د. فايز رشيد ما الذي يجري في الوطن العربي، كيف يجري الانتقال السريع من التمحور تجاه قضايا الصراع الأساسية إلى صراعات جانبية، طائفية ومذهبية واثنية تأخذ سمة التناقضات الرئيسية، وتتخذ شكل القنابل الموقوتة وقد بدأت تتفجر في أكثر من ساحة عربية، وهي قابلة للاشتعال كعدوى فيروسية في أقطار عربية جديدة، إنها سايكس بيكو الثانية التي لم يجر الإعلان عن عقدها وتوقيعها، لكن يجري تطبيقها بتسارع كبير في بلدان وكأنها مهيأة منذ وقت طويل لهذا الأمر. هذه الصراعات الجديدة بدأت تنخر الجسد العربي، وتشي آفاقها بامكانية هيمنتها على كل الصراعات الرئيسية الأخرى والتحديات الكثيرة والكبيرة الخارجية والداخلية أيضاً، والأخيرة هي أيضاً في ازدياد. ندرك الفشل التام للنظام الرسمي العربي في حل أبسط الإشكالات الحياتية للمواطنين العرب في غالبية أقطارهم، فكيف بالقضايا الأساسية: كالديمقراطية ووحدة الشعب تجاه ما يواجهه من تحديات، وبدلاً من تكافؤ الفرص وسيادة العدل ودولة القانون، ازداد الفساد والفقر والمحسوبية والغلاء والبطالة والتخصيص، واتسعت الهوة بين الطبقات، وتآكلت الطبقة الوسطى لصالح امتداد الطبقة الفقيرة وإيغالها بعيداً في طريق ما دون نسبة الحد الأدنى من العوز والحاجة. ندرك أن هذه ملهاة النظام الرسمي العربي، التي من خلالها يركز دعائم بقائه، إضافة إلى تحالفاته الخارجية سياسياً واقتصادياً، لكن من الصعوبة بمكان إدراك الانتقال السريع للخلل البنيوي المتمثل في الأنماط الجديدة من الصراع إلى العقلية الشعبية العربية، لتركب موجة هذه الصراعات وتؤسس لمرحلة عنوانها الأبرز: بداية تدميرها، وهي الفقيرة والمسحوقة، بدلاً من توحدها في مواجهة قضاياها، أهي نظرية المؤامرة الخارجية باعتبارها السبب في كل تقصيراتنا؟ أهو عجز الأحزاب والقوى والقيادات الشعبية عن تحسس واستشراف المهمات الرئيسية للمرحلة على الصعيدين الوطني والقومي؟ أهو عجز اليسار عن قيادة مرحلة التحرر الوطني الديمقراطي والإجابة عن سمات ومواصفات الراهن من القضايا؟
ومع عدم اغفال نظرية المؤامرة، التي يرى البعض فيها أنها ليست نظرية من الأساس، بقدر ما هي مزاج سياسي خرافي عاجز عن التحليل السببي للحدث، وبالتالي التعامل مع نتائجه، ما كان للمؤامرة أن تفعل فعلها وتتمكن من احداث هذا التأثير لولا وجود الأرضية الخصبة والمعبأة سلفا والمهيأة لأن تحدث المؤامرة فيها كل هذا الخلل والمظاهر السلبية. لقد أدركت إسرائيل منذ نشأتها تأثيرات الخلفية الدينية على الوسط العربي فيها، فقامت بتقسيم العرب إلى مسلمين ومسيحيين، أما المسلمون فقد فصلت عنهم الطائفة الدرزية (مع أن الدروز مسلمون عرب) كذلك تتعامل مع البدو كفئة مستقلة عن العرب، أما على الصعيد المسيحي فإنها تعتبر الكاثوليك واللاتين والموارنة مسيحيين غربيين، وتتعامل مع الأرثوذوكس والأقباط باعتبارهم شرقيين (ليس بالمعنى الديني للتقسيم وإنما بالمعنى الحقوقي أيضاً). لقد عملت إسرائيل على التسخير الدنيوي للدين من خلال التركيز على المسيحية الأصولية في أمريكا وفي الغرب عموماً، وهذا خير داعم لها.
ندرك أيضاً حرص الولايات المتحدة في مرحلة أفغانستان (زمن الاتحاد السوفييتي) على التحالف مع الإسلاموية وقتها لخدمة أهدافها، ولكن وبعد انهيار الشيوعية، وبعد سلسلة من الأحداث قررت أمريكا وضع الإسلاموية في خانة التصنيف التوتاليتاري، والحرص على تشبيهها (وفقاً للرئيس بوش الابن وتصريحاته) بالشيوعية والفاشية، وذلك في تقسميها الجيوسياسي الاستراتيجي عالمياً. ندرك تماماً، أن الشعوبية أيضاً ظهرت في مراحل مختلفة من التاريخ في الحاضنة الإسلامية، رغم أن الدين هو معيار التفاضل بين المسلم والمسلم، لكن هذه الشعوبية اختفت إلى حد ما مع بروز الظاهرة الاستعمارية، وفي ما بعد وقوع معظم أجزاء الوطن العربي تحت الاحتلال الأجنبي. ربما لم تنطبق نفس القاعدة على الشعور الطائفي والمذهبي الديني لدى البعض في العالم العربي في الفترة المعنية، أي أن الظاهرتين وبدلاً من الاختفاء اتخذتا مظهراً سكونياً، لكنهما لم تكونا عنوانين بارزين في العصر الحديث، بدليل أن المساهمة الفعلية كانت من قبل جميع الطوائف والمذاهب والإثنيات في مرحلة النهضة العربية والحقبة التنويرية، بالشكل الذي يمكن القول فيه ان مثل هذه الظواهر مالت إلى الذوبان بحكم التناقض التناحري الذي كان قائماً مع العدو الخارجي في معركة الاستقلال للدولة الحديثة. في ما بعد، فإن مظاهر بروز الطائفية والمذهبية وإلى حد ما العرقية، لم تتخذ منحىً واحداً في الدول العربية التي توجد فيها طوائف ومذاهب وأعراق مختلفة، وذلك لاختلاف الظروف الموضوعية والذاتية في كل من هذه الدول.
عجز الدولة العربية بمختلف اتجاهاتها السياسية يتوجب أن يلعب دوراً في المزيد من الوحدة لجماهيرية في إطار البلد الواحد ومن ثم على الصعيد القومي. ورغم الغطاء الوطني والقومي العربي للأنظمة الوطنية والقومية العربية، التي كانت ترفعه غالبيتها، لكنها لم تنجح في إنجاز المهمات الوطنية الديمقراطية لشعوبها، باعتبار هذه المهمات كفيلة بإزالة الفوارق بين المذاهب والطوائف والأعراق إن وجدت، وهي كفيلة أيضاً بإزالة الشعور بالغبن الذي قد تشعر به جهة ما، والتي ربما تعيده (تعكسه) إلى انتمائها الديني أو العرقي أو المذهبي، رغم أن الهرم الفوقي يمارس دكتاتوريته ضد عموم الشعب، بغض النظر عن انتماءات شرائحه المجتمعية. الدولة العربية لم تكن قادرة على طرح خطاب حقوقي ذي مصداقية وفي تواؤم مسلكي أيضاً لحقوق الإنسان فيها، وبذلك أوجدت الأرضية (التربة الخصبة) لانعتاق طائفي ومذهبي وإثني في ما بعد، ينطلق عندما تتوفر له ظروفه. يشبّه ابن خلدون في (مقدمته) الدولة التي تريد أن تنبعث بعد أن فقدت أسباب قوتها بـــ(الذبال المشتعل)، فإنه وعند مقاربة انطفائه يومض قليلاً بحيث يجري الوهم أنه اشتعل، بينما في الحقيقة أنه أنطفا.
هذا الواقع في الظروف الطبيعية يتوجب أن يكون حافزاً للقوى الوطنية التقدمية والديمقراطية العربية على الصعيدين المحلي والعام لالتقاط اللحظة، وعلى الأقل توجيه الجهود الشعبية باتجاه مواجهة الصراعات والتناقضات الأساسية الموجودة كتحديات حقيقية. للأسف في الواقع العربي، فإن هذه القوى تمر في مرحلة الأزمة. بالطبع ليس من حلول سحرية آنية سوى العمل والمزيد من النضال عن طريق التوعية الجماهيرية والفعل في أوساطها لمواجهة انزلاقها إلى مواجهات تساهم في المزيد من تفتيت وحدتها.
بالمعنى الاستراتيجي فإن الحلول تتمثل في الدولة العلمانية التي تفصل الدين عن الدولة، ولكن مثل هذا الصرح قد يثير كثيرين على صعيد الشارع العربي، ولذلك فهذا الحل مطروح للنقاش، ولكن حتى لا ينحو الوضع باتجاه المزيد من الانفجار، فيلكن الحل هو الأساس الوطني، مع الأخذ بعين الاعتبار المستجدات الإحصائية لدى الطوائف والمذاهب، على أرضية من التوافق الطائفي والمذهبي الوطني، على أسس ديمقراطية انتخابية تكون كفيلة أيضاً بحل أية خلافات قائمة، إضافة بالطبع إلى الحوار أولاً وثانياً وأخيراً بين الطوائف وبين المذاهب أيضاً.’ كاتب فلسطيني