــربي ومسلم في فرنسا، ومثلها في ألمانيا التي أخذ الحديث فيــــها يضرب على وتر حياة الناس الاقتصادية والضغط الذي تتـــــعرض له فرص العمل وتكاليف المعيشة وأنظمة الضمان الاجتماعي منذ دخـــــول هذه البلاد فضاء العولمة الاقتصادية وانفجار الأزمة المالية العالميــة مؤخراً.
ولم تكن الزوبعة الكبيرة التي أثارها المصرفي الألماني تيلو ساراتسين في نهاية شهر آب/اغسطس الماضي آخر حلقات هذا المشهد، إذ صدر مؤخراً استطلاع للرأي في ألمانيا يرى فيه غالبية الألمان أن الجالية المسلمة تشكل عبئاً اقتصادياً عليهم. وكان ما لا يقل عن 70′ من المستطلعة آراؤهم قد أيدوا ما جاء في كتاب المصرفي الألماني الذي يحمل عنوان (ألمانيا تبيد نفسها) رغم ما يحمله الكـــــتاب من اراء عنصرية وإحصاءات انتقـــــائية تنـــــدرج ضمن الحــــملة الشرسة التي يتعرض لها العرب والمسلمون منذ أحداث الحادي عشر من ايلول/ سبتمبر، ولكن على الطريقــــة الألمانية، حيث ورد في الكـــتاب ما يشير إلى الضغط الذي يشكله المهاجرون المسلمون، وخاصة الأتراك والعرب منهم في ألمانيا على نظام الرعاية الاجتماعية والصحية، في الوقت الذي لا يقدمون للاقتصاد مقابل ذلك شيئاً يذكر. ورغم تشكيك الكثير من المختصين بالإحصاءات التي أوردها ساراتسين في كتابه، كما هي الحال مع أستاذة الإحصاء والتحليل الاجتماعي ببرلين نايكا فورتون، التي أكدت أن 80′ من مسلمي البلاد هم عمال وموظفون ودافعو ضرائب وليسوا متلقي معونات. إلا أن التعاطف الذي أظهره المجتمع الألماني مع الكتاب والكاتب يكشف عن عمق التعبئة العنصرية التي استهدفت يوما ما مواطنيهم اليهود وأنتجت قصة مروعة لم يعان اليهود وحدهم منها، بل ولسخرية القدر عانينا نحن ولا زلنا من تداعياتها أشد المعاناة. المجتمع الألماني حسب – الكاتب المصرفي – يفقد ذكاءه تدريجياً بسبب غباء مواطنيه المسلمين الذين يهددون ألمانيا وأوروبا ديمغرافيا، وليس لديهم أية قابلية للاندماج. لقد أربك الكتاب والكاتب الأوساط السياسية في ألمانيا قليلاً بسبب عنصريته الفجة، واستقر الأمر على إزاحته من موقعة الوظيفي الرفيع في البنك المركزي الألماني مع عدم المساس بحقوقه المالية، خاصة بعدما أشار في أحدى تعليقاته اللاحقة إلى اختلاف جينات اليهود عن غيرهم، ما فهم منه إساءة لليهود كانت السبب الحقيقي وراء إزاحته.
إن تفكيك وتفنيد نظرية ساراتسين ليس صعباً من ناحية أكاديمية أقلها تسجيل الدور الكبير الذي لعبه العمال المسلمون، وخاصة الأتراك منهم في إعادة بناء الاقتصاد الألماني بعد الحرب العالمية الثانية على مدى سنوات طويلة، وهذه حقيقة لا تقبل الجدل، بيد أن استحقاق التعامل مع أبناء المهاجرين من قبل ألمانيا وفرنسا والذين لا يعرفون غير هذين البلدين وطناً لهم، هو التحدي الكبير الذي يواجه هذين المجتمعين الأوروبيين ومجتمعات أوربية أخرى، إذ بدا أن الشرائح الاجتماعية الأدنى فيها التي لا تتلقى فرصاً عادلة بالتعليم والعمل والسكن والتي يلوح شبح الفقر عليها هي بأكثريتها من المهاجرين وأبنائهم، ويتضح ذلك في فرنسا حيث يشتد الصراع بين مجتمعات الضواحي وأجهزة الدولة، معيداً إنتاج صراع إثني وديني في ظاهره، وصراع طبقي في جوهره.
وعليه فإن تزايد وتيرة النقد للاسلام من قبل النخب الغربية تندرج في جزء مهم منها في مستلزمات الصراع المرشح للتصعيد بين أوروبا، وما أصبح يسمى تعسفاً (المهاجرين) ذوي الثقافة المختلفة.
ولا بد من الإشارة هنا الى أن الوضع الحالي للجالية العربية والإسلامية في الولايات المتحدة الأمريكية مأزوم بشكل أكبر ويختلف في بعض جوانبه من حيث التوصيف، حيث يتم طرح التعامل معهم هناك على أساس أمني وتشتق مشاكلهم الكبيرة من هذا الجانب بشكل أساسي، بيد أن الأخطار التي تواجههم ربما بدت أشد في مرحلة من المراحل حتى وصل الأمر ببعضهم إلى التحذير من هولوكوست جديد يكون وقوده العرب والمسلمين في أمريكا، اذا استمرت وتيرة التعبئة الأمنية و الدينية ضدهم على النحو الذي ساد في الفترة الثانية من حكم جورج بوش الابن. هناك من يجادل في الغرب بأن هذا الوضع نشأ نتيجة صعود الأصولية الإسلامية، التي لن تكون أوروبا الجارة في منأى عن تداعياتها السياسية والاجتــــماعية والأمنية، من دون حتى محاولة فهم هذا الصعود، وسيقود هذا التسطيح وربما التضـــــليل المتعمد إلى مزيد من التشققات في العلاقة بين الغـــــرب المسيحي أو الليبرالي والعالم الإسلامي. إذ أن القليل من الناس في أوروبا وبشكل اقل في أمريكيا تعرف ان الانشقاق ذا الطابع التاريـــــخي الذي يحدث الآن في العلاقات بين الغــــــرب والإسلام والمسلمين هو نــــتاج السلوك الامبراطوري الامريكي والرأسمالي عموماً ونتاج عمل دؤوب واظبت عليه الحركة الصهيونية وأنصــــارها لإعادة رسم الجــبهات في الصراع العالمي، ما يسمح لمشروعها بالتقدم من دون أي تهديد حقيقي.
ونظراً لغياب الرؤية الواضحة لدى العرب والمسلمين في أوروبا حول مجمل الأسئلة التي تواجههم هناك، مثل الاندماج والعمل والثقافة ونشأة الأبناء والعلاقة مع الأوطان الأصلية، وبالنظر إلى عدم إطمئنانهم إلى مواقف حكومات بلادهم الأصلية (ربما باستثناء تركيا حالياً) فليس من الصعوبة ملاحظة التوتر والحساسية الشديدة الظاهرة على تصرفات ومجادلات نخبهم الثقافية والاجتماعية والدينية، وقد يدفع هذا الوضع إلى اضطراب في ردات فعلهم مثل الإصرار المبالغ به على إبراز هوياتهم الوطنية والدينية والتركيز على المتعارض في ظاهره مع المجتمعات الأوروبية، مما يقود على المدى البعيد إلى تهميش الجاليات العربية والإسلامية ودفعها إلى الرحيل أو العيش بمعازل لا كرامة فيها. ‘ كاتب سياسي – الاردن[email protected]