بصرف النظر عن كل ما قيل وما يقال وما سيقال، في الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وبصرف النظر عن توجهاته ومعتقداته وأفكاره وثقافته وارتباطاته الأمريكية والإسرائيلية والعربية.. وبصرف النظر أيضا عن حقيقة مشاعره تجاه الفلسطينيين وطبيعة علاقاته بهم، ونظرته الإنسانية إليهم وتعاطفه معهم وإشفاقه عليهم، ورغبته في حل قضيتهم، ووضع حد لآلامهم وبؤسهم ومعاناتهم وتشردهم.. بصرف النظر عن كل ذلك، وكثير غيره، إلا أن الرئيس الأمريكي يرى أن من واجب الولايات المتحدة الأمريكية وضع حد للصراع العربي الإسرائيلي، وصولاً لإحلال السلام والأمن في منطقة الشرق الأوسط خدمة للسلم والأمن الدوليين، وخدمة لرفاه الشعوب وأمنها وأمانها وتقدمها وازدهارها، وخدمة لمصالح أمريكا، ونفوذها في هذا العالم.
منذ أن آلت اليه مقاليد الأمور حرص أوباما على حل القضية الفلسطينية التي تؤرق المجتمع الدولي منذ أكثر من اثنين وستين عاما، كما حرص أوباما على وضع حد للصراع العربي الإسرائيلي، وألقى بكل ثقله في هذا الاتجاه، لكنه اصطدم أمريكيا بالمتشددين المتزمتين المؤيدين بلا حدود للدولة العبرية، ولكل مشاريع اليمين الإسرائيلي المتشدد وأطماعه في كل الأرض العربية.. اصطدم أوباما منذ توليه الرئاسة بقادة اليمين الإسرائيلي الحاكم، كما اصطدم برموز ‘اللوبي’ اليهودي الداعم لإسرائيل في الولايات المتحدة، وبقياداته وناشطيه، وعلى الرغم من ذلك، وعلى الرغم من تعثر جهوده ومساعيه لحل هذه القضية المستعصية إلا أن أوباما لم ييأس؛ فقد استأنف هذه الجهود والمساعي التي رحب بها الفلسطينيون والعرب، وكانت المفاوضات المباشرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين مؤخرا، وكانت نهاية تجميد الاستيطان الجزئي في السادس والعشرين من أيلول/سبتمبر الماضي، وكان إصرار المفاوض الفلسطيني على ضرورة الاستمرار في تجميد الاستيطان كي تستمر هذه المفاوضات، وكانت هجمة الاستيطان والمستوطنين من جديد بعد السادس والعشرين من الشهر الماضي.. وكانت ضغوط أوباما على الجانب الفلسطيني بعدم الانسحاب الفوري من هذه المفاوضات وإعطاء نتنياهو فرصة تمكنه من إعلان موافقته على تمديد التجميد مدة ستين يوما فقط كي تستمر هذه المفاوضات.
ولكي يوافق اليمين الإسرائيلي الحاكم على هذا التمديد كانت هناك سلسلة من الإغراءات والضمانات الأمريكية لهذا اليمين، وكان التعهد الأمريكي للجانب الفلسطيني بأن الولايات المتحدة الأمريكية ستعترف بخطوط الرابع من حزيران/يونيو حدودا للدولة الفلسطينية.. فماذا يعني هذا الإصرار الأمريكي؟ وما الذي سيؤدي إليه في النهاية؟ الاستيطان (الذي لم يتوقف في منطقة القدس وبيت لحم) استؤنف بقوة بعد انتهاء الشهور العشرة، ويبدو أن نتنياهو بات عاجزا عن وقفه، وهو لا يملك شيئًا من وسائل الضغط على المستوطنين حتى لو رغب في ذلك؛ فقد أصبحوا قوة مؤثرة في السياسة الإسرائيلية ليس من السهل تجاهلها؛ بل إن المستوطنين باتوا قادرين على التحدي والمواجهة بما يملكون من أسلحة ومن إصرار على البقاء في ‘مستوطناتهم’، أما الحل السياسي للمستوطنات والمستوطنين، والمتمثل في مبادلتهم بعرب الداخل ـ بحسب تصورات قادة اليمين الإسرائيلي ـ فهو أمر يرفضه (عرب الداخل) كل الرفض، كما يرفضه الفلسطينيون في الضفة الغربية وغزة كل الرفض، وهو مجرد وهم في رؤوس المروجين له، ثم إن كافة إغراءات أوباما ليست أمرا جديدا في السياسة الأمريكية؛ فمنذ أن أقيمت إسرائيل على جزء من أرض فلسطين تعهدتها أمريكا بالمال والسلاح والرعاية والحماية، ولعل تاريخ (الفيتو) الأمريكي ضد الحق العربي في فلسطين يمثل جانبا من الشواهد على صحة هذا الادعاء! فلماذا سيقبل اليمين الإسرائيلي المتشدد بهذه الإغراءات والضمانات وصفقات الأسلحة والمساعدات المالية المشروطة بوقف الاستيطان، في الوقت الذي حصل فيه على أضعاف أضعافها من دون قيد أو شرط؟ وفي الوقت الذي يستطيع فيه أن يحصل عن طريق (الإيباك)، وعن طريق غيره من منظمات الضغط اليهودي في أمريكا على أكثر مما سيقدمه أوباما لقاء تجميد جزئي للاستيطان مدة ستين يوما؟ أغلب الظن أن إغراءات أوباما وضماناته للإسرائيليين لن تجد آذانا صاغية في الدولة العبرية، ولن تحمل نتنياهو على تمديد فترة التجميد حتى لو كان ذلك شكليا، وحتى لو كانت موافقته على ذلك باللسان فقط، ولن توقفه عن ممارسة مراوغاته التي يهدف من ورائها إلى الاحتفاظ بعلاقاته مع أمريكا، ومع اليمين الإسرائيلي المتشدد، ومع الجانب الفلسطيني المفاوض، وأغلب الظن أن اليمين الإسرائيلي الحاكم قادر على ردع نتنياهو ومنعه من التمديد حتى لو كان شكليا.. أما إذا أصر نتنياهو على الظهور بمظهر من يمسك بالعصا من وسطها، وكمن يستطيع الاحتفاظ ببطيختين في يد واحدة، وإذا ما ارتأى أن يستمر في مراوغته التي لم يخسر معها حتى الآن شيئًا ذا بال، فقد يكون ذلك وسيلة من وسائل الهروب من مأزق ألفى نفسه فيه، والاختباء خلف أزمة وزارية مفتعلة تُفضي إلى انتخابات مبكرة تخوض غمارها أحزاب دينية جديدة، وأحزاب قومية متشددة جديدة قد تؤدي إلى حقبة جديدة تحكم الدولة العبرية خلالها وجوه جديدة من غلاة المتشددين اليهود، تنعكس سلبا على أوباما وعلى الحزب الديمقراطي، وعلى كثير من المعتدلين، ومن دعاة السلام والتعايش والاعتدال في بلاد العرب. أ. عدنان السمانwww.smmn.co.nr