أزمة معاشات التقاعد في فرنسا… حرب قد يخسرها الجميع

حجم الخط
0

باريس ـ د ب أ: وصل الصراع المرير بين النقابات في فرنسا والرئيس نيكولا ساركوزي بشأن إصلاح نظام معاشات التقاعد إلى مرحلة حاسمة. وبينما توقفت القطارات والحافلات مرة أخرى في مختلف أنحاء البلاد امس الثلاثاء، وبينما لا تزال الكثير من الفصول الدراسية مغلقة، تتصاعد أدلة بأن الجانبين يمكن أن يخرجا من النزاع كخاسرين. والاحتجاج الذي نظم امس في مختلف أنحاء البلاد ضد إصلاح نظام المعاشات التقاعدية هو الثامن منذ طرح ساركوزي لاقتراحه والرابع خلال الاسابيع الخمسة الماضية غير أن ذلك لم يوقف تقدم مشروع القانون في البرلمان. ومع سيطرة حزب ‘الاتحاد من أجل حركة شعبية’ المحافظ في فرنسا وحلفائه من الوسط على أغلبية رئيسية في مجلسي البرلمان فإن موافقته دائما ما تكون قرارا مسبقا ما لم يتدخل الرئيس. ومرر مشروع القانون بسهولة في الجمعية الوطنية في أيلول/سبتمبر الماضي، ويخضع الان لنقاش في مجلس الشيوخ، ولم تقلص لا الاضرابات ولا المظاهرات الحاشدة في الشوارع تقدمه. وقدم ساركوزي ووزير العمل إريك وويرث بعض التنازلات لاسيما فيما يتعلق بالامهات العاملات، لكنهما قالا مرارا إنهما لن يغيرا موقفهما بشأن البند الرئيسي لمشروع القانون الذي سيزيد سن التقاعد بشكل تدريجي من 60 إلى 62 عاما بحلول عام 2018. ولدى فرنسا واحد من أصغر اعمار التقاعد في الاتحاد الاوروبي المكون من 27 دولة. وطبقا لتقرير الاتحاد الاوروبي لعام 2009 بلغ حجم الانفاق على المعاشات في عام 2007 حوالي 13 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي الفرنسي وهو ثاني أكبر معدل في الاتحاد الاوروبي بعد إيطاليا وأعلى من متوسط الاتحاد الاوروبي وهو 10.2 بالمئة. ونتيجة للنهج المتشدد لساركوزي رفعت النقابات سقف مقامرتها في هذه الأزمة. فبدلا من إضرابات ليوم واحد ستكون الاضرابات في السكك الحديدية مصافي النفط وغيرهما من القطاعات لفترة غير محددة حيث يجرى تصويت كل يوم حول العودة إلى العمل أم لا. وهذا يمكن أن يؤدي إلى إصابة الحياة بالشلل بشكل فعلي في البلاد حيث توقف العمل في السكك الحديدية والموانئ ومازالت شاحنات السلع في المرائب ونقص البنزين في محطاته. ويقول زعماء النقابات بأنهم بعيدون عن فكرة الإضراب العام لكنهم سيأملون في عودة المشهد الذي حدث عام 1995 عندما أجبر إضراب طويل ومكلف بالسكك الحديدية رئيس الوزراء السابق آلان جوبيه على اسقاط خططه بشأن المعاشات. لكن إذا لم يتخل ساركوزي عن خطته، وإذا قرر العمال الذين يعانون من ضغوط اقتصادية بسبب أجورهم المنخفضة، العودة إلى العمل ستفقد النقابات معظم قوتها حاليا وربما لعقود. وعلى الرغم من أن هذا السيناريو يبدو هو الفائز لساركوزي إلا إنه من شبه المؤكد أن يكون انتصارا مرا لانه انتصار ينتزع بثمن باهظ للغاية. وبينما وصلت شعبية ساركوزي إلى أدنى مستو لها منذ 18 شهرا قبل الانتخابات الرئاسية المقرر أن تجرى عام 2012 فإنه يكافح من أجل قضية ربما تكون ضرورية من الناحية الاقتصادية لكنها غير شعبية بشكل واسع. وتظهر جميع استطلاعات الرأي أن حوالي سبعة من كل عشرة من البالغين الفرنسيين يعارضون إصلاح المعاشات التي يصفها ساركوزي بأنها أهم بند في أجندة التشريع لولايته التي تستمر خمسة أعوام. وتؤيد اغلبية ضئيلة لكنها مهمة الإضرابات الطويلة. وأصبح نظام المعاشات بالفعل قضية انتخابية حيث يقول الاشتراكيون المعارضون إنهم سيلغونه إذا فازوا في انتخابات عام 2012. وبالاضافة إلى ذلك سيرى الكثير من الناس الموقف المتشدد للحركة المناهضة للاصلاح باعتباره نتيجة لتعنت ساركوزي. وقال رئيس الكونفدرالية الديمقراطية الفرنسية للعمل الذي يتبنى نهجا معتدلا فرنسوا شيراك لاذاعة فرنسا2 امس إن ‘الحكومة تثير تلك الراديكالية’ وحذر من أن ‘الحكومة من المؤكد أنها ستعاني من العواقب في الانتخابات الرئاسية وبعدها’. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الاصلاح أضر بالدعم الذي كان ساركوزي يحظى به بين المسنين الذين كانوا دائما من أكثر المؤيدين له بسبب موقفه الصارم لتطبيق القانون والنظام. وإذا تنازل ساركوزي عن موقفه فيما يتعلق بسن التقاعد، كما فعل في السابق عندما واجه معارضة شعبية واسعة، فإن ذلك سيقلل من مصداقيته في أعين المستثمرين والمحافظين الماليين الاخرين الذين ينظرون إلى الاصلاح على إنه ضروري لتسوية المشكلات المالية والقضاء على العجز.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية