حظي بأضخم استقبال شعبي وسياسي منذ زيارة البابا قبل 13 سنةبيروت – ‘القدس العربي’ من سعد الياس: قبل أن تحط طائرة الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد في مطار بيروت صباح امس، أعلن من طهران أن ‘ لبنان محور مهمّ للمقاومة والصمود أمام القوى التوسّعية’، واصفاً العلاقات بين إيران ولبنان بـ’المتجذرة’. وقال ‘إن الزيارة’ تهدف إلى تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية والعلمية والثقافية والسياحية بين البلدين والتباحث مع المسوولين اللبنانيين حول العديد من القضايا الاقليمية والدولية’. كما أجرى نجاد قبل مغادرته اتصالين هاتفيين لافتين بكل من العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز والعاهل الاردني الملك عبدالله الثاني.
اما في بيروت فإن الاستقبال الشعبي الذي لقيه الرئيس الايراني لم تشهد العاصمة اللبنانية مثيلاً له منذ 13 سنة تاريخ زيارة البابا يوحنا بولص الثاني. فقد خرجت الجموع الشعبية لتستقبل أحمدي نجاد على طول الطريق من المطار وصولاً الى الحدث رافعة الاعلام اللبنانية والايرانية وشعارات حزب الله ونثرت الورد والارز على موكب نجاد الذي وقف داخل سيارة رباعية الدفع محاطاً بمرافقين أمنيين وسط ترتيبات امنية مشددة وعلى وقع أناشيد صدحت في المكان أبرزها ‘أهلاً بنجاد في معقل الامجاد’، وقد واكبته طوافات عسكرية تابعة للجيش اللبناني على طول الطريق وصولاً الى القصر الجمهوري في بعبدا حيث كان في استقباله رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ورئيس الحكومة سعد الحريري بعدما كان رئيس مجلس النواب نبيه بري في استقباله في المطار ممثلاً الرئيس سليمان اضافة الى عدد من الوزراء والنواب.
وقد رحب الرئيس بري في تصريح أدلى به في صالون الشرف بالرئيس الايراني، وخاطبه قائلاً ‘ قبل وصول طائرتكم قلت ان هذه الزيارة هي جداً مهمة بالنسبة للاصدقاء، ولكنها اصبحت اكثر اهمية بفضل اعدائنا، فأحياناً العدو يخدم اكثر من الصديق’. واضاف ‘فخامة الرئيس انت شاغل الدنيا ومالىء الناس في لبنان منذ ان اعلن عن هذه الزيارة، الحمد لله على السلامة، ولبنان كل لبنان وخصوصاً الجنوب متعطش لرؤيتكم’. ورد الرئيس نجاد شاكراً الرئيس بري على هذا الاستقبال والترحيب وقال: ‘انني بين اخواني وانا اعتز بذلك كثيراً’. واضاف: ‘اليوم هذا يوم آخر بالنسبة لنا، وخصوصاً ان نكون بخدمة اخواننا واحبتنا الاعزاء. ولدينا مثل فارسي يقول: ان العدو يصبح سبب خير اذا اراد الله. ان الاعداء دائماً يتوحشون عندما يرون ان الاصدقاء يستمتعون مع بعضهم البعض’. ولدى وصول الرئيس الايراني الى مدخل قصر بعبدا،’قدّم له طفلان باللباس التراثي اللبناني، باقتين من الزهر وعزفت موسيقى الجيش اللبناني النشيدين اللبناني والايراني. ثم توجّه الرئيسان سليمان ونجاد الى صالون السفراء على السجاد الاحمر بين ثلة من لواء الحرس الجمهوري وعقدا لقاء ثنائياً، في حضور السفير الايراني غضنفر ركن ابادي بصفة مترجم. بعد ذلك توجه اعضاء الوفد الرسمي الايراني ونظراؤهم اللبنانيون الى قاعة مجلس الوزراء، حيث انضم اليهم لاحقاً الرئيسان سليمان ونجاد وعقدت محادثات موسعة في حضور رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري أعقبها التوقيع على اتفاقيات. وبعد انتهاء اللقاء الموسع، توجه الرئيسان الى حديقة الرؤساء يرافقهما الرئيس الحريري حيث زرع الرئيس نجاد ارزة الصداقة اللبنانية – الايرانية ووقّع بعدها على السجل الذهبي في صالون السفراء. وعقد الرئيس الايراني خلوتين مع كل من الرئيس بري ورئيس الحكومة سعد الحريري، وأفيد أن نجاد توجّه للحريري بكلمات تودد.
وخلال المؤتمر الصحافي المشترك، قال الرئيس اللبناني ‘ان المحادثات كانت معمقة استعرضت واقع العلاقات الثنائية وسبل تطويرها وتعزيزها بين دولة ودولة’. وشكر سليمان نظيره الايراني على ‘وقوف ايران الدائم الى جانب لبنان في وجه الاعتداءات الاسرائيلية والتهديدات كما شكره على الدعم الذي قدمته ايران اثر عدوان تموز 2006’. وأعلن انه ‘تم التأكيد على صيانة الوحدة الوطنية والعيش المشترك وتعزيز الاستقرار والسلم الاهلي’، كما أكد ‘حرص لبنان على الاستمرار في العمل من اجل ارغام اسرائيل على تنفيذ القرارات الدولية، وخصوصاً القرار 1701 في جميع مندرجاته ولا سيما الانسحاب الكامل غير المشروط من الاراضي اللبنانية المحتلة، مع الاحتفاظ بحقنا في تحريرها بجميع الطرق المشروعة’. ولفت الى انه ‘تم التوقيع على مجموعة من الاتفاقيات في مجالات الزراعة والاتصالات والصحة والبيئة والتعليم والسياحة والطاقة والمياه’، مشيراً الى اتفاقيات اخرى قيد المتابعة، وذلك ‘في اطار تعزيز فرص الاستثمار وتوسيع آفاق التعاون’. وقال انه ‘تم التأكيد على أهمية التمسك بالحقوق العربية من استعادة كل الاراضي العربية المحتلة ورفض التوطين’، مشدداً على ‘عودة الفلسطينيين الى اراضيهم وعلى ضرورة استمرار العمل للوصول الى حل عادل وشامل للشرق الاوسط استناداً الى مقررات قمة بيروت العربية’. ورد الرئيس الايراني شاكراً الحفاوة اللبنانية التي لقيها اثناء استقباله ‘وكأنني في بيتي ووطني وبين اخوتي’، وأكد ‘ان لبنان يمثل العزة والحرية لكل الشعوب في المنطقة’. وقال: ‘ان لبنان غيّر معادلات الاعداء في المنطقة، ونحن ندعم الكفاح المرير للشعب اللبناني. فنحن في الحقيقة شعبان، نحب ونطلب العدالة، ولدينا مصالح مشتركة واعداء مشتركون، وشاء الله ان يمنّ علي ان ازور هذا البلد الطيب’. ووصف نجاد المباحثات بـ’البناءة والمهمة للغاية’، وقال: ‘وفي ما يتعلق بالتعاون فان لا محدودية له، ودولياً وجهات نظرنا مشتركة وتتطابق مع بعضها البعض. ونحن نطلب ان يعيش ابناء المنطقة وهم احرار، كما اننا نعشق التعايش السلمي وندعو اليه، لكن نحن نعارض كل الخروقات التي يقوم بها الكيان الصهيوني’. ولفت نجاد في الشأن الفلسطيني الى ‘وجوب حل القضية الفلسطينية على اساس العدالة وان يعود الفلسطينيون الى وطنهم المحتل، كما انه لا بد ان تتحرر فلسطين، ونؤكد بجد واصرار على تحرير الاراضي المحتلة في لبنان وسورية، ونريد لبنان واحداً متحداً قوياً ومتطوراً’. وختم نجاد كلمته بالاشارة الى ان الشعب اللبناني والشعوب في المنطقة كافة، قادرة على تسيير امورها بمفردها وبمقدورها السير مع بعضها البعض بعلاقات على اساس العدالة، وقال:’ ان منطقتنا ليست في حاجة الى التدخلات الخارجية’. وفي ختام المؤتمر، قدّم نجاد هدية الى لبنان، وهي عبارة عن جهاز تقني للابحاث من صنع ايراني، لا يملكه سوى 6 دول في العالم.
اما غداء بعبدا على شرف الضيف الايراني فكان جامعاً كل أطياف المجتمع اللبناني وهو ما لم يحصل خلال القمة الثلاثية التي جمعت الرئيس السوري بشار الاسد والعاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز، إذ شارك في الغداء أقطاب 14 آذار الى جانب أقطاب المعارضة ولاسيما رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع ورئيس حزب الكتائب أمين الجميّل ورئيس ‘كتلة المستقبل’ الرئيس فؤاد السنيورة.
وأكد الرئيس سليمان في كلمته على الغداء ان ‘ لبنان يحفظ لايران وقوفها الدائم معه وإلى جانب قضاياه المحقة في مواجهته الإعتداءات الإسرائيلية الدائمة’، وقال: ‘لقد وفّرتم للبنان الدعم إثر عدوان تموز 2006، إذ تمكن من التصدي للعدو ودحره’. أضاف: ‘تمكن لبنان من التصدي للعدوان بفضل تضامن جيشه وشعبه ومقاومته ومن ضمن إمكاناته التي تعمل الدولة اللبنانية على تعزيزها ووضعها ضمن استراتيجية دفاعية شاملة’. وأكد ‘ان لبنان الذي يسعى لاجبار إسرائيل على تطبيق القرار 1701، يحتفظ بحقه في استرجاع أو تحرير أراضيه بجميع الطرق المتاحة والمشروعة’، وقال: ‘علينا ان نبقى مع ذلك في غاية التنبه من إسرائيل التي تعمل على زرع الفتنة في لبنان والتفرقة بين أبنائه’. وشدد على ‘أن المحافظة على بلدنا هي في وحدتنا الوطنية وفي المؤسسات الشرعية وفي أسس العيش المشترك ووفق الوفاق الذي قام عليه لبنان منذ إنشائه’. وقال: ‘إلى جانب التعاون السياسي يسعدنا أن يأخذ التعاون جوانب أخرى’. من جهته، قال الرئيس نجاد ‘ان علاقات الصداقة تاريخية ومتجذرة بين إيران ولبنان خصوصاً في المجال الثقافي المتميز’. واعتبر ‘ان الإتفاقيات التي وقعت تدل على الارادة السياسية في تعميق وتنمية العلاقات في ما بيننا’، وقال: ‘ننظر الى المواقف المشتركة السياسية والاستقلال وحرية الفكر كجهود تبذل حالياً من اجل التطور المادي والمعنوي، والتواجد في هذه المنطقة بفرصها وتحدياتها المشتركة التي يواجهها بلدانا مما يعزز التواصل بيننا’. الى ذلك، توجّه الرئيس الايراني بعد الظهر الى ساحة الشهداء ووضع اكليلاً من الزهر على نصب الشهداء القريب من ضريح الرئيس رفيق الحريري، في حضور نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع الوطني الياس المر، رئيس بعثة الشرف اللبنانية وزير الشباب والرياضة علي عبد الله، قائد الجيش العماد جان قهوجي، محافظ بيروت بالوكالة ناصيف قالوش، رئيس مجلس بلدية بيروت بلال حمد، وقائد منطقة بيروت العسكرية.
بعد ذلك توجه الرئيس الايراني الى مكان اقامته، وعقد لقاء مع التجار والاقتصاديين. وعند الساعة السابعة مساء توجّه الى الضاحية الجنوبية حيث أقام له حزب الله وحركة أمل احتفالاً شعبياً في ملعب الراية، انتقل بعده نجاد الى مقر الرئاسة الثانية حيث التقى الرئيس بري الذي أقام على شرفه مأدبة عشاء.
ويتضمن برنامج الرئيس الايراني اليوم الخميس فطور عمل يقيمه نجاد عند الساعة السابعة والنصف صباحاً، في مقر اقامته ويضم حوالى 25 شخصاً. وعند التاسعة، يعقد لقاء مع فاعليات ومرجعيات دينية في مقر الاقامة.
ويلقي الرئيس نجاد محاضرة، عند العاشرة والنصف من قبل الظهر في مدينة الرئيس رفيق الحريري الجامعية في الحدث، ويمنح شهادة دكتوراة فخرية في العلوم السياسية. وعند الاولى والنصف، يقيم رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري مأدبة غداء رسمية على شرف الرئيس الايراني في السرايا الكبير. وعند الثالثة الا ربعاً يتوجه الرئيس نجاد الى الجنوب حيث يشارك في احتفال حاشد في بنت جبيل ويتفقد قانا، على ان يعود الى القصر الجمهوري عند الثامنة والنصف لوداع الرئيس ميشال سليمان.