انجاز كيسنجر ومكر التاريخ

حجم الخط
0

عوني فرسخ طالما وُصف د. هنري كيسنجر بأنه ‘مترنيخ القرن العشرين’، تشبيها له بالوزير النمساوي، داهية القرن التاسع عشر. ومنذ شغل منصب مستشار الأمن القومي في ادارة الرئيس نيكسون مطلع سبعينات القرن الماضي، عرف بمشاعره الصهيونية وانحيازه لاسرائيل، الذي بلغ ذروته إبان حرب 1973 وفي اعقابها. وقد وظف موقعه الرسمي ليس فقط في اجهاض النتائج السياسية للحرب المجيدة التي جسدت أفضل تكامل للقدرات والامكانات العربية، وانما ايضاً في اخراج مصر من الصراع، بكل ما تمثله في تاريخ وواقع أمتها العربية، باعتبارها عمودها الفقري. فمصر بما تمتلكه من امكانات مادية وقدرات بشرية وتراث حضاري، جسدت ما اعتبر قومياً الاقليم العربي القاعدة، صاحب الدور التاريخي في استنهاض روح الممانعة والمقاومة المتجذرة في فكر نخب الأمة ووجدان جماهيرها، المعروف تاريخياً بقدرته على استقطاب وتفعيل قوى الممانعة في مشرق وطنها ومغربه، وقيادتها في معارك دحر الغزاة وتطهير ثراها المقدس من دنسهم.

ويذكر أن مترنيخ كانت قد أرقته مؤشرات امكانية تجدد شباب الامبراطورية العثمانية العجوز، بحلول قيادة فتية في شخص محمد علي محل القيادة العثمانية التي شاخـــت وترهلت، أو أن يقيم امبراطورية عربية فتية. وفي مواجهة احتمال تحقق أحد الخطرين تراجعت التناقضات الحادة في ما بين الدول الاستعمارية الأوروبية لتغدو تناقضات ثانوية بين قوى معسكر استعماري واحد، إذ شكـــلت بريطانيا وفرنسا وروسيا والنمسا وبروسيا ‘الاجماع الأوروبي’، الذي لعبــــت البرجوازية اليهودية متنامية الفعالية والنفوذ، خاصة أسرة روتشيلد، دوراً تاريخياً في تحقيقه، بحمل ملك فرنسا لويس فيليب على الانضمام للحلف الذي تقوده انكلترا، والتخلي عن حليفه محمد علي، والمشاركة في انقاذ العرش العثــماني والاحتــفاظ بما تبقى من امبراطوريته لحين الاتفاق على اقتسامها.

وبإثارة النزاعات الطائفية والزعامات الاقطاعية في مواجهة الوجود المصري في بلاد الشام آنذاك، اضطر محمد علي الى سحب الجيش بقيادة ابراهيم باشا، والتوقيع على اتفاقية لندن سنة 1840، التي حصرت نفوذه واسرته في مصر، والزمته بتخفيض عدد الجيش، وتفكيك ترسانته العسكرية، وفتح اسواق مصر لمن وصفوا وبحق بأنهم ‘حثالة أوروبا’. ولتكريس الانجاز الاستعماري الأوروبي بعث البارون روتشيلد رسالة الى وزير خارجية بريطانيا اللورد بالمرستون في آذار/مارس 1840 تضمنت ما نصه: ‘إن هزيمة محمد علي، وحصر نفوذه في مصر ليست كافية، لأن هناك قوة جذب بين العرب، وهم يدركون أن عودة مجدهم القديم مرهونة بامكانية اتحادهم واتصالهم. واننا لو نظرنا الى خارطة هذه البقعة من الأرض فسوف نجد أن فلسطين هي الجسر الذي يفصل بين مصر وبقية العرب في آسيا. وكانت فلسطين دائماً بوابة الشرق. والحل الوحيد هو زرع قوة مختلفة على هذا الجسر وفي هذه البوابة لتكون هذه القوة بمثابة حاجز يمنع الخطر العربي ويحول دونه. والهجرة اليهودية الى فلسطين تستطيع أن تقوم بهذا الدور، وليست تلك خدمة لليهود يعودون بها الى أرض الميعاد مصداقا للعهد القديم، ولكنها ايضاً خدمة للامبراطورية البريطانية ومخططاتها. فليس ما يخدم الامبراطورية أن تتكرر تجربة محمد علي بقيام دولة قوية في مصر، او بقيام اتصال بين مصر والعرب الآخرين’. وواضح أن كيسنجر بإخراجه النظام في مصر من الصراع حقق انجازاً يقع في صلب الاستراتيجية الاستعمارية لإقامة المشروع الصهيوني.

والثابت على مدى ما يجاوز الألف عام من التاريخ العربي أنه كلما انكفأت مصر داخل حدودها القطرية، وغاب دورها الضابط للنزاعات العربية ـ العربية، تشرذم المشرق العربي، وشاعت فيه النزاعات اللامجدية، وتقدمت عند غالبية نخبه تناقضاتها الثانوية على تناقضاتها الرئيسية مع القوى الخارجية الدولية والاقليمية. وهذا ما تحقق بدءاً من النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي بالعجز عن اقامة الجبهة الشرقية، وفشل محاولة اتحاد العراق وسورية. وبعدم تحقق قدر من تكامل القوى الوطنية العربية، توالت تداعيات غياب دور مصر القومي، ما فسح المجال للعدو الصهيوني لكي يملاً الفراغ العربي، باحتلاله جنوب لبنان سنة 1978، ثم بغزوه حتى احتلال عاصمته، وإخراج المقاومة الفلسطينية من معظم أراضيه، ثم فرض اتفاق الاذعان على بشير الجميل وحكومته في 17 أيار/مايو 1983، فيما بدا تتويجاً للانجاز الاستراتيجي الذي حققه كيسنجر. غير أن العربدة العنصرية الصهيونية، في غياب الردع الرسمي العربي، شكلت تحدياً استدعى استجابة شعبية أشد خطورة على حاضر ومستقبل الكيان الصهيوني، إذ لم يعد يواجه أنظمة يمتلك تفوقاً استراتيجياً عليها في ميزان القدرات والأدوار، بفعل دعم رعاته على جانبي الأطلسي، وانما غدا يواجه مقاومة شعبية متنامية الفعالية في كل مواقع الصراع، فضلاً عن أنها عرت طبيعته العنصرية، وفضحت زيف الادعاء بأنه ‘واحة الديمقراطية في صحراء الشرق الأوسط.

ففي لبنان لم تسقط المقاومة اتفاق الاذعان فقط، وانما نفذت ايضاً قرار مجلس الأمن رقم 425 بكنسها قوات الاحتلال من الجنوب في ايار/مايو 2000. وقد توجت ابداعاتها بافقاد العدو قوة ردعه، واسقاط اساطير تفوقه التي يدعيها، وبالذات اسطورة الجيش الذي لا يقهر، بصمودها الاسطوري أمام عدوانه صيف 2006. وفي فلسطين سجلت انتفاضة اطفال الحجارة سنة 1987 بداية صيرورة الأرض المحتلة مسرح الصراع الأول. فيما عبرت انتفاضة الأقصى سنة 2000 عن رفض الأجيال الشابة اتفاق اوسلو وما تمخض عنه من اتفاقات. ولقد حال الصمود الاسطوري في قطاع غزة المحاصر دون استعادة العدو قوة ردعه، وقدم الدليل على صحة القول: شعب تمرس في الصعاب ولم تنل منه الصعاب.

وفي مصر تأكد على مدى العقود الثلاثة الماضية أن جماهير الكنانة ونخبها الفكرية والفنــــية لم تخـــــرج من الصراع باخراج النظام منه. وانما صمدت على موقفها التاريخي، إذ لم تستجب لدعوة التطبيع التي جند لها غير يسير من حملة الأقلام، ولا هي تنكرت لثوابتها الوطنية، باعتبار الكيان الصهيوني مصدر الخطر الأول على الأمــــن الوطني والسلام الاجتماعي. وفي آفاق مصر مؤشرات واعدة يصنعها شبابها متنامي الفاعلية في نضاله للديمقراطية والتغيير واستعادة الوعي القومي.

وفي الساحات الثلاث ما يؤشر الى أن انجاز كيسنجر الاستراتيجي كان وبالاً على الكيان، إذ اطلق ارادة المقاومة الشعبية من قيود الارتهان للقرار الرسمي العربي. ما يمكن اعتباره مكر تاريخ أمة كان وطنها مقبرة الغزاة. فضلاً عن أن في ردة الفعل الشعبية ما يدعو لترجيح فشل مخطط التصفية الذي يعمل لتحقيقه التحالف الدولي والاقليمي بقيادة أوباما.’ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية