اختتام مهرجان طنجة للفيلم المتوسطي بفوز ‘حياة قصيرة’ لعادل الفاضليطنجة ـ من عبد السلام دخان:
عرفت مدينة الراحل محمد شكري حضوراً لافتا للمهتمين بالشأن السينمائي، وقد تميزت النسخة الثامنة للفيلم المتوسطي القصير بطنجة (4-9/10/2010) بمشاركة 53 فيلما تمثل 19 بلدا، وهي بالإضافة إلى المغرب الجزائر وإسبانيا والبوسنة وقبرص وكرواتيا ومصر وفرنسا وألبانيا واليونان وايطاليا ولبنان وفلسطين والبرتغال وصربيا وسلوفينيا وسورية وتونس وتركيا، وأعلن الشاعر والكاتب عبد اللطيف اللعبي رئيس لجنة تحكيم هذه الدورة في حفل ختامي أدارته الإعلامية فاطمة النوالي، عن النتائج النهائية للدورة الثامنة التي عرفت مشاركة 20 دولة متوسطية، واعتبر صاحب كتاب ‘شاعر يمر’ أن مهرجان طنجة للفيلم القصير المتوسطي أصبح مقياساً لدرجات الإبداع في الضفة المتوسطية، وأكد تنوع هذه التجارب في الرؤى والمخيلات، مما جعل مهمة لجنة التحكيم التي تضم إضافة إلى اللعبي المخرجة المغربية فريدة بليزيد والمخرجة التونسية سلوى بكار والممثلة المغربية ثريا العلوي ومدير البرامج الثقافية بالتلفزة الإسبانية بيير روكا والصحافي والناقد السينمائي اللبناني هوفيك حبشيان، صعبة للغاية فقد عاشت اللجنة حالات من الانقباض بسبب تخليها عن أفلام قوية. وخلصت اللجنة إلى التنويه بشكل خاص بالأفلام اليونانية التي أبانت عن فنية عالية من خلال فيلم ‘جرد’ للمخرج فانجليس كالمباكاس و’ميسيسينا’ للمخرجة صوفيا إكسارشو و’سبعة أحرف’ لنيكوس تزير مياديانوس و’مازالت القطط تسقط فوق رأسي’ لديميترا نيكولو بولو و’يمين يسار’ لأرجيسيجي رومانيديس وستافروس رابتيس. وقد أسفرت مداولات اللجنة التي مرت في جو تسوده اللياقة واحترام الاختلاف – على حد تعبير اللعبي عن منح ثلاث ميزات خاصة لكل من فيلم ‘إي بيكس’ للمخرج السلوفيني بيتار بوزيتش، وفيلم ‘أصوات’ للمخرج التركي فيليزإيسيك بولوت، وفيلم ‘لن نموت’ للمخرجة الجزائرية آمال كاتب. وبخصوص جوائز المسابقة الرسمية للدورة الثامنة للفيلم المتوسطي القصير فاز فيلم ‘حياة قصيرة’ للمغربي عادل الفاضلي بالجائزة الكبرى للمهرجان، محققا بذلك إنجازا مهما في تاريخ هذا المهرجان بوصول شريط مغربي- عربي لأول مرة للجائزة الكبرى، أما جائزة لجنة التحكيم فقد عادت لفيلم ‘جرد’ للمخرج اليوناني فانجليس كالمياكاس، وعادت جائزة السيناريو لفيلم ‘تنديد’ للمخرج التونسي وليد مطر.
نوافذ طنجة السينمائية:
عُرضَت بقاعة سينما الروكسي بطنجة الأفلام المشاركة في المسابقة الرسمية للدورة الثامنة للفيلم المتوسطي القصير، وسمحت نوافذ طنجة السينمائية من الاقتراب من رؤى المواهب المتوسطية ومعرفة إمكانياتها الفنية والجمالية، وقد تميزت هذه الدورة بالمشاركة المغربية الجيدة من خلال فيلم ‘ندوب’ لمهدي السالمي، الذي راهن على موضوعة الانتقام، حيث تلجأ البطلة إلى معاقبة أحد الأطباء بطريقة مشينة. أما فيلم ‘المنحوتة’ للمخرج يونس يونس الركاب فيسرد قصة ‘الطفلة زينب البالغة الثامنة من عمرها، ابنة خادمة تشتغل عند فريد، نحات عمره 40 عاما، يعيش وحيدا في كوخ بإحدى الغابات، تقع الطفلة في حب منحوتة فريدة، هذا الحب سيكون سبب صراع بين الشخصيات الثلاث. وعمدت المخرجة جيهان البحار من خلال شريطها ‘الروح التائهة’ إلى الاشتغال على موضوع يتداخل فيه الجمالي والنفسي بشكل قوي من خلال قصة فنان تشكيلي يبيع لوحاته بالشارع العام، وعلى المستوى الحياتي يقطن هذا الفنان بغرفة تغيب فيها شروط الحياة الكريمة، وفي لحظات عزلته المفرطة تتحدث اليه لوحاته عبر حوار شيق قائم على السخرية السوداء، فيستطيع من خلال هذه الحوارات التي يفهم سر اللوحة التي لم يكملها بعد، ويحقق تصالحا مع نفسه ومع أسرته (الأب). أما شريط ‘حياة قصيرة’ لعادل الفاضلي المتوج بالجائزة الكبرى فقد تميز بمشاركة وازنة للفنانين محمد خيي ومحمد بسطاوي. ويحكي هذا الشريط الذي حظي بتقدير خاص من لدن المشاهدين سيرة طفل ولد في سبعينيات القرن الماضي في شروط صعبة، وقد عمد المخرج إلى جعل عمله الفني زاخرا بإشارات خارجية، مثل حدث المسيرة الخضراء، وتتويج سعيد اعويطة في الألعاب الأولمبية، وأحداث 11 ايلول/ديسمبر، وباستعارات اجتماعية ونفسية. أما المشاركة المغربية الأخيرة التي قدمت مساء يوم الجمعة (08 – 10-2010) فقد كانت للمخرج منير العبار، من خلال شريط ‘أبيض وأسود’ الذي يسرد حكاية امرأة تتعطل سيارتها في طريقها إلى اجتماع عمل، فتضطر إلى إصلاح سيارتها لدى ميكانيكي يتميز برؤية خاصة للزمن. ويعكس هذا الشريط مجموعة من القيم الأخلاقية والسلوكية للذات المغربية التقليدية وللآخر المغربي ‘المتحضر’. وقد تميزت هذه الدورة بنوعية الأفلام المتوسطية من خلال الفيلمين اليونانيين ‘سبعة أحرف’ و’جرد’ والفيلم القبرصي ‘خودات’ والفيلم الإسباني ‘جدة قابلة للنفخ’ والفيلم الفلسطيني ‘الدرس الأول’ للمخرجة عرين عمري، التي سعت إلى تقديم القضية الفلسطينية من منظور جمالي من خلال الصراع على القدس كعاصمة للفلسطينيين. وفي نفس السياق قدمت المخرجة الجزائرية – ذات الأصول المغربية- آمال كاتب عملها السينمائي القصير بحرفية من خلال شريطها ‘لن نموت’. وسعت مواطنتها ياسمين شويخ الى تقديم عمل يتداخل فيه الأسطوري بالاجتماعي من خلال شريط ‘الجن’ الذي تسرد فيه حكاية البطلة التي تصر بعد بلوغها على تحدي الجن الذي يسيطر على أهل القرية. أما فيلم ‘باب للخروج’، فيؤشر الى الورطة التي يقع فيها العاشقان داخل الشقة المهجورة من خلال ضياع المفتاح فتبدأ رحلة البحث عن الحل. وقد سعت المخرجة الشابة ليلى سامي من خلال شريطها ‘صولو’ إلى رصد تفاصيل فوبيا داخلية تعاني منها البطلة التي تبحث في الصباح عن قطعة شوكولاته ولا تجدها. وكان الشريط الفرنسي ‘طنجة، مدينة دولية’ قد حضي بشرف افتتاح هذه الدورة التي عرفت حضور رئيس المركز السينمائي نور الدين الصايل ووزير الاتصال خالد الناصري، والي جهة طنجة تطوان محمد حصاد ورئيس لجنة دعم الانتاج السينمائي الوطني العربي المساري، والأكاديمي حميد العيدوني رئيس مجموعة البحث والدراسات السينمائية والسمعية البصرية بكلية آداب تطوان، وفعاليات ثقافية وإعلامية، مع حرص عدد من الفنانين والفنانات المغاربة الذين وجدوا في الأعمال التلفزيونية وسيلة للاقتراب من المشاهد المغربي، بعد غياب لافت عن الأشرطة المغربية الطويلة، ومنهم من اكتفى بدور الكومبارس في بعض الأعمال الهوليوودية. وبلا شك فإن وجودهم بطنجة يشكل مناسبة للبحث عن أعمال جديدة، خاصة أن إنتاج الأشرطة القصيرة يعرف حيوية ودينامكية لافتة بالمغرب، وهو ما يترجمه وصول شريط عادل الفاضلي ‘حياة قصيرة’ لمنصة التتويج بعدما وصل مواطنه محمد مفتكر سابقا الى نفس المنصة عن فيلمه ‘نهاية الشهر’ في الدورة التاسعة من المهرجان الوطني للفيلم المغربي بطنجة، ليحصل بعد ذلك على الجائزة الكبرى في الدورة الحادية عشرة للمهرجان الوطني للفيلم عن فيلمه ‘براق’. ويحكي فيلم ‘طنجة مدينة دولية’، وهو من إنتاج الاتحاد السينمائي الدولي سنة 1946 ومن إخراج أندري زووبادا، عن صورة مدينة طنجة المتسمة بالتعدد والاختلاف وتعايش الثقافات، وحرص الشريط طيلة ربع ساعة على إبراز هذا التعدد، من خلال مجموعة من الإمكنة مثل شركات الطيران، والبريد، ومحلات صرف العملات والسوق البلدي، وفي الوقت نفسه سعى هذا الشريط إلى إبراز سمات طنجة من خلال تركيز الكاميرا على المساجد والاحياء العتيقة وأنماط اللباس، ولا ينبغي نسيان الطابع الكولياني لهذا الشريط الذي راهن على وضع مقارنة بين الإنسان الأوروبي المتحضر والإنسان الطنجاوي المتشبث بأصالته وهويته، وإذا كان هذا الشريط قد راهن على تقديم صورة عن طنجة في أوجهها المشرقة كمدينة منفتحة قريبة من الضفة الإيبيرية، فإن الأسئلة التي حملها هذا الشريط تجد أجوبتها في راهن هذه المدينة. عزت العلايلي جسر المخيلة والإبداع:
اعتبر مدير المركز السينمائي المغربي في تقديمه للفنان المصري عزت العلايلي صباح يوم السبت (9-10-2010) بفندق الريف بطنجة، ان دعوة عزت العلايلي نابعة من تاريخ هذا الفنان الذي راكم تجربة كبيرة جعلته من أهم الوجوه السينمائية العالمية، وهو صديق المهرجانات المغربية ويستطيع أن يشيد جسراً يمكن أن يوحدنا، وهو جسر المخيلة والإبداع. وفي كلمته اعتبر الفنان عزت العلايلي أن موضوع فن التمثيل ينتمي للسهل الممتنع، وهو من خلال تجربته، حيث أنجز حوالي 75 عملا فنيا منها ‘الأرض’ و’السقا مات’ و’الأقوياء’ و’اسكندرية ليه’ و’الاختيار’، بالاضافة الى أعمال تلفزيونية مثل ‘اللص والكلاب’ و’قال البحر’ و’الجماعة’. يؤكد على أهمية الفن في حياة الإنسان، ذلك ان الإنسان المصري والعربي لم يعرف الفراعنة إلا من خلال التماثيل والجدران ومن خلال دستور وصلنا عن طريق الفن، وفن التمثيل بوصفه فنا راقيا أخذ أشكالا متعددة، لكنه مرتبط بالثقافة الشخصية للممثل، والفنان العلايلي من خلال تجاربه، خاصة تجربته التمثيلية الأولى من خلال معهد الفنون التمثيلية بدأ يدرك أهمية هذا الفن، لذلك التجأ للقراءة والتمرينات الصارمة على يد أساتذة كبار، فأدرك أن الفنان ليس مظهراً بقدر ما هو جوهر، والمسرح هو المكون الأساس للفنان، خاصة في المدارس الفنية المصرية العريقة، ومن هنا تأتي أهمية المزاوجة بين الفكر والتجربة، وسعى الفنان عزت العلايلي في محاضرته إلى تقديم نماذج في التلفظ وفي أنواع المشي: مؤكدا في جل مداخلته أن الجمل صناديق مقفلة مفتاحها الفهم. وخلص في نهايتها إلى أن الفنان اعلى من السياسي لأنه يعبر عن منطوق شعبي.’فلاشات’ المهرجان:
ـ استقطبت الجلسات الصباحية المخصصة لمناقشة الأفلام المبرمجة حضوراً لافتا هذه الدورة غير أن طبيعة المكان’ قاعة فندق شالة’ كانت تعيق العملية التواصلية بين المخرجين والمتدخلين لصغر حجم القاعة وانعدام التهوية الكافية. وشكل اليوم الأخير عبئاً على اللجنة التنظيمية التي اضطرت لبرمجة مناقشة الأفلام السابقة صباحا بفندق شالة أعقبه مباشرة الدرس الذي قدمه الفنان عزت العلايلي بفندق الريف والذي تخلله احتجاج بعض المتدخلين على ما وصفه بانعدام حس التواضع لدى الفنان المغربي، وكانت ردود الحاضرين قوية، لكن مدير المركز السينمائي استطاع تهدئة الوضع مع إصراره على حرية الآخر في التعبير عن رأيه.
ـ أكد عدد من المهتمين بالشأن السينمائي أن تميز هذه الدورة يعود للجنة الفرز التي كانت صائبة في اختياراتها الدقيقة لأفلام المسابقة، غير أن أفلام البانوراما تظل النقطة السوداء في كل دورة بسبب ضعفها الفني والتقني، وانعدام أبسط شروط العمل السينمائي في عدد من هذه الأفلام التي عرفت طريقها إلى العرض بعد الساعة التاسعة ليلا بسينما الروكسي.
ـ على الرغم من الجهد التنظيمي الذي بذلته اللجنة التنظيمية إلا أن عددا كبيرا من الناس لم يتمكن من ولوج قاعة العرض بسينما الروكسي، نظرا لمحدودية المقاعد، ولعدم توفرهم على بطاقة الولوج.
ـ من بين الأسئلة المحرجة التي وجت للفنان عزت العلايلي تعليل سبب خروجه من قاعة العرض مع اقتراب عرض الفيلم الجزائري، وقد برر ذلك بارتفاع ضغطه وعبر عن حبه الكبير للشعب الجزائري وللسينما الجزائرية، وأكد في الوقت نفسه أن ما حدث بسبب مباراة كرة القدم أمر تافه.
ـ لاتزال الأصوات تتعالى في كل دورة سينمائية مستنكرة تنصل الجهات الوصية من إنجاز مشروع المركب الثقافي الذي يضم قاعات متعددة (قاعة سينمائية، قاعة الندوات، مكتبة..) فلا يعقل أن تستقبل مدينة طنجة مهرجان الفيلم المتوسطي القصير ومهرجان الفيلم الوطني في قاعة صغيرة، وفي غياب كلي لقاعة ندوات مشرفة، في ظل النزيف الذي تعرفه القاعات السينمائية بالمغرب التي تتقلص كل سنة. وحسب المركز السينمائي المغربي، فقد كان المغرب يتوفر حتى سنة 2009، على 54 قاعة و77 شاشة وفضاءات تضم مجموعة من القاعات. وهي أرقام مجحفة بالنسبة لبلد كان يتوفر على أزيد من 200 قاعة منذ عشرين سنة مضت.
ـ مع وصول مهرجان الفيلم المتوسطي دورته الثامنة أصبح من اللازم التفكير في طرائق اشتغاله على مستوى الندوات والأوراش التي يمكن أن يستفيد منها المهنيون، خاصة من قبل مخرجين متوسطيين ذوي خبرة في المجال السينمائي، مع ضرورة تخصيص جوائز أخرى تهم أحسن دور رجالي، وأحسن دور نسائي وجائزة المونتاج، وادراج معارض موازية (تشكيلية، وفوتوغرافية).